
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنِّي قمت من اللَّيل فصلَّيت ما قُدِّر لي، فنعست في صلاتي حتَّى استثقلت، فإذا أنا بربِّي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمَّد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ربِّ. قال: يا محمَّد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ربِّ. قال: يا محمَّد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ربِّ. فرأيته وضع كفَّه بين كتفيَّ حتَّى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلَّى لي كلُّ شيء وعرفت، فقال: يا محمَّد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفَّارات والدَّرجات. قال: وما الكفَّارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجُمُعات، والجلوس في المساجد بعد الصَّلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات. فقال: وما الدَّرجات؟ قلت: إطعام الطَّعام، ولين الكلام، والصَّلاة والنَّاس نيام. قال: سل. قلت: اللهمَّ إنِّي أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفَّني غير مفتون، وأسألك حبَّك وحبَّ من يحبُّك وحبَّ عمل يقرِّبني إلى حبِّك». ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّها حقٌّ، فادرسوها وتعلَّموها». ويجعل ابن رجب ألفاظ هذا الحديث ومحاوره أساسًا لشرحه، بعد أن يذكر اختلاف طُرُقه وألفاظه وما ورد في بعض رواياته من زيادات.
ويستخرج من صدر الحديث جملةً من الأحكام والمعاني؛ منها وقت صلاة الصُّبح، وحكم من أخَّر الصَّلاة حتَّى خشي خروج وقتها، وتخفيفها عند الحاجة إلى إدراك الوقت، وما في الرُّؤيا الصَّالحة من البشارة والتَّعليم. ثمَّ يتناول ما ورد في الحديث من وصف النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه عز وجل، فيقرِّر وجوب الإيمان بما صحَّ من ذلك من غير تمثيل ولا تكلُّف فيما لا علم للإنسان به، ويفسِّر «الملأ الأعلى» بالملائكة أو المقرَّبين منهم، ويبيِّن عنايتهم بأعمال بني آدم وما يرفع درجاتهم ويكفِّر خطاياهم.
ثمَّ يفرد الكفَّارات بفصل مستقلٍّ، ويبدأ بإسباغ الوضوء على المكاره، فيجمع النُّصوص الواردة في تكفير الوضوء للخطايا ورفع الدَّرجات به، ويشرح معنى الإسباغ بأنَّه إتمام الوضوء وإبلاغ الماء مواضعه المشروعة، ومعنى المكاره بما يشقُّ على النَّفس من برد أو ألم أو حال تستثقل فيها الطَّهارة. ويربط ما يصاحب الطَّاعة من مشقَّة بزيادة الأجر وتكفير الذُّنوب، ثمَّ يذكر ما يعين على احتمال هذه المشقَّة من تذكُّر فضل العبادة، واستحضار عظمة الله عز وجل، ومراقبته للعبد، ومحبَّة ما يحبُّه من الطَّاعات.
ويتناول الكفَّارة الثَّانية، وهي المشي إلى الجماعات والجُمُعات، فيذكر ما ورد في حطِّ الخطايا ورفع الدَّرجات بكلِّ خطوة إلى المسجد، وفضيلة كثرة الخُطا وبعد المنزل، والمشي إلى الصَّلوات في الظُّلَم، ولا سيَّما الفجر والعشاء. ويجعل الذَّهاب إلى المسجد بعد الطَّهارة امتدادًا لتطهير العبد؛ فيطهِّر الوضوء ظاهرَه وباطنَه، ثمَّ تزيد خُطاه إلى المسجد في محو الخطايا، وتأتي الصَّلاة بعد ذلك لتتمَّ التَّكفير ورفع الدَّرجات. ويقيِّد هذا بما عليه جمهور العلماء من أنَّ هذه الأعمال تكفِّر الصَّغائر، أمَّا الكبائر فتحتاج إلى توبة.
أمَّا الكفَّارة الثَّالثة فهي الجلوس في المساجد بعد الصَّلوات، ويفسِّره أوَّلًا بانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة، ويربطه بالرِّباط لما فيه من حبس النَّفس على الطَّاعة ومخالفة هواها. ويُدخِل فيه كذلك الجلوس للذِّكر والقراءة وسماع العلم وتعليمه، ولا سيَّما بعد صلاة الصُّبح، ويذكر ما ورد في صلاة الملائكة على من بقي في مصلَّاه، وما في ملازمة المسجد من مجاهدة النَّفس ومنعها من التَّشاغل بما تنتشر إليه من أمور الدُّنيا.
ثمَّ ينتقل إلى «الدَّرجات»، ويبدأ بإطعام الطَّعام، فيجمع الآيات والأحاديث الدَّالَّة على أنَّه من أسباب دخول الجنَّة والنَّجاة من النَّار، ويؤكِّد إطعام الجائع والجار، ثمَّ يخصُّ الإيثار بمنزلة أعلى حين يقدِّم الإنسان غيره على نفسه مع حاجته. وينقل في ذلك أحوالًا عن السَّلف في إيثار الفقراء والإخوان بطعامهم، وخدمة الضُّيوف، وتقديم الإطعام على بعض وجوه الإنفاق الأخرى.
ويشرح الدَّرجة الثَّانية، وهي لين الكلام، وفي بعض روايات الحديث إفشاء السَّلام، فيجعلها استكمالًا للإحسان إلى الخلق بالقول بعد الإحسان إليهم بالفعل. ويتناول الكلمة الطَّيِّبة، وإفشاء السَّلام، وطلاقة الوجه، واحتمال أذى النَّاس، والرِّفق في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ويذكر أنَّ الإغلاظ قد يفسد المقصود من النُّصح، وأنَّ كثيرًا من السَّلف كانوا يؤثرون الإنكار سرًّا وبالرِّفق ما أمكن. كما يورد أمثلةً في مقابلة الإساءة بالحلم ولين الخطاب وكظم الغيظ.
ويجعل الدَّرجة الثَّالثة الصَّلاة باللَّيل والنَّاس نيام، فيربط قيام اللَّيل بعلوِّ الدَّرجات في الجنَّة وما أُعِدَّ لأهله من النَّعيم، ويذكر ما فيه من مجاهدة النَّفس وترك لذَّة النَّوم طلبًا لما عند الله عز وجل. ويستطرد في أحوال المتهجِّدين وما نُقِلَ عن السَّلف في ملازمة القيام، ويربط صفاء المناجاة بالخلوة في اللَّيل وصدق الإقبال على الله تعالى.
ثمَّ يفرد للدُّعاء الوارد في الحديث فصلًا، فيبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ إنِّي أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات»، ويجعل هذا من جوامع الدُّعاء؛ لأنَّ فعل الخيرات يشمل ما يحبُّه الله تعالى من الأقوال والأعمال الواجبة والمستحبَّة، وترك المنكرات يشمل ما يكرهه من الأقوال والأفعال. ويخصُّ حبَّ المساكين بالذِّكر لما فيه من الإخلاص في المحبَّة؛ إذ لا يُحَبُّون لما عندهم من دنيا، بل لله عز وجل، فيربط ذلك بالحبِّ في الله الذي يجعله من أوثق عرى الإيمان.
ويتناول بعد ذلك سؤال المغفرة والرَّحمة، ثمَّ قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون»، فيجعل المقصود السَّلامة من الفتن التي يخشى منها فساد الدِّين، ويفرِّق بينها وبين الفتن الصَّغيرة التي تقع في الأهل والمال والولد ويكفِّرها الصَّبر والطَّاعات. ويذكر أنَّ سؤال الموت قبل الفتنة إنَّما هو طلب للحفظ من الفتن المضلَّة إذا قُدِّر وقوعها.
ويختم بشرح قوله صلى الله عليه وسلم: «وأسألك حبَّك، وحبَّ من يحبُّك، وحبَّ العمل الذي يبلغني حبَّك»، فيجعل محبَّة الله عز وجل أصلًا تتفرَّع عنه محبَّة ما يحبُّه من الأشخاص والأعمال، وأنَّ الوصول إلى هذه المحبَّة يكون بأداء الفرائض وترك المحرَّمات، ثمَّ بالتَّقرُّب بالنَّوافل وترك المكروهات والمشتبهات. ويذكر من أعظم ما ينمِّيها تلاوة القرآن بتدبُّر، وكثرة ذكر الله تعالى بالقلب واللِّسان، والخلوة بمناجاته، ولا سيَّما في ظلمة اللَّيل؛ ثمَّ ينتهي إلى تصوير أحوال أهل المحبَّة والذِّكر وقيام اللَّيل، وما يجدونه من الشَّوق والتَّعلُّق بالله عز وجل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














