
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» أبوابًا من «صحيح البخاري» شرحًا حديثيًّا فقهيًّا واسعًا، فيعتني بمقاصد تراجم الإمام البخاري، وصلتها بالأحاديث والآثار التي يوردها تحتها، ويكشف وجوه الاستدلال منها، ثمَّ يجمع طُرُق الحديث ورواياته وألفاظه، ويوازن بينها، ويبحث أحوال أسانيدها واختلاف الرُّواة فيها، قبل الانتقال إلى ما يتضمَّنه الحديث من مسائل الاعتقاد والفقه والآداب واللُّغة. ويستحضر في أثناء ذلك أقوال الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الحديث والفقه، مع عناية ظاهرة بآثار السَّلف، ونصوص الإمام أحمد، ومسائل الخلاف التي تتفرَّع عن ألفاظ الحديث.
ويفصِّل في «كتاب الإيمان» حقيقة الإيمان وصلته بالقول والعمل، مقرِّرًا ما نقله عن السَّلف وأهل الحديث من دخول الأعمال في مسمَّاه، وزيادته بالطَّاعة ونقصه بالمعصية، وتفاضل أهله في مراتبه. ويناقش زيادة معرفة القلب وتصديقه، ومراتب اليقين، والحبَّ في الله والبغض فيه، وشُعَب الإيمان وخصاله، وعلاقة الإيمان بالإسلام والدِّين والتَّقوى. ويتناول حديث «بُني الإسلام على خمس» وما يترتَّب على ترك أركان الإسلام، ويعرض الخلاف في تارك الصَّلاة وغيرها من الفرائض، ويميِّز بين زوال أصل الإيمان ونقص كماله الواجب، ويشرح الأحاديث التي تجعل سلامة المسلمين من اللِّسان واليد، وإطعام الطَّعام، وإفشاء السَّلام، والنَّصيحة، والحياء، وسائر أعمال البرِّ من خصال الإيمان.
ويبحث مسائل الطَّهارة من خلال أحاديث الوضوء والغُسل والحيض، فيتناول فرائض الوضوء وسُننه، وغسل الأعضاء وعدد مرَّاته، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، ومسح الرَّأس والأذنين، وغسل الرِّجلين، وإسباغ الوضوء، والوضوء من الأحداث وما اختلف في نقضه للطَّهارة. ويتتبَّع أحكام الاستنجاء وإزالة النَّجاسة وآداب قضاء الحاجة، ويبحث استعمال المياه والآنية وما يتعلَّق بطهارة الثِّياب والأبدان والأماكن، مع مناقشة دلالات الأحاديث التي بنى الفقهاء عليها اختلافهم في هذه المسائل.
ويتناول غسل الجنابة وصفته ومقداره، والبدء بغسل اليدين والوضوء قبله، وتخليل الشَّعر وإيصال الماء إلى أصوله، والغُسل بالصَّاع ونحوه، واغتسال الرَّجل والمرأة، واغتسال أحد الزَّوجين بحضرة الآخر، والتَّستُّر عند الغُسل، والنَّوم والأكل قبل الاغتسال، وما يتعلَّق بخروج المنيِّ والمذي. ويوازن بين الرِّوايات المختلفة في صفة غسل النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وينبِّه إلى ما يصحُّ منها وما لا يثبت، ويستخرج من اختلاف ألفاظها حدود الواجب والمستحبِّ.
ويفصِّل أحكام الحيض والاستحاضة والنِّفاس، فيبحث زمن الحيض وعلاماته، وترك الحائض للصَّلاة والصِّيام وقضاء الصَّوم دون الصَّلاة، ومباشرة الحائض وما يجوز منها وما يمنع، واغتسالها عند انقطاع الدَّم، وتمييز دم الحيض من دم الاستحاضة، وعمل المستحاضة في الصَّلاة والطَّهارة. كما يناقش قراءة الحائض وذكرها لله تعالى، وحضورها مجامع الخير، ودخولها المسجد أو مرورها فيه، وما يتعلَّق بالدَّم الذي تراه المرأة، مستعرضًا مذاهب السَّلف والفقهاء وأدلَّتهم.
ويعرض أحكام التَّيمُّم وأسباب مشروعيَّته وصفته، وما يقوم فيه التُّراب مقام الماء، وحكم فاقد الماء والمسافر والجنب الذي لا يجد الماء، ومقدار مسح الوجه واليدين، وطلب الماء قبل التَّيمُّم، والصَّلاة به، وحكم من وجد الماء بعد الفراغ من صلاته. ويقارن بين طُرُق حديث عمَّار بن ياسر رضي الله عنه وغيره من أحاديث الباب، ويحرِّر مواضع الاختلاف في ألفاظها وما يترتَّب عليها من خلاف فقهي.
ويتوسَّع في «كتاب الصَّلاة» في فرض الصَّلوات ومكانتها، وما يتعلَّق بالقبلة والمساجد وستر العورة ولباس المصلِّي وطهارة موضع الصَّلاة، والصَّلاة في البيوت والمساجد والمواضع المختلفة، والسُّترة والمرور بين يدي المصلِّي، وما يجوز حمله أو فعله في أثناء الصَّلاة. ويستخرج من الأحاديث أحكام بناء المساجد وتنظيفها وتعظيمها، والصَّلاة في النِّعال والثِّياب المختلفة، ومواضع السُّجود، وصفة استقبال القبلة، وما يعرض للمصلِّي من نجاسة أو حركة أو حاجة.
ويفصِّل مواقيت الصَّلوات الخمس، فيبحث ابتداء كلِّ وقت وانتهاءه، والوقت المختار ووقت الضَّرورة، والجمع بين الأحاديث التي يظهر بينها اختلاف في تحديد المواقيت، وتعجيل بعض الصَّلوات أو تأخيرها بحسب الأحوال. ويتناول إدراك الصَّلاة بإدراك ركعة، وقضاء الفوائت، والصَّلاة عند طلوع الشَّمس وغروبها وبعد الفجر والعصر، والنَّهي عن الصَّلاة في أوقات مخصوصة، ويستحضر اختلاف الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء في تفسير هذه النُّصوص والجمع بينها.
ويشرح أحكام الأذان والإقامة ابتداءً من أصل مشروعيَّتهما وألفاظهما، وعدد كلمات الأذان والإقامة، والتَّرجيع والتَّثويب، وأذان المسافر والمنفرد والجماعة، وإجابة المؤذِّن والدُّعاء بعد الأذان. ثمَّ ينتقل إلى الإمامة والجماعة، فيبحث فضل صلاة الجماعة، ومن أحقُّ بالإمامة، وائتمام المأموم بالإمام، وتسوية الصُّفوف وسدِّ الفُرج، وموقف الواحد والاثنين والنِّساء والصِّبيان، وإدراك الرَّكعة، ومتابعة الإمام في التَّكبير والرُّكوع والسُّجود، وما يقع عند اختلاف حال الإمام والمأموم.
ويحلِّل صفة الصَّلاة من التَّكبير والقيام والقراءة والرُّكوع والرَّفع منه والسُّجود والجلوس والتَّشهُّد والتَّسليم، ويبحث مواضع رفع اليدين ووضعهما، والجهر والإسرار، وقراءة الفاتحة وما زاد عليها، وقراءة المأموم خلف الإمام، والتَّأمين، والطُّمأنينة، والدُّعاء والذِّكر في أركان الصَّلاة. وتظهر عنايته هنا بجمع الرِّوايات المختلفة للحديث الواحد؛ فقد يزيد راوٍ لفظًا أو يختصر آخر الخبر أو يختلفون في موضع فعل من أفعال الصَّلاة، فيتتبَّع تلك الطُّرُق ليحدِّد المحفوظ منها ووجه العمل بها.
ويبحث صلاة الجمعة من جهة فرضها وشروط وجوبها ومن تلزمهم، ووقت الخروج إليها، والغُسل والتَّطيُّب ولبس أحسن الثِّياب، والتَّبكير والمشي إليها، والإنصات للخطيب، وتخطِّي الرِّقاب، وصلاة تحيَّة المسجد والإمام يخطب. ويعرض أحكام الخطبة وهيئتها، والجلوس بين الخطبتين، وقراءة القرآن فيها، والدُّعاء، وصلاة الجمعة وعدد ركعاتها وما يُصلَّى قبلها وبعدها، ثمَّ يتناول السَّاعة التي يُرجى فيها إجابة الدُّعاء يوم الجمعة، جامعًا الرِّوايات المختلفة في تعيينها ومناقشًا أسانيد ما ورد فيها.
ويفصِّل ما يتعلَّق بالنَّوافل وقيام اللَّيل والوتر وركعتي الفجر وما يرتبط بها من مسائل، فيبحث عدد ركعات قيام النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وطول قراءته وقيامه، وصلاته قائمًا وقاعدًا، والاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وقضاء صلاة اللَّيل إذا فاتت. ويقارن بين روايات عائشة رضي الله عنها وغيرها في عدد الرَّكعات وترتيبها، وينبِّه إلى اختلاف الرُّواة في بعض الألفاظ، وما يترتَّب على ذلك من فهم صفة صلاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويعرض أحكام الاستسقاء وما ورد في الدُّعاء بنزول المطر، ورفع اليدين، وتحويل الرِّداء، واستقبال القبلة، والاستسقاء في خطبة الجمعة، والدُّعاء عند كثرة المطر وخشية الضَّرر منه. كما يتناول القنوت وما يتَّصل بالنَّوازل، ويجمع الرِّوايات المختلفة في موضع القنوت ومدَّته، ويميِّز بين ما جاء في قنوت النَّوازل وما قد يُفهم منه استمرار القنوت، مستعينًا بتعدُّد الطُّرُق لتفسير اختلاف الألفاظ.
ويشرح صلاة الكسوف وما يتَّصل بها من الخوف والدُّعاء والذِّكر والصَّدقة، ويبحث صفتها وعدد ركوعاتها وقراءتها وطول القيام فيها، ويجمع الأحاديث الواردة في كسوف الشَّمس في عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عند وفاة ابنه إبراهيم. ويبيِّن دلالة الحديث على أنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ويعرض ما تضمَّنته خطبة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من التَّذكير بالآخرة والجنَّة والنَّار.
ويفصِّل الأعمال والحركات التي تقع في الصَّلاة، فيبحث الاستعانة باليد، وحمل الصَّبي، وفتح الباب، وقتل ما يؤذي، والمشي اليسير، وردَّ السَّلام بالإشارة، والتَّصفيق للنِّساء والتَّسبيح للرِّجال، وما يجوز للحاجة وما يدخل في العبث المكروه. ويميِّز بين الحركة التي تخدم مصلحة الصَّلاة أو حاجة معتبرة وبين ما يشغل المصلِّي عنها، ويعرض مذاهب السَّلف في الإشارة والاستماع إلى من يكلِّم المصلِّي، مع نقد الأحاديث التي استُدلَّ بها على إبطال الصَّلاة بمجرَّد الإشارة إذا لم تثبت أسانيدها.
ويبحث السَّهو في الصَّلاة وأسبابه وأحكامه، فيتناول القيام عن الرَّكعتين، والزِّيادة والنَّقص والشَّكَّ في عدد الرَّكعات، والبناء على اليقين أو التَّحرِّي، وموضع سجود السَّهو قبل السَّلام أو بعده، وما يجبره السُّجود من خلل الصَّلاة. ويفرِّق بين الفريضة والنَّافلة وما يشمله الحكم منهما، ويتناول الوسوسة وحديث النَّفس في الصَّلاة، وسهو الإمام والمأموم، وما يقع من الكلام أو الإشارة بسبب السَّهو أو الحاجة، مستندًا إلى مجموع الرِّوايات وآثار الصَّحابة والفقهاء.
ويقوم الشَّرح في جميع هذه الأبواب على نقد حديثي دقيق؛ فيصرِّح بتفرُّد الرَّاوي، وجهالته أو ضعفه، والإرسال والانقطاع والتَّدليس، والاضطراب والإدراج، ويرجِّح الموقوف على المرفوع أو طريقًا على آخر عند قيام الدَّليل. كما يتتبَّع اختلاف ألفاظ «الصَّحيح» وطُرُق الحديث في غيره من المصنَّفات، ويستفيد من أحكام أئمَّة النَّقد، فلا يفصل الحكم الفقهي عن تحقيق الرِّواية التي بُني عليها.
ويولي تراجم البخاري عنايةً خاصَّة؛ فقد يكون مقصود الباب ظاهرًا من الحديث، وقد يحتاج إلى بيان مناسبة دقيقة بين التَّرجمة والرِّواية، وقد يورد البخاري طريقًا أو تعليقًا لإثبات سماع راوٍ من آخر، أو دفع احتمال الانقطاع، أو بيان اختلاف في لفظ الحديث. ويتوقَّف ابن رجب عند هذه الصَّنعة، فيفسِّر سبب إيراد الطَّريق، ويبحث ثبوت اللِّقاء والسَّماع بين الرُّواة، ويبيِّن أثر اختلاف المتون والأسانيد في فقه الباب.
ويمزج ابن رجب بين فقه الحديث وفقه الاختلاف، فيورد أقوال الأئمَّة والفقهاء، مع عناية كبيرة بما حُفظ عن الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الحديث المتقدِّمين، ولا يقتصر على تعداد الأقوال، بل يبحث مأخذ كلِّ قول من الحديث والآثار، ويحاول الجمع بين النُّصوص متى أمكن، ويميِّز ما يختلف باختلاف الأحوال، ويرجِّح ما تدلُّ عليه الرِّوايات المحفوظة.
ولم يُتمَّ ابن رجب رحمه الله شرح «صحيح البخاري»؛ إذ أدركته الوفاة قبل إكمال «فتح الباري»، فتوقَّف تصنيفه عند «كتاب السَّهو». وتكشف آخر مباحثه عن استمرار منهجه نفسه في التَّحقيق؛ إذ يناقش الإشارة في الصَّلاة، ويجمع الأحاديث والآثار الواردة فيها، ويعرض أقوال العلماء في جوازها عند الحاجة، ثمَّ يتعقَّب ما رُوي في الأمر بإعادة الصَّلاة بسبب الإشارة، ويناقش علل إسناده واختلاف رواته وما يثبت من ألفاظه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














