
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الجزء حديث أنس رضي الله عنه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «يتبع الميت ثلاث، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله»، ويجعل أصحابه الثلاثة أصلًا للكلام على حقيقة تعلُّق الإنسان بأهله وماله وعمله، وما يبقى له من ذلك بعد الموت. ويورد رواية أخرى تصوِّرها في صورة ثلاثة أخلاء: المال الذي لا يكون للمرء منه إلا ما أنفق، والأهل الذين يصحبونه إلى حدٍّ ثمَّ يرجعون، والعمل الذي يلازمه حيث دخل وخرج.
ويبيِّن أنَّ الأهل والمال من ضرورات حياة الإنسان في الدُّنيا، وأنَّ السَّعادة ليست في تركهما، وإنَّما في اتخاذهما عونًا على ذكر الله تعالى والاستعداد للآخرة؛ فيأخذ المرء من المال ما يبلِّغه إليها، ويتخذ من أهله من يعينه على إيمانه. أمَّا إذا صار المال والأهل شاغلين عن الله عزَّ وجلَّ كانا سببًا للخسران، مستدلًّا بالآيات التي تنهى عن الالتهاء بالأموال والأولاد وتقرِّر أنَّهما لا يقرِّبان العبد عند الله تعالى إلا مع الإيمان والعمل الصَّالح.
ويفصِّل الكلام على الخليل الأول، وهو الأهل، فيقرِّر أنَّ الإنسان يفارقهم بالموت، ولا يبقى له من نفعهم إلا ما يصل إليه من دعائهم واستغفارهم وصدقتهم عنه، وقد يكون أخ صالح أو أجنبي أنفع للميت من بعض أهله إذا اشتغل أهله بالميراث وتركوا ما ينفعه. وينبِّه إلى قضاء دَين الميت وما يترتَّب على إهماله، ويذكر أنَّ بكاء الأهل قد يكون ناشئًا عن فقد حظوظهم الدُّنيويَّة منه، في حين أنَّ حاجته بعد موته متعلِّقة بما ينفعه في آخرته.
ويتناول ما يتَّصل بالميت عقب دفنه، فيذكر الدُّعاء له بالتثبيت عند السُّؤال، وما ورد في استئناسه بمن يقيم عند قبره عقب الدَّفن، ثمَّ يقرِّر أنَّ الأهل يبلغون مع صاحبهم إلى القبر ثمَّ يرجعون. ويذكر أنَّ المؤمن قد يُبشَّر بصلاح ولده من بعده فتقرُّ عينه، وأنَّ أعمال الأحياء تُعرض على أقاربهم من الموتى فيسرُّون بالصَّالح منها وتسوءهم الأعمال السَّيئة، ثمَّ يعود إلى صورة الحديث ليجعل رجوع الأهل عند القبر تمام معنى مفارقة الخليل الأول لصاحبه.
ثمَّ ينتقل إلى الخليل الثاني، وهو المال، فيوضِّح أنَّه يفارق صاحبه قبل أن يدخل معه قبره، وأنَّ ما يبقى للإنسان حقيقةً ليس المال الذي خلَّفه لورثته، وإنَّما ما قدَّمه منه لنفسه. ويستدلُّ بالأحاديث التي تحصر انتفاع ابن آدم بماله فيما أكله فأفناه، أو لبسه فأبلاه، أو تصدَّق به فأمضاه، وبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في التفريق بين مال الإنسان ومال وارثه: «فإنَّ ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر».
ويفرِّق في المال بين وجوه استعماله؛ فما أنفقه العبد في سبيل الله عزَّ وجلَّ قدَّمه لنفسه، وما أنفقه في المعاصي كان عليه، وما أمسكه ومنع حقَّ الله عزَّ وجلَّ فيه صار سببًا للعقوبة. ومن هنا يحثُّ على تقديم المال المحبوب للآخرة قبل أن يصير إلى الورثة، ويستشهد بقوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، ويورد أخبارًا عن السَّلف في المبادرة ببذل محبوب المال؛ ليؤكِّد أنَّ ما يُنفق هو الذي ينتقل مع صاحبه في صورة ثوابه، أمَّا المدَّخر الذي يتركه وراءه فليس له بعد موته.
ويربط ابن رجب بين تقديم المال والاستعداد للرَّحيل، فيورد من أقوال السَّلف وأشعارهم ما يذكِّر بقِصر مدَّة امتلاك الإنسان لما يجمعه، وأنَّ المال المخزون يصير إلى الوارث، بينما يكون ما أنفقه المرء في وجوه الخير هو المال الذي قدَّمه لنفسه. ثمَّ يشبِّه الانتقال إلى الآخرة بالسَّفر الذي يحتاج إلى الزَّاد؛ فمن خرج إلى سفر الدُّنيا بغير زاد ندم عند حاجته إليه، فكيف بسفر الآخرة وطوله، ويذكر خوف بعض الصَّحابة والصَّالحين من بُعد السَّفر وقلَّة الزَّاد عند حضور الموت.
ويخصُّ الخليل الثالث، وهو العمل، بأهمِّ مواضع الجزء؛ لأنَّه الوحيد الذي لا يرجع عن صاحبه، بل يدخل معه قبره، ويصحبه عند البعث وفي مواقف القيامة وعلى الصِّراط وعند الميزان، وبه تكون منازل أهل الجنَّة والنَّار. ويشرح أنَّ العمل الصَّالح يصير للإنسان مهادًا في قبره، وأنَّ العاقل يعمر الدَّار التي تطول إقامته فيها، ولا ينشغل بتعمير الدَّار الزَّائلة على حساب الدَّار الباقية، ويورد لذلك وصيَّة لقمان لابنه في التفريق بين البيت الحاضر القصير المكث والبيت الغائب الطويل الإقامة.
ويقرِّب معنى الاستعداد للقبر بأخبار من رأوا أنَّ الإنسان يعتني ببيته الذي سيغادره ويهمل قبره الذي سيطول مقامه فيه، ويذكر من حمله شهود الجنائز على تقديم ماله لنفسه قبل الموت. فالمقصود أن ينقل المرء إلى داره الآخرة من صالح العمل قبل أن يأتي وقت لا يستطيع فيه الزيادة، وأن يستعدَّ للبيت الضيِّق المظلم الذي لا يصحبه إليه طعامه ولا شرابه ولا أهله ولا متاعه.
ويذكر أنَّ العمل الصَّالح يأتي المؤمن في قبره في صورة حسنة ويبشِّره بالسَّعادة، وأنَّ أعماله الصَّالحة تحيط به؛ فتكون الصَّلاة عند رأسه، والزَّكاة عن يمينه، والصَّوم عن شماله، وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى النَّاس عند رجليه. وينقل آثارًا تصوِّر العمل مخاطبًا صاحبه بعد انقطاع الأهل والعشيرة والمال عنه، مذكِّرًا إيَّاه بأنَّه الوحيد الذي دخل معه قبره، فيتمنَّى الميت لو أنَّه آثر صالح عمله على ما تركه وراء ظهره.
ويستقرُّ معنى الحديث في أنَّ قرين الإنسان في قبره هو ما كان يعمل: ينصرف المشيِّعون، ويبقى الميت منفردًا بما قدَّم، فإن كان عمله صالحًا كان أنيسه وخيره، وإن كان سيِّئًا كان وبالًا عليه. ولهذا يورد ابن رجب في آخر الجزء أبياتًا تحثُّ على اتخاذ العمل الصَّالح قرينًا، وألَّا ينشغل المرء بما لا يرضي الله تعالى، إذ لا يصحبه بعد الموت إلى قبره إلا عمله، أمَّا مقامه بين أهله في الدُّنيا فقصير ثمَّ يرحل عنهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














