مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب شرح حديث شداد بن أوس "إذا كنز الناس الذهب والفضة" تأليف ابن رجب الحنبلي PDF
كتاب شرح حديث شداد بن أوس "إذا كنز الناس الذهب والفضة" تأليف ابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يشرح ابن رجب الحنبلي حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إذا كنز النَّاس الذَّهب والفضَّة، فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهمَّ إنِّي أسألك الثَّبات في الأمر، والعزيمة على الرُّشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنَّك أنت علَّام الغيوب». ويفصِّل معاني هذه الكلمات وما اشتملت عليه من أصول صلاح العبد في دينه وقلبه وعمله، مبتدئًا بالمقابلة بين كنزها وكنز الذَّهب والفضَّة؛ فهذه الكلمات وما تثمره من إيمان وعمل صالح يبقى نفعها، أمَّا المال فيفنى، ولا يكون نفعه الحقيقي بمجرَّد جمعه وحبسه، وإنَّما بأداء حقوقه وإنفاقه في وجوه البرِّ والطَّاعات. ويورد لذلك الوعيد الوارد فيمن يكنز المال ويمنع حقَّه، وما جاء في تمثُّل المال يوم القيامة عذابًا لصاحبه إذا لم يؤدِّ حقَّ الله تعالى فيه.

ويقابل كنز المال بما يبقى نفعه بعد الموت من الإيمان والعمل الصَّالح والكلمات الطَّيِّبة، ويذكر من هذا الباب القرآن والذِّكر و«لا حول ولا قوَّة إلا بالله»، ثمَّ يورد معنى «كنز المؤمن ربُّه»؛ أي أن يكون ذخْر الإنسان الحقيقي في طاعة الله تعالى وخشيته ومحبَّته والتقرُّب إليه، حتى يجد أثر ذلك حين تشتدُّ حاجته. ويصل هذا بوصيَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لابن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»، ليقرِّر أنَّ الغنى الأكبر ليس فيما يدَّخره الإنسان من متاع يفنى، بل فيما يقدِّمه لنفسه من صلة بالله عزَّ وجلَّ تبقى له عند زوال الدُّنيا.

ثمَّ يفسِّر سؤال «الثَّبات في الأمر»، والمراد بالأمر عنده الدِّين والطَّاعة؛ فالعبد يسأل ربَّه أن يثبِّته على دينه إلى الممات، لأنَّ قول «ربُّنا الله» لا يكفي من غير استقامة، وأهل الاستقامة أقلُّ من مجرَّد المنتسبين إلى الإيمان. ويؤكِّد أنَّ الإنسان لا يملك ثبات قلبه بنفسه، ولذلك كان النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يكثر أن يقول: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». ومن هنا يحذِّر من الاغترار بالعمل الحاضر؛ فقد يجتهد الإنسان في الطَّاعة ثمَّ تفسد خاتمته، وقد يكون ظاهر العمل كثيرًا ولا يكون لصاحبه منه إلا التَّعب إذا فقد ما يصحِّحه ويقبله الله تعالى.

ويمدُّ معنى الثَّبات إلى مراحل حاجة الإنسان كلِّها؛ فهو محتاج إليه طوال حياته، ويشتدُّ احتياجه إليه عند الموت، ثمَّ يحتاج إليه في القبر عند السُّؤال، مستدلًّا بقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}. ومن دخل في الطَّاعة احتاج إلى أن يثبت عليها وألَّا تهزمه شهوات الهوى بعد توبته، ولهذا يحثُّ التائبين على الصبر والمصابرة ومقاومة دواعي النَّفس، وعلى المداومة إلى الممات؛ فالعمل المحبوب إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ، والعبادة لا تنتهي قبل اليقين الذي هو الموت.

ويصوِّر الحياة طريقًا متَّصلًا إلى لقاء الله تعالى، لا يحتمل أن يبدأه الإنسان ثمَّ يرجع عنه، ويشبِّه مجاهدة الشَّهوات بصيام قصير يعقبه «عيد اللقاء»؛ فما بقي من العمر مهما امتدَّ سينقضي، ومن سار في طريق العبوديَّة لا بدَّ له من مواصلة السَّير حتى يبلغ. ولا يدعو إلى التكلُّف الذي ينقطع بصاحبه، بل يستدلُّ بالأمر بالتَّسديد والمقاربة والقصد، حتى يجتمع استمرار العمل مع الاعتدال فيه، ويستعين العبد على مشقَّة الطَّريق بتذكُّر قرب الوصول وزوال التَّعب.

ويفصِّل بعد ذلك معنى «العزيمة على الرُّشد»، فيجعل العزيمة مبدأ الخير؛ لأنَّ الإنسان قد يعرف الحقَّ والرُّشد ولا يملك إرادةً جازمةً للعمل به. والعزيمة هي القصد الجازم المتَّصل بالفعل واستجماع قوَّة الإرادة عليه، والرُّشد هو طاعة الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، في مقابل الغيِّ والضَّلال. ومع ذلك لا يستقلُّ العبد بتحصيل العزم، بل يحتاج إلى الاستعانة بالله تعالى والتوكُّل عليه في إيجاد العزيمة ثمَّ في تنفيذ مقتضاها، ولذلك يجتمع في قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} صدق الإرادة مع الافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ.

ويقسِّم العزم إلى عزم يبتدئ به الإنسان طريق الخير، وعزم يواصل به السَّير بعد دخوله فيه وينتقل به من حال إلى ما هو أكمل منها. فبالأوَّل يخرج الكافر من الكفر إلى الإسلام، والعاصي من المعصية إلى الطَّاعة، وبالثَّاني يثبت المطيع ويتقدَّم في مراتب الخير. وإذا صدقت عزيمة الإنسان حمل على هوى نفسه وعلى الشيطان حملةً جادَّة، ويكون عون الله تعالى له على قدر قوَّة عزمه؛ أمَّا التردُّد فيفتح باب التَّسويف والأماني، ويجعل الشيطان أطمع في إرجاء التَّوبة والعمل.

ويجعل عمر بن عبد العزيز مثالًا تطبيقيًّا لصدق هذه العزيمة، فيذكر ما وقع منه عند تولِّيه الخلافة حين أعرض عن مظاهرها، وردَّ المظالم، وأعاد ما كان في يده من القرى والأملاك إلى بيت مال المسلمين، ولم يؤخِّر ذلك حين نبَّهه ابنه عبد الملك إلى أنَّه لا يضمن أن يعيش إلى الوقت الذي أجَّل إليه العمل ولا أن تبقى له نيَّته. ويعرض ما تلا ذلك من زهده وتخفُّفه من النَّعيم وشدَّة محاسبته لنفسه، حتى كان يطلب ممَّن حوله أن ينبِّهوه إذا مال عن الحقِّ. كما يذكر رضاه بقضاء الله تعالى عند وفاة ابنه عبد الملك وأخيه سهل ومولاه مزاحم، وأنَّ فقد أحبِّ النَّاس إليه لم يزده فيما عند الله تعالى إلا رغبةً.

وينتقل إلى «شكر نعمتك»، فيقرِّر أنَّ الشُّكر يكون بالقلب واللِّسان والجوارح. فشكر القلب هو الاعتراف بأنَّ النِّعم من الله تعالى وفضله، مع محبَّته سبحانه على إحسانه؛ إذ إنَّ القلب مفطور على محبَّة من أحسن إليه. وشكر اللِّسان يكون بالثَّناء على الله عزَّ وجلَّ بنعمه، وذكرها والتحدُّث بها من غير جحود ولا نسيان. أمَّا شكر الجوارح فهو ألَّا يستعين العبد بنعم الله تعالى على معصيته، بل يستخدمها في طاعته؛ فليس من الشُّكر أن يعرف الإنسان مصدر النِّعمة ثمَّ يجعلها آلةً لما نهاه المنعم عنه. ويحثُّ على تقييد النِّعم بالشُّكر؛ لأنَّ المعاصي من أسباب زوالها.

ويشرح «حسن عبادتك» بأنَّه إتقان العبادة والإتيان بها على أكمل وجوهها، ويربطه بمقام الإحسان في حديث جبريل: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك». ويذكر لذلك مقامين: أن يستحضر العبد اطِّلاع الله تعالى عليه وقربه منه، فيخلص العمل ويجتهد في إتقانه؛ وأن يبلغ من حضور القلب أن يعبد ربَّه معاملة من يشاهد بقلبه، فيؤدِّي العبادة بعناية من يستشعر أنَّها آخر عبادة له. ولهذا يستشهد بالأمر بصلاة المودِّع، لأنَّ استحضار انقطاع الفرصة بعد العمل يحمل على إكماله وعدم تضييعه بالغفلة.

ولا يجعل العبرة بكثرة الأعمال وحدها، بل بإحسانها وتقواها وقبولها؛ فالعمل القليل المتقن خير من الكثير الذي يخالطه السَّهو والغفلة. ويورد ما جاء في إحسان الإسلام والوضوء وغيرهما من الأعمال، وينقل عن السَّلف تفضيل ركعتين مع التفكُّر على قيام ليلة مع سهو القلب. ويشرح قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} بأنَّ تقوى العبد في عمله تقتضي إكمال واجباته الظَّاهرة والباطنة، ويكون أتمَّ إذا أتى بآدابه وفضائله.

ويفرِّق في القبول بين مراتب، فأعلاها رضا الله تعالى بالعمل ومدحه لصاحبه والثَّناء عليه في الملأ الأعلى، وقد يُطلق القبول على إثابة الإنسان على عمله وإن لم يبلغ هذه المرتبة من الرِّضا، كما قد يُراد به سقوط الفرض وبراءة الذِّمَّة. ويبيِّن أنَّ العارفين كانت عنايتهم بالمعنى الأوَّل؛ فلا ينشغلون بمجرَّد وقوع العمل منهم بقدر انشغالهم بأن يرضى الله تعالى عنه ويقبله، حتى يصير طلب الرِّضا أعظم عندهم من مجرَّد طلب نعيم الجنَّة.

ثمَّ يفسِّر سؤال «قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا»، فيجعل القلب واللِّسان أصلي صلاح الإنسان، فإذا استقاما استقام شأنه. والقلب السَّليم عنده هو الذي خلا من محبَّة ما يكرهه الله تعالى، فيدخل في سلامته التخلُّص من الشِّرك الجلي والخفي، والأهواء والبدع، والفسوق والمعاصي الظَّاهرة والباطنة، ومن الرِّياء والعُجب والغلِّ والغشِّ والحقد والحسد. وهو القلب الذي لا ينفع يوم القيامة سواه، كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

ويعظِّم سلامة الصَّدر حتى ينقل أنَّ بلوغ بعض السَّلف لم يكن بكثرة الصِّيام والصَّلاة، وإنَّما بسلامة الصُّدور وسخاوة النُّفوس والنَّصيحة. فكثرة أعمال الجوارح لا تزكو إذا ظلَّ القلب ملوَّثًا بالرِّياء والحسد والغلِّ والغشِّ، ويشبِّه ذلك بزرع ينبت في أرض كثيرة الآفات فلا يكاد يسلم. وعلى هذا تكون أعمال الباطن أساسًا لما يظهر على الجوارح، ولا يعوِّض تضخُّم العمل الظَّاهر فساد الأصل الذي يصدر عنه.

ويجعل اللِّسان الصَّادق من أعظم مواهب الله تعالى، ويقابل بين الصِّدق الذي يهدي إلى البرِّ والجنَّة والكذب الذي يهدي إلى الفجور والنَّار. والكذب عنده أصل من أصول النِّفاق كما أنَّ الصِّدق أصل الإيمان، ولذلك يورد مواقف للسَّلف في تحرِّي الصِّدق حين تكون مصلحة الإنسان الظَّاهرة في الكذب، ومن ذلك خبر الربيع بن خثيم حين دلَّ على ابنيه للحجَّاج ولم يحمله الخوف عليهما على مخالفة الصِّدق، فكان صدقه سببًا للعفو عنهما. ومتى طهر اللِّسان من الكذب كان ذلك عونًا على تطهيره من بقيَّة الكلام المحرَّم.

ويربط استقامة اللِّسان باستقامة القلب وسائر الجوارح؛ فاللِّسان ترجمان القلب، والقلب ملك الأعضاء، فإذا صلح الملك وصدق ترجمانه صلحت بقيَّة الجوارح، وإذا فسد القلب أو كذب اللِّسان ظهر أثر ذلك في الإنسان كلِّه. ويستشهد بحديث المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وبما ورد في أنَّ خير النَّاس صاحب القلب المخموم واللِّسان الصَّادق، ويفسِّر القلب المخموم بأنَّه التَّقي النَّقي الذي لا إثم فيه ولا غلَّ ولا بغي ولا حسد. ويورد قصَّة لقمان في اختيار القلب واللِّسان أطيب ما في الشَّاة وأخبث ما فيها؛ لأنَّهما إذا طابا لم يكن في الإنسان أطيب منهما، وإذا خبثا لم يكن أخبث منهما.

ويفسِّر قوله: «وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم» بأنَّه من جوامع الدُّعاء التي تضمُّ كلَّ خير وكلَّ شر، سواء عرف الإنسان تفاصيلهما أم جهلها. ويجعل مجيء هذا السُّؤال العام بعد المطالب الخاصَّة من ذكر العام بعد الخاص، ثمَّ يورد الأدعية النَّبويَّة الجامعة التي تسأل خير الدُّنيا والآخرة، معلومه ومجهوله، عاجله وآجله، وتسأل الجنَّة وما قرَّب إليها من قول وعمل، وتستعيذ من النَّار وما قرَّب إليها. ويذكر أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان يحبُّ الجوامع من الدُّعاء؛ لأنَّ العبد لا يحيط بعلمه بجميع ما يحتاج إليه من وجوه الخير ولا بجميع ما ينبغي أن يستعيذ منه.

ويختم شرح ألفاظ الحديث بقوله: «وأستغفرك لما تعلم، إنَّك أنت علَّام الغيوب»، فيبيِّن أنَّ الاستغفار خاتمة الأعمال الصَّالحة، وأنَّ هذا اللَّفظ يشمل الذُّنوب كلَّها؛ فما يعلمه العبد منها وما لا يعلمه، وما يذكره وما نسيه. فقد يقع الإنسان في ذنب لا يشعر بأنَّه ذنب، وقد ينسى ذنوبًا مضت فلا تخطر له عند الاستغفار، بينما أحصاها الله تعالى ولم ينسها، ولذلك يحتاج إلى استغفار عام يردُّ علم تقصيره كلِّه إلى علم الله عزَّ وجلَّ.

ويشدِّد في هذا الموضع على خطورة استصغار الذُّنوب؛ فالمؤمن يرى ذنبه عظيمًا يخشى عاقبته، أمَّا الفاجر فيهون عليه حتى ينساه. وينقل عن السَّلف أنَّ الذَّنب الصَّغير قد يعظم بسبب احتقاره وترك النَّدم والاستغفار منه، بينما قد يصغر الذَّنب العظيم بالتَّوبة والخوف والنَّدم، ولهذا يوجِّه النظر من حجم الخطيئة إلى عظمة من عُصي بها. وكان بعض السَّلف يعرفون ذنوبهم ويذكرون آثارها بعد سنين طويلة، حتى قيل فيهم: قلَّت ذنوبهم فعرفوا من أين أُتوا، وكثرت ذنوب غيرهم فلم يعرفوا من أين يُؤتون.

ويردُّ المذنب في آخر الكلام إلى باب الاستغفار والرَّجاء؛ إذ لا ملجأ له من الله تعالى إلا إليه، ويذكر ستر الله عزَّ وجلَّ لعبده في الدُّنيا ومغفرته له في الآخرة، وما يقع للمؤمن من الحياء حين يقرِّره ربُّه بذنوبه ثمَّ يسترها عليه ويغفرها له. ولا يزول أثر المعصية من قلب العارف بمجرَّد رجائه المغفرة، بل يبقى حياؤه من وقوفه بين يدي الله تعالى وتذكيره بما فعل، حتى نُقل عن الفضيل قوله: «واسوأتاه منك وإن غفرت». وينتهي الكلام إلى استغفار العبد ممَّا يعلمه الله تعالى من زلله، واستحضار حلمه وستره، والدعاء لمن حسنت سريرته وانتهى عمَّا نهاه الله تعالى عنه.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب شرح حديث شداد بن أوس "إذا كنز الناس الذهب والفضة" تأليف ابن رجب الحنبلي PDF - مكتبة العلوم الإسلامية