مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب الحنبلي PDF
كتاب ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يشرح ابن رجب الحنبلي في كتاب «ورثة الأنبياء» حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه في فضل العلم والعلماء، فيبسط ما اشتمل عليه من منزلة طلب العلم، وفضل العالم على العابد، واستغفار المخلوقات لأهل العلم، ومعنى وراثة الأنبياء، وحقيقة العلم الذي خلَّفوه لأممهم. ويجعل من ألفاظ الحديث مدخلًا لبيان العلم النَّافع وآثاره في القلب والعمل، وصفات العلماء الرَّبَّانيين، وما ينبغي لطالب العلم والعالم من إخلاص وزهد وخشية وعمل، مستشهدًا بالقرآن الكريم والسُّنَّة وآثار الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة السَّلف.

ويستهلُّ الكلام بقصَّة الرَّجل الذي رحل من المدينة إلى أبي الدَّرداء رضي الله عنه بدمشق لا لحاجة ولا لتجارة، وإنَّما لحديث بلغه أنَّه يرويه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فيربط ذلك بما عُرف عن السَّلف من الرِّحلة في طلب العلم ولو من أجل حديث واحد أو تفسير آية أو جواب مسألة. ويذكر رحلة أبي أيُّوب الأنصاري وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وحرص ابن مسعود وأبي الدَّرداء وغيرهما على بلوغ من عنده زيادة علم، ويستحضر رحلة موسى عليه السَّلام إلى الخضر مثالًا على أنَّ كمال علم المرء لا يمنعه من طلب ما خفي عليه، وأنَّ من أهمَّه أمر دينه لم يستبعد السَّفر لتحصيل ما يحتاج إليه من العلم.

ويفسِّر قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنَّة» بأنَّ سلوك طريق العلم يشمل السَّير الحقيقي إلى مجالسه، كما يشمل الطُّرق المعنويَّة التي يُحصَّل بها من حفظ ودراسة ومطالعة ومذاكرة وفهم وتفكُّر. أمَّا تيسير طريق الجنَّة فيتناول تيسير العلم نفسه لطالبه، وإعانته على العمل بمقتضاه، وفتح أبواب أخرى من العلم النَّافع له بسبب عمله بما عَلِم، ثمَّ تيسير ما يلقاه في الآخرة من الطُّرق المؤدِّية إلى الجنَّة. ويربط ذلك بإخلاص القصد لله عزَّ وجلَّ؛ فالعلم الذي جاءت به الرُّسل هو الدَّليل إلى معرفة الله تعالى ورضوانه، أمَّا من يطلب طريق الوصول إليه بغير علم فيسلك طريقًا شاقًّا لا يبلغه مقصوده.

ويميز بين العلم الذي يبقى على اللِّسان والعلم النَّافع الذي يباشر القلب؛ فالأوَّل تقوم به الحجَّة على صاحبه، والثَّاني يثمر معرفة الله تعالى وخشيته وإجلاله ومحبَّته والخشوع له، ثمَّ تظهر آثاره على الجوارح. ومن هنا يفسِّر ذهاب العلم بأنَّه يبدأ بذهاب حقيقته من القلوب وذهاب العمل والخشوع، وإن بقيت ألفاظه على الألسنة، ثمَّ يذهب العلم الظَّاهر بذهاب حملته. ويستشهد بما نُقل عن السَّلف من تقسيم العلم إلى ظاهر وباطن، محذِّرًا من الوقوف عند علم الفتاوى والأحكام مع قسوة القلب والتَّعلُّق بالجاه، كما يحذِّر في المقابل ممَّن يزعم الاشتغال بعلم الباطن ثمَّ يطعن في علم الشَّريعة أو يستغني عن الكتاب والسُّنَّة بالخواطر والإلهامات.

ويجعل أكمل العلماء من جمع العلم بالله والعلم بأمر الله؛ فعرف أسماء الله وصفاته وأفعاله معرفةً تورث الخشية والمحبَّة والتَّوكُّل والإنابة، وعرف كذلك أوامره ونواهيه وشرائعه وأحكامه وما يحبُّه من الأقوال والأعمال الظَّاهرة والباطنة وما يكرهه منها. وهؤلاء عنده العلماء الرَّبَّانيون الذين تلقَّوا العلمين من الكتاب والسُّنَّة، وعرضوا عليهما ما يقوله النَّاس، فقبلوا الموافق وردُّوا المخالف، ويذكر في أمثلتهم جماعةً من الصَّحابة رضي الله عنهم ومن أئمَّة التَّابعين ومن جاء بعدهم.

ويبيِّن أنَّ مجالس الذِّكر لا تنحصر في التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير، بل يدخل فيها تعلُّم أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه، وتفسير كتابه ورواية سنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وفهم معانيها. ويقرِّر أنَّ من العلم ما هو فرض عين بحسب حاجة الإنسان؛ فيتعلَّم ما يقيم به صلاته وصيامه وسائر ما لزمه من أمر دينه، ويتعلَّم صاحب المال أحكام زكاته ونفقاته، ويتعلَّم من يتَّجر ما يحلُّ ويحرم من البيوع، فلا يُقدم المسلم على عمل يحتاج إليه قبل معرفة حكم الله تعالى فيه. ويذكر مع ذلك ما كان عليه الأئمَّة من الورع الشَّديد في الفتوى والحلال والحرام، حتى كثر في أجوبتهم التَّوقُّف وقول «لا أدري» خشية القول على الله عزَّ وجلَّ بغير علم.

ويفسِّر وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم، فيعرض ما قيل في حمله على بسط الأجنحة حقيقةً إعانةً لطالب العلم، وما قيل في أنَّه كناية عن التَّواضع له، ثمَّ يذكر أنَّ الأقرب أنَّ الملائكة تحفُّ طالب العلم ومجالس العلم بأجنحتها محبَّةً لما يطلب. وينتقل إلى استغفار أهل السَّماوات والأرض حتى الحيتان للعالم، فيربطه بتعدِّي نفع علمه إلى الخلق؛ فهو يعلِّم النَّاس طاعة الله تعالى، ويدلُّهم على الإحسان إلى المخلوقات، وبظهور العلم والعمل تنزل البركات وتصل آثارها إلى الحيوان وغيره. وفي المقابل يجعل كتمان العلم سببًا لظهور الجهل والمعاصي والفساد، ولذلك يقابل استغفار المخلوقات للعالم بلعنتها لمن يكتم الهدى الذي يجب بيانه.

ويفصِّل معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، فيجعل وجه الشَّبه في تعدِّي النَّفع؛ فضوء الكوكب مقصور، بينما ينتشر نور القمر فيستضيء به أهل الأرض ويهتدون، وكذلك العابد يغلب أن يعود نفع عبادته على نفسه، أمَّا العالم فينتفع بعلمه غيره. ويربط نور العالم بنور الرِّسالة التي أخذ عنها علمه، كما يستمدُّ القمر نوره، ثمَّ يسوق النُّصوص والآثار التي تفضِّل العلم النَّافع على نوافل العبادة؛ لما يجمعه من الذِّكر والجهاد والتَّعليم والإرشاد وإحياء القلوب، ولأنَّ أثره يبقى وينتقل من العالم إلى غيره.

ويؤكِّد أنَّ هذا الفضل مشروط بصلاح النِّيَّة والعمل؛ فينقل عن السَّلف أنَّ طلب العلم من أفضل الأعمال لمن أراد به الله تعالى والدَّار الآخرة، ولا يجعل مجرَّد كثرة الرِّواية أو تحصيل المسائل غاية العلم. فالعلم الذي مدحه الوحي عنده هو الذي يقود صاحبه إلى الخشية والطَّاعة، ولهذا يقرِّر أنَّ أفضل العلم العلم بالله تعالى، ثمَّ ما يتبعه من العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والعلم بشرائعه وأوامره ونواهيه. ومن جمع المعرفة بالله تعالى والمعرفة بأمره فقد جمع العلم الذي يصلح به الباطن والظَّاهر.

ويشرح قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء» بأنَّ العلماء يخلفون الرُّسل في أممهم بحمل ما جاءوا به من العلم، والدَّعوة إليه، وتعليمه للنَّاس، وإقامة الحجَّة به. ويستدلُّ على رفعة هذه الوراثة بما ورد في القرآن الكريم من رفع درجات أهل العلم، وشهادتهم بالتَّوحيد، وخشيتهم لله تعالى، وبيانهم الحقَّ للنَّاس، ويرى أنَّ درجة العلماء العاملين تلي درجة النُّبوَّة من جهة قيامهم بميراث الرُّسل، لا لأنَّهم يستقلُّون بعلم من عند أنفسهم، بل لأنَّ ما عندهم مقتبس من الوحي الذي جاءت به الرُّسل.

ويبيِّن معنى قوله: «إنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنَّما ورَّثوا العلم» بأنَّ ميراث النُّبوَّة ليس جمع الأموال وتركها للورثة، وإنَّما العلم والدَّعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله. وعلى هذا يحمل ميراث سليمان لداود عليهما السَّلام، ودعاء زكريَّا عليه السَّلام أن يرزقه وليًّا يرثه ويرث من آل يعقوب، على ميراث العلم والنُّبوَّة. ويستحضر ما تركه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد وفاته ليؤكِّد أنَّ الرُّسل لم يُبعثوا لتكثير الدُّنيا وتوريثها لأهليهم، وإنَّما لتوريث أممهم الهدى والعلم النَّافع.

ويجعل بقاء العلم بعد موت العالم من أكمل صور هذا الميراث؛ فمن علَّم من يحمل العلم عنه خلَّف علمًا نافعًا يستمرُّ أجره، وصار تعليمُه صدقةً جارية، وكان تلامذته ومن انتفع بعلمه بمنزلة الذُّرِّيَّة الصَّالحة التي تدعو له. ويضيف إلى ذلك اقتداء العالم بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في الزُّهد في الدُّنيا وعدم جعل العلم طريقًا إلى جمعها، ويورد أحوال الحسن البصري وسفيان الثَّوري والإمام أحمد ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن أسلم والأوزاعي وغيرهم، مبينًا أنَّ الزُّهد لا يعني هيئةً مخصوصة من التَّقشُّف، وإنَّما يظهر في عدم مزاحمة النَّاس على الدُّنيا وعدم استعباد المال والجاه للقلب.

ويربط صدق العالم بالخشية والخشوع والبكاء واحتقار الدُّنيا والرَّغبة في الآخرة، مستشهدًا بموقف أهل العلم من زينة قارون في مقابل من تمنَّوا مثل ما أوتي. ويحذِّر من الطَّمع بوصفه من أشدِّ ما يفسد أهل العلم؛ لأنَّ العالم إذا جعل علمه وسيلةً إلى ما في أيدي أهل الدُّنيا هان عليهم وهان علمه، أمَّا إذا احتاج النَّاس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم بقي للعلم قدره. ومن هنا يشدِّد على أنَّ من ينشر العلم ينبغي أن يصونه عن استجلاب أموال النَّاس وقلوبهم، وأن يكون مقصوده بيان دين الله عزَّ وجلَّ لا التَّقرُّب بعلمه إلى أصحاب المال والسُّلطان.

ويعرض آثارًا في ذمِّ العلماء الذين يطلبون بعلمهم الدُّنيا، ويقابلهم بمن صان العلم وصان نفسه عن الطَّمع، ويقرِّر أنَّ من لم يصن نفسه لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره. ثمَّ يشتدُّ تحذيره من اجتماع العلم مع الحرص على الدُّنيا، ولا سيَّما بعد تقدُّم السِّن وظهور الشَّيب؛ إذ ينبغي أن يكون العلم وطول العمر باعثين على الاستعداد للآخرة لا على ازدياد التَّعلُّق بما يفنى. ويورد في هذا المعنى أبياتًا تذكِّر بقِصر الشَّباب، وانقضاء زينة الدُّنيا، وبقاء تبعة الذُّنوب، والخوف من السَّيِّئات مع الرَّجاء في عفو الله تعالى، وأنَّ السَّعادة ليست فيما تمنحه الدُّنيا لصاحبها، وإنَّما في النَّجاة من النَّار.



إحصائيات الكتاب
قُرئ1مرةحُمِّل1مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب الحنبلي PDF - مكتبة العلوم الإسلامية