مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب شرح حديث عمار بن ياسر "اللهم بعلمك الغيب" لابن رجب الحنبلي PDF
كتاب شرح حديث عمار بن ياسر "اللهم بعلمك الغيب" لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يفصِّل ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب معاني الدُّعاء الجامع الذي كان النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يدعو به، فيجعل ألفاظه أبوابًا للكلام على حياة القلب وعلاقته بالله عزَّ وجلَّ، وما يحتاج إليه المؤمن في دنياه وآخرته من تفويض واستخارة وخشية وصدق واقتصاد ورضا وشوق وإيمان وهداية. ويبدأ بالتَّفريق بين حاجات يعلم العبد أنَّها خير محض، كخشية الله تعالى وطاعته وتقواه والجَنَّة والنَّجاة من النَّار، فيسألها جازمًا من غير تعليق، وبين أمور لا يعلم عواقبها كالحياة والموت والغنى والفقر وسائر حوائج الدُّنيا، فيفوِّض الخيرة فيها إلى علم الله عزَّ وجلَّ وقدرته؛ لأنَّ العبد يجهل العواقب ويعجز عن تحصيل مصالحه ودفع مضارِّه.

ويشرح قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» في ضوء النَّهي عن تمنِّي الموت لضرٍّ نزل بالإنسان؛ فبقاء المؤمن في الحياة قد يكون زيادةً له في الطَّاعة والحسنات، أو فرصةً للتَّوبة ومحو السَّيئات. ويورد ما جاء في فضل طول العمر مع حسن العمل، وما نُقل عن السَّلف من اغتنام ساعات الحياة للاستغفار والصَّلاة والذِّكر والتَّوبة، ثمَّ يميِّز بين أحوال تمنِّي الموت: فتمنِّيه لمجرَّد الضَّرر منهيٌّ عنه، أمَّا خوف الفتنة في الدِّين فقد أجازه كثير من العلماء، وكذلك ورد عن بعض السَّلف تمنِّيه شوقًا إلى لقاء الله عزَّ وجلَّ أو عند أسباب الشَّهادة. ويذكِّر مع ذلك بشدَّة الموت وهول المطلع، وأنَّ الأصل سؤال الله تعالى العافية، وأن تكون زيادة العمر زيادةً في الخير واستدراكًا لما فات.

ويعرض قوله: «أسألك خشيتك في الغيب والشَّهادة، وكلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا، والقصد في الفقر والغنى» بوصف هذه الخصال من أجلِّ ما يستقيم به باطن الإنسان وظاهره. فالخشية في الغيب والشَّهادة أن يستوي خوف العبد من الله عزَّ وجلَّ في الخلوة وأمام النَّاس، وأن يترك المعصية حين يقدر عليها ولا يطَّلع عليه أحد من الخلق، ويطيع ربَّه في السِّر كما يطيعه في العلانية. ويردُّ هذه الخشية إلى قوَّة الإيمان بالوعد والوعيد، ومعرفة قوَّة الله تعالى وبطشه، واستحضار مراقبته واطِّلاعه على القلوب والأعمال، حتى يعامل المؤمن ربَّه في خلوته معاملة من يعلم أنَّه بمرأى منه، ويبلغ بذلك مقام الإحسان.

ويبيِّن أنَّ «كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا» امتحان لصدق الإيمان؛ لأنَّ الرِّضا قد يحمل الإنسان على المحاباة والمبالغة في المدح، والغضب قد يدفعه إلى الكذب والظُّلم وتجاوز العدل. فالقوَّة الحقيقية عند ابن رجب تظهر في ملك النَّفس عند الغضب، بحيث لا يخرج المرء عن الحقِّ فيمن يحبُّ ولا فيمن يكره. ويسوق من أخبار السَّلف ما يصوِّر شدَّة احترازهم من آثار الغضب، وما يجرُّ إليه من أقوال قد يندم صاحبها بعد زواله، وينبِّه إلى أنَّ الاعتدال في الحكم على النَّاس لا يتحقَّق إلا لمن لم يستعبده رضاه ولا غضبه.

ويفسِّر «القصد في الفقر والغنى» بالتَّوسُّط في الإنفاق وسائر شؤون العيش؛ فلا يحمل الفقر صاحبه على تقتير مذموم، ولا يدفعه إلى إنفاق ما لا يطيق، كما لا يحمل الغنى على الإسراف والطُّغيان والانغماس في الشَّهوات. ويجوز للإنسان أن يوسِّع على نفسه عند السَّعة ويضيِّق بحسب حاله عند الضِّيق، مع بقاء الاقتصاد حاكمًا في الحالين. ويمتدُّ معنى القصد عنده إلى العبادة نفسها، فلا يكلِّف الإنسان نفسه من العمل ما ينقطع عنه، بل يلزم طريقًا معتدلًا يدوم عليه.

ويتناول سؤال «نعيمًا لا ينفد» بالمقابلة بين نعيم الدُّنيا الزَّائل ونعيم الآخرة الباقي؛ فكلُّ ما في الدُّنيا ينقطع بالموت وإن طال تمتُّع الإنسان به، أمَّا نعيم الجَنَّة فلا نفاد له. ثمَّ يتجاوز النَّعيم الحسِّي إلى نعيم الطَّاعة والذِّكر والمحبَّة والأنس بالله عزَّ وجلَّ والشَّوق إلى لقائه، فيجعل ذلك نعيمًا يذوق المؤمن أصله في الدُّنيا، ويزداد بعد الموت، ويبلغ كماله في الجَنَّة. ولهذا ينقل عن أهل العبادة ما وجدوه من لذَّة الذِّكر وقيام الليل ومناجاة الله تعالى، حتى عدُّوا ما يجدونه في تلك الطَّاعات من أعظم نعيم الدُّنيا.

ويصل بذلك إلى «قرَّة عين لا تنقطع»، فيفرِّق بين من قرَّت عينه بشيء من الدُّنيا فتكون قرَّة عينه معرَّضةً للزَّوال والفراق، وبين من قرَّت عينه بالله عزَّ وجلَّ وذكره ومحبَّته والأنس به. فالدُّنيا لا تخلو من التَّنغيص، وما فيها من أهل ومال وولد مفارق لصاحبه أو مفارق هو له، أمَّا قرَّة العين المتعلِّقة بالله تعالى فتمتدُّ معه في الدُّنيا والبرزخ والآخرة. ويربط ابن رجب هذا المعنى بمناجاة الليل وخفاء العمل، وبما ادَّخره الله عزَّ وجلَّ لعباده من قرَّة أعين جزاءً لما أخفوه من العبادة والطَّاعة.

ويشرح «الرِّضا بعد القضاء» باعتباره مقامًا لا تظهر حقيقته قبل نزول المقدور، إذ قد يعزم الإنسان على الصَّبر والرِّضا ما دام البلاء لم يقع، ثمَّ تنفسخ عزيمته عند وقوعه. ولذلك كان السُّؤال أن يرزق الله تعالى عبده الرِّضا بعد القضاء، لا مجرَّد ادِّعائه قبل الامتحان. وينبِّه إلى أنَّ المؤمن لا يتعرَّض للبلاء ولا يطلبه، بل يسأل العافية، فإذا وقع ما قدَّره الله عزَّ وجلَّ سأله الرِّضا والتَّسليم، مستحضرًا حكمة ربِّه ورحمته، فلا يتَّهمه في قضائه ولا يجعل قلبه معترضًا على ما جرى به القدر.

ويجعل «برد العيش بعد الموت» إشارةً إلى أنَّ صفاء العيش وكمال طيبه إنَّما يتحقَّقان بعد مفارقة الدُّنيا لمن أمن عذاب الله عزَّ وجلَّ ووصل إلى ثوابه؛ لأنَّ عيش الدُّنيا منغَّص بالموت نفسه، فضلًا عمَّا يعتري الإنسان من الهموم والأسقام والهرم وفقد الأحبَّة. أمَّا أهل الجَنَّة فقد أمنوا الموت والمرض والانقطاع، فاستقرَّ لهم العيش الذي لا يفسده خوف الزَّوال، ولهذا يربط ابن رجب هذه العبارة بقول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة».

ويتوسَّع في قوله: «لذَّة النَّظر إلى وجهك والشَّوق إلى لقائك»؛ فيجعل النَّظر إلى وجه الله عزَّ وجلَّ أعلى نعيم أهل الجَنَّة وأعظم ما تقرُّ به أعينهم، ويستدلُّ بما ورد في كشف الحجاب ونظر أهل الجَنَّة إلى ربِّهم، وبقوله تعالى في أهل الإحسان: «الحسنى وزيادة». أمَّا الشَّوق إلى لقاء الله تعالى فهو عنده من أعظم لذَّات أهل المعرفة في الدُّنيا، ويعرض أحوال السَّلف في هذا الشَّوق، ثمَّ يميِّز بين من يشتدُّ به الشَّوق حتى يورثه القلق والأرق، ومن يبلغ مع الشَّوق مقام الأنس والطُّمأنينة بالله عزَّ وجلَّ، فيجد في الذِّكر والطَّاعة والقرب ما يسكِّن قلبه ويعينه على السَّير إلى ربِّه.

ويأتي تقييد هذا الشَّوق بقوله: «في غير ضرَّاء مضرَّة ولا فتنة مضلَّة» منسجمًا مع ما قرَّره في أوَّل الحديث من أنَّ المؤمن لا يطلب الموت هربًا من ضرر الدُّنيا ولا يتعرَّض للبلاء، وإنَّما يسأل الله تعالى لقاءه على حال السَّلامة من الضَّرر الذي يفسد عليه دينه ومن الفتنة التي تضلُّه عن الهدى. فالمقصود شوق ناشئ عن المحبَّة والأنس بالله عزَّ وجلَّ، لا عن السَّخط على الحياة أو الجزع من أقدارها.

ويفسِّر قوله: «اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان» بأنَّ الإيمان قول وعمل ونيَّة، فتشمل زينته القلب بتحقُّق الإيمان فيه، واللِّسان بأقواله، والجوارح بأعماله. والزِّينة الباقية هي زينة الإيمان والتَّقوى، لا مجرَّد تحسين الظَّاهر أمام النَّاس؛ إذ قد يتزيَّن المرء بالعلم أو العبادة أو هيئة الصَّالحين وقلبه خالٍ من حقيقتها. أمَّا من زيَّن لله عزَّ وجلَّ جوارحه بالطَّاعة وقلبه بالصِّدق والإيمان فإنَّ حقيقة زينته تكون في قلبه وعمله، لا في صورته وما يطلبه من منزلة عند الخلق.

ويشرح «واجعلنا هداةً مهتدين» بأن يجمع العبد بين هداية نفسه والدَّلالة على الهدى لغيره، وهي عنده من أفضل الدَّرجات؛ فلا يدعو الإنسان إلى طريق لا يسلكه، ولا يقتصر صلاحه على نفسه مع قدرته على نفع غيره. ويدخل في الدَّعوة إلى الهدى الدَّلالة على التَّوحيد بدل الشِّرك، والسُّنَّة بدل البدعة، والعلم بدل الجهل، والطَّاعة بدل المعصية، واليقظة بدل الغفلة، ومن اهتدى على يد الدَّاعي إلى شيء من ذلك كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المهتدي شيء. ويجعل تعليم الجاهل وإيقاظ الغافل من أجلِّ صور هذا النَّفع، إذ تنفذ الموعظة إلى القلب فتوقظه من غفلته وتردُّه إلى الطَّاعة والإنابة.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب شرح حديث عمار بن ياسر "اللهم بعلمك الغيب" لابن رجب الحنبلي PDF - مكتبة العلوم الإسلامية