
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب المثل الذي ضربه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم للإسلام بصراط مستقيم تحفُّ به حدود الله عزَّ وجلَّ، وعلى جانبيه أبواب المحارم التي تسترها ستور، بينما يدعو كتاب الله تعالى إلى لزوم الصِّراط، ويقوم واعظ الله في قلب المسلم بتحذيره كلَّما همَّ بفتح باب من أبواب الحرام. وينطلق من ألفاظ الحديث لبيان حقيقة الإسلام والاستقامة عليه، وحدود الحلال والحرام، ومجاهدة النَّفس والهوى، وأثر القرآن والإيمان في منع العبد من الانحراف إلى الشَّهوات والشُّبهات.
ويشرح تشبيه الإسلام بالصِّراط المستقيم بأنَّه الطَّريق الموصل إلى الله عزَّ وجلَّ ودار كرامته، ويستدلُّ بالآيات التي سمَّت دين الله تعالى صراطًا مستقيمًا، وبحديث ابن مسعود رضي الله عنه في الخطِّ المستقيم الذي خطَّه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، والخطوط التي عن يمينه وشماله وعلى كلِّ سبيل منها شيطان يدعو إليه. فطريق الحقِّ واحد، أمَّا طرق الضَّلال فكثيرة، ومن أخذ بالصِّراط انتهى به إلى الجَنَّة، ومن انحرف إلى السُّبل الخارجة عنه قادته إلى النَّار. ويبيِّن أنَّ وصف الصِّراط بالسَّعة والسُّهولة مناسب لحقيقة الإسلام؛ لأنَّه يوصل إلى الله تعالى، بخلاف سائر الطُّرق التي تقطع سالكها عنه.
ويفرِّق في معنى الإسلام بين الإسلام العامِّ الذي هو الاستسلام لله تعالى والانقياد لطاعته، وهو دين جميع الرُّسل عليهم السَّلام، وبين الإسلام الخاصِّ الذي جاء به النَّبي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فلا يُقبل بعد بعثته دين سواه. ويصل ذلك بقوله تعالى في سُورة الفاتحة: «صراط الذين أنعمت عليهم»، ويذكر أنَّ المنعَم عليهم هم النَّبيُّون والصِّدِّيقون والشُّهداء والصَّالحون، وأنَّ الخارج عن طريقهم إمَّا عارف بالحقِّ تارك له عمدًا، وإمَّا ضالٌّ يسلك غير الصِّراط جهلًا ويحسبه طريق الهدى. ويدخل في مسمَّى الإسلام أركانه الخمسة التي يقوم عليها بناؤه، كما تدخل فيه سائر أعمال الطَّاعة، ومن كماله سلامة المسلمين من لسان المسلم ويده وترك المرء ما لا يعنيه.
ويبيِّن أنَّ الشَّيطان يقعد للإنسان على الصِّراط المستقيم ليصرفه عنه، وأنَّ أعوانه من الجنِّ والإنس يدعون إلى السُّبل المتشعِّبة، في مقابل دعوة الرُّسل والكتب المنزَّلة وأتباعهم إلى طريق الله عزَّ وجلَّ. ولهذا وحَّد الله تعالى سبيل الحقِّ وجمع سبل الضَّلال؛ لأنَّ أصل الحقِّ واحد، وهو توحيد الله تعالى وطاعته، بينما تتعدَّد صور الشِّرك والمعصية والبدعة والهوى. ويستشهد ابن رجب بما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه من أنَّ الشَّياطين تحضر الصِّراط وتنادي الإنسان إلى الطُّرق المتفرِّقة، وأنَّ العصمة من ذلك تكون بالاعتصام بحبل الله تعالى، وهو القرآن.
ويفصِّل معنى السُّورين المضروبين مثلًا لحدود الله عزَّ وجلَّ، فيبيِّن أنَّ الحدَّ في أصله يفيد المنع، كما يمنع السُّور من تجاوزه. ويستعرض استعمال «حدود الله» في النُّصوص؛ فتطلق على ما أباحه الله تعالى وأذن فيه بحيث لا يجوز تجاوزه إلى المحرَّم، وتطلق على المحرَّمات نفسها فيُنهى عن قربانها، وتطلق كذلك في اصطلاح الفقهاء على العقوبات المقدَّرة الرَّادعة عن بعض الجرائم. أمَّا حفظ حدود الله تعالى فيتحقَّق بالمحافظة على فرائضه، والوقوف عند ما أباحه، واجتناب ما حرَّمه، وعدم مجاوزة الفاصل الذي أقامته الشَّريعة بين الحلال والحرام.
ويصل ابن رجب هذا المعنى بحديث «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»، فيشرح أنَّ للحلال المحض والحرام المحض حدودًا ظاهرة، وبينهما أمور تشتبه أحكامها على كثير من النَّاس. ومن اشتبه عليه شيء منها فالأولى أن يتَّقيه استبراءً لدينه وعرضه؛ لأنَّ التَّساهل في الشُّبهة قد يجرُّ النَّفس إلى الحرام، كما يوشك الرَّاعي حول الحمى أن يقع فيه. ويقسِّم المشتبهات بحسب قربها من الحرام وبعدها عنه، ويقرِّر أنَّ مجانبتها جميعًا أحوط وأفضل لمن لم يتبيَّن له حكمها، وأنَّ من طريقة السَّلف أن يجعل المرء بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال حتى لا تجرَّه النَّفس إلى تجاوزه.
ويشرح الأبواب المفتَّحة في السُّورين بأنَّها محارم الله تعالى، وأنَّ إرخاء السُّتور عليها يصوِّر قرب الشَّهوات المحرَّمة من الإنسان وإمكان وصوله إليها؛ فالأبواب ليست مغلقةً بما يمنعه قهرًا، وإنَّما الذي يحجزه عنها إيمانه. والنُّفوس بطبعها تتطلَّع إلى ما مُنعت منه، ولهذا جعل الله عزَّ وجلَّ الإنسان مؤتمنًا على سمعه وبصره ولسانه وفرجه، كما ائتمنه على الفرائض من طهارة وصلاة وصيام وأداء للحقوق. وتظهر حقيقة الأمانة حين يقدر العبد على كشف السِّتر والدُّخول في المحرَّم ثمَّ يمنعه خوف الله تعالى منه.
ويجعل مجاهدة النَّفس ضرورةً ملازمةً لهذا الابتلاء؛ فالجَنَّة حُفَّت بالمكاره والنَّار بالشَّهوات، وقد أودع في النَّفس ميل إلى ما تشتهيه مع قدرة الإنسان على كثير منه. فمن حفظ حدود الله تعالى ونهى نفسه عن الهوى كانت عاقبته الجَنَّة، ومن استرسل مع الشَّهوة أهان نفسه بالخيانة والمعصية. ويورد ابن رجب من كلام السَّلف ما يربط المروءة بترك القبائح، ويقرِّر أنَّ أكرم ما يصون الإنسان به نفسه طاعة الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ من ارتكب محارمه فقد أهانها وإن طلب لها الكرامة في ظاهر أمره.
ويحذِّر من استحكام الهوى حتى يصير القبيح عادةً لا يزجر عنها علم ولا موعظة، ويستدلُّ بمثل العالم الذي آتاه الله تعالى آياته ثمَّ انسلخ منها واتَّبع هواه. ولا يحصر اتِّباع الهوى في الشَّهوة الحسِّيَّة كالزِّنا والسَّرقة وشرب الخمر، بل يُدخل فيه الغضب والحقد والكبر والحسد، ثمَّ الشُّبهات المضلَّة في الدِّين، ويجعل هذه الأخيرة أشدَّ خطرًا؛ لأنَّ صاحب الشُّبهة قد يتديَّن بما انحرف إليه ويعتقده حقًّا، ولذلك ينقل أنَّ البدع أحبُّ إلى إبليس من المعاصي من جهة أنَّ العاصي قد يعلم أنَّه عاصٍ فيتوب، بينما قد يرى صاحب البدعة انحرافه دينًا فلا يرجع عنه.
ويعرض في مقابل داعي النَّفس والهوى داعي القرآن الذي يقف على رأس الصِّراط، فيدعو النَّاس إلى الإيمان والدُّخول في الإسلام والثَّبات عليه من غير انحراف يمنةً أو يسرةً. فالقرآن يهدي إلى الحقِّ والطَّريق المستقيم، وبه دعا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الخلق إلى الإسلام، ويذكر ابن رجب دخول كثير من أهل المدينة فيه بعد أن تلا عليهم مصعب بن عمير رضي الله عنه القرآن. ومن هنا تتجاوز وظيفة القرآن مجرَّد تعريف الطَّريق إلى ردع المؤمن عن مفارقته؛ إذ يظلُّ أمره ونهيه ووعده ووعيده قائمًا في وجه دواعي الهوى كلَّما جذبت الإنسان إلى باب من أبواب المحارم.
ويربط ابن رجب بين الصِّراط الذي يسلكه المؤمن في الدُّنيا والصِّراط الذي يجوزه في الآخرة؛ فمن استقام هنا ولم يعرج عن طريق الإسلام إلى الشَّهوات والشُّبهات كان ذلك سببًا لسلامته هناك، ومن فتح لنفسه أبواب المحارم تعرَّض على صراط الآخرة لما يناسب انحرافه. ويصوِّر هذا المعنى بالكلاليب التي تكون على الصِّراط، فمن النَّاس من تخدشه وينجو ومنهم من تطرحه في النَّار، ثمَّ ينقل عن سهل التُّستري أنَّ من ضيَّق على نفسه طريق الهوى في الدُّنيا اتَّسع له الصِّراط في الآخرة، ومن وسَّع لنفسه أبواب الشَّهوات والشُّبهات ضاق عليه هناك. وهكذا تظلُّ الاستقامة على طريق الله عزَّ وجلَّ مرتبطةً بكفِّ النَّفس عمَّا تهواه، وحفظ الحدود، وترك الأبواب المستورة على جانبي الصِّراط دون أن تمتدَّ اليد إلى كشفها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














