
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب ما تضمَّنه قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشَّرف لدينه»، فيجعل هذا المثل أصلًا لبيان ما يُحدثه التعلُّق بالدُّنيا من فساد في الدِّين. فالذِّئبان الجائعان إذا انفردا بغنم غاب عنها رعاتها لا يكاد يسلم من إفسادهما إلا القليل، وحرص الإنسان على المال والشَّرف لا يقلُّ أثره في دينه عن ذلك؛ لما يجرُّ إليه من الاشتغال عن الآخرة، ومجاوزة الحدود، والتعلُّق بالخلق، وطلب العلوِّ والرِّياسة، وما يتولَّد من ذلك من البخل والشُّحِّ والظُّلم والرِّياء وفساد القصد.
ويقسِّم الحرص على المال إلى نوعين؛ أولهما شدَّة محبَّته والمبالغة في طلبه من الوجوه المباحة، فيظلُّ الإنسان مستغرقًا في تحصيل ما قُسِّم له من الرِّزق، ويبذل عمره وجهده في مال قد لا ينتفع به إلا قليلًا ثمَّ يتركه لغيره. ويربط ابن رجب هذا الحرص بضعف اليقين؛ لأنَّ الرِّزق المقدَّر لا يستجلبه حرص الحريص ولا يردُّه كراهة الكاره، ويقابل بين الحرص المذموم على الدُّنيا والحرص النافع على طاعة الله تعالى، وبين انشغال جامع المال بما يجمعه وطمأنينة القانع بما آتاه الله عزَّ وجلَّ.
أمَّا النَّوع الثَّاني فيتجاوز مجرَّد التوسُّع في الكسب إلى طلب المال من الوجوه المحرَّمة ومنع الحقوق الواجبة، وهو عنده من الشُّحِّ المذموم. ويشرح الفرق بين البخل والشُّحِّ؛ فالبخل إمساك الإنسان ما في يده، أمَّا الشُّحُّ فيحمله على التطلُّع إلى ما ليس له وأخذه ظلمًا وعدوانًا، مع منع ما يجب عليه بذله. ولهذا يصل الشُّحُّ بصاحبه إلى القطيعة والفجور والبخل وسفك الدِّماء واستحلال المحارم، وكلَّما بلغ الحرص هذه المرتبة ظهر نقص الدِّين والإيمان بما اجتمع فيه من تناول المحرَّمات ومنع الواجبات.
وينتقل إلى الحرص على الشَّرف والرِّياسة، فيراه أشدَّ خطرًا من الحرص على المال؛ لأنَّ المال نفسه قد يُبذل وسيلةً للوصول إلى الجاه والسُّلطان والعلوِّ على النَّاس. ويجعل لهذا الحرص قسمين، أولهما طلب الشَّرف بالولاية والسُّلطان والمال، ويعرض ما يصاحب طلب الإمارة والحرص عليها من التعرُّض للظُّلم والتكبُّر وفساد العدل، مستدلًّا بالنُّصوص النَّاهية عن سؤال الإمارة والحرص عليها. فالولاية في ذاتها ليست موضع الذَّمِّ، وإنَّما الخطر في أن تتحوَّل إلى غاية يتطلَّع بها صاحبها إلى رفعة نفسه ونفوذ أمره وحاجة النَّاس إليه.
ويكشف من دقائق حبِّ الرِّياسة رغبة صاحب الجاه في أن ينفذ أمره ونهيه في النَّاس لمجرَّد تعظيم نفسه وإظهار افتقارهم إليه، أو أن يتسبَّب في حاجتهم إليه حتى يطلبوا منه قضاء مصالحهم. ويلحق بذلك محبَّة المدح والثَّناء، والغضب ممَّن لا يعترف لصاحب الولاية بفضله، وإظهار الأعمال الحسنة طلبًا لحمد الخلق. ويقابل ذلك بحال من يتولَّى أمرًا من أمور المسلمين قاصدًا تنفيذ أمر الله تعالى وإقامة العدل ونصيحة الخلق، فلا يطلب منهم جزاءً ولا شكورًا، ولا يجعل حاجاتهم وسيلةً لتعظيم نفسه، وإنَّما يريد أن تكون الطَّاعة والعبوديَّة لله عزَّ وجلَّ.
ويخصُّ العلماء بجانب واسع من هذا التَّحذير، فينقل وصف الآجُرِّي لعالم السُّوء الذي يتجمَّل بالعلم لطلب المنزلة عند أهل الدُّنيا، ثمَّ تقوده الرَّغبة في الجاه إلى مجالسة الملوك والتقرُّب إليهم، والسُّكوت عن منكراتهم، وتأويل أفعالهم الباطلة، حتى يصير علمه وسيلةً إلى ما كان ينبغي أن يحجزه عنه. ويبيِّن أنَّ العلم النَّافع هو الذي يثمر الخشية والعمل، أمَّا العلم الذي يتحوَّل إلى سلَّم للرِّياسة والثَّروة وتعظيم الخلق لصاحبه فهو من العلم الذي لا ينتفع به صاحبه.
ويجعل القسم الثَّاني من طلب الشَّرف أشدَّ خفاءً وفسادًا، وهو طلب العلوِّ على النَّاس بالأمور الدِّينيَّة نفسها، كالعلم والعمل والزُّهد. فمن طلب بعلمه مالًا وعرضًا من الدُّنيا استعمل ما يُبتغى به وجه الله تعالى في تحصيل غرض فانٍ، ومن طلب به أن يُقال عالم، أو ليجاري العلماء ويماري السُّفهاء ويصرف وجوه النَّاس إليه، جمع إلى فساد القصد إرادة التَّكبُّر على الخلق بآلة من آلات الآخرة. وكذلك من أظهر الزُّهد والعبادة وقلبه متعلِّق بالدُّنيا؛ إذ لا تتحقَّق حقيقة الزُّهد بمظهر يخالف ما استقرَّ في القلب.
ويتناول في هذا السِّياق الحرص على الفتيا والتصدُّر لها، ويورد عن الصَّحابة والسَّلف ما يدلُّ على شدَّة تورُّعهم عن الجواب مع علمهم، حتى كان بعضهم يودُّ أن يكفيه غيره الفتوى، ويردُّ بعضهم المسألة إلى بعض. ويربط ذلك بإدراك المفتي أنَّه يتكلَّم في أمر الله عزَّ وجلَّ ونهيه، وأنَّه مسؤول عمَّا يقول، ولذلك كان الإمساك أسلم عند عدم الضَّرورة أو عدم ظهور العلم بالحكم. فالمذموم أن يحبَّ الإنسان احتياج النَّاس إليه، أو يفرح بكثرة السُّؤال عنه، أو يجعل العلم والفتوى طريقًا إلى المنزلة في قلوب الخلق.
ويعرض كذلك فتنة القرب من السَّلاطين، ولا سيَّما لمن يدخل عليهم طلبًا للشَّرف والرِّياسة؛ إذ قد يظنُّ الإنسان وهو بعيد عنهم أنَّه قادر على الإنكار عليهم، ثمَّ تميل نفسه إليهم إذا أكرموه وقرَّبوه، فيسكت عن الباطل أو يصدِّق الكذب أو يزيِّن بعض الأفعال طلبًا لاستبقاء منزلته. ومن هذا الباب ينقل تحذير السَّلف من اتِّخاذ مخالطة أصحاب السُّلطان طريقًا إلى الدُّنيا، ومن خداع النَّفس بتسويغ ذلك دائمًا بالشَّفاعة أو قضاء مصالح النَّاس مع وجود الحرص الكامن على الجاه.
ويمتدُّ فساد طلب الشَّرف عند ابن رجب إلى تعمُّد الشُّهرة بالعلم أو الزُّهد أو العبادة، وإظهار الأعمال والأحوال حتى يقصد النَّاس صاحبها ويطلبوا دعاءه وبركته ويعظِّموه. ولهذا يورد عن السَّلف شدَّة كراهتهم للشُّهرة وحرصهم على إخفاء أعمالهم والفرار من تعظيم الخلق لهم. وينبِّه إلى باب أدقَّ من ذلك، وهو أن يذمَّ الإنسان نفسه أمام النَّاس ليُظهر لهم تواضعه، فينقلب ذمُّ النَّفس نفسه وسيلةً إلى مدحها؛ لأنَّه ينتظر أن يرفعوه بسبب ما أظهره من التواضع، فيدخل ذلك في دقائق الرِّياء وحبِّ المنزلة.
ويردُّ ابن رجب أصل الحرص على المال والرِّياسة إلى حبِّ الدُّنيا واتِّباع الهوى؛ فالنَّفس تحبُّ الرِّفعة على أبناء جنسها، ومن هذا المنشأ يظهر الكبر والحسد والتنافس في العلوِّ الفاني. لكنه يفرِّق بين علوٍّ مذموم يطلبه الإنسان في الدُّنيا بالتعاظم على الخلق، وعلوٍّ محمود يتنافس فيه المؤمنون، وهو ارتفاع الدَّرجات عند الله تعالى في الآخرة. ولذلك لا يذمُّ أصل المنافسة، وإنَّما ينقلها إلى موضعها الصحيح؛ فيجتهد الإنسان في الطَّاعة والقرب من الله عزَّ وجلَّ، ولا يقنع بالدُّون من منازل الآخرة مع قدرته على السَّعي إلى ما هو أعلى.
ويذكر من أسباب الزُّهد في الشَّرف الدُّنيوي النَّظر في عاقبته إذا لم يؤدِّ صاحبه حقَّه، وما أعدَّ للمتكبِّرين والظَّالمين، ومقابلة ذلك بما وعد الله تعالى به المتواضعين من الرِّفعة. كما يعرض ما يجده أهل المعرفة والإيمان من حلاوة الطَّاعة والأنس بالله تعالى، وما يرزقهم الله عزَّ وجلَّ من هيبة التَّقوى والقبول من غير أن يطلبوا ذلك. فالشَّرف الذي يأتي تبعًا للإخلاص والطَّاعة يختلف عن الشَّرف الذي يتوجَّه إليه القلب ابتداءً ويعمل من أجله؛ إذ قد يضع الله تعالى للعبد المخلص قبولًا في قلوب النَّاس وهو يفرُّ من الشُّهرة ولا يقف معها.
ويفرِّق أخيرًا بين العلم الظَّاهر الذي يحصل به لصاحبه قدر ومنزلة عند النَّاس، والعلم الباطن القائم في القلب من معرفة الله تعالى وخشيته ومحبَّته ومراقبته والتوكُّل عليه والرِّضا بقضائه والإعراض عن عرض الدُّنيا والإقبال على الآخرة. فمن استغرق في حفظ منزلته عند الخلق وصيانة ما اكتسبه من الشُّهرة بعلمه انقطع بذلك عن تربية منزلته عند الله عزَّ وجلَّ، أمَّا من اشتغل بإصلاح قلبه وطلب القرب من الله تعالى فلم تعد منزلة الخلق هي مقصوده، وإن وضع الله له المحبَّة والقبول بينهم. وطلب شرف الآخرة قد يصحبه شرف في الدُّنيا من غير قصد إليه، أمَّا إيثار الرِّياسة الدُّنيويَّة والعلوِّ الفاني فيصرف القلب عن العلوِّ الباقي؛ ولذلك تكون المنافسة في درجات الآخرة، ويكون الزُّهد فيما يفنى من المال والجاه والرِّياسة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














