
نبذة عن الكتاب:
يشرح ابن رجب الحنبلي في «كشف الكربة في وصف أهل الغربة» حديث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، ويجمع الرِّوايات المفسِّرة للغرباء بأنَّهم الذين يصلحون عند فساد النَّاس، ويصلحون ما أفسده النَّاس من السُّنَّة، ويفرُّون بدينهم من الفتن، وأنَّهم قوم صالحون قليلون بين أهل السُّوء، ليبيِّن حقيقة هذه الغربة وصفات أهلها وأسباب قلَّتهم بين النَّاس.
ويفسِّر ابتداء الإسلام غريبًا بحال الدَّعوة في أوَّل أمرها، حين كان المستجيب للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الواحد بعد الواحد، يتعرَّض المسلمون للأذى والتَّعذيب والتَّشريد، ويفرُّ بعضهم بدينه إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، حتى أعزَّ الله تعالى الإسلام ودخل النَّاس فيه أفواجًا. واستمرَّ المسلمون بعد وفاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اجتماع واستقامة في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثمَّ أخذت أسباب الافتراق والفساد في الظُّهور.
ويردُّ ابن رجب جانبًا كبيرًا من فساد الأحوال إلى فتنتين: فتنة الشُّبهات وفتنة الشَّهوات. فالشُّبهات تفضي إلى الأهواء والبدع والتَّفرُّق في الدِّين، أمَّا الشَّهوات فتظهر في الافتتان بالدُّنيا والتَّنافس فيها والتحاسد والتَّباغض، حتى تصير الدُّنيا غايةً يُوالى ويُعادى من أجلها. ومن اجتماع هاتين الفتنتين تتَّسع الغربة؛ لأنَّ المتمسِّك بالطَّريق الذي كان عليه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم يصبح قليل الموافقين كثير المخالفين.
ويبيِّن أنَّ السُّنَّة في معناها الكامل ليست مقصورةً على سلامة الاعتقاد من الشُّبهات، وإن كان ذلك من أعظمها، بل هي طريقة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم السَّالمة من الشُّبهات والشَّهوات جميعًا. ولهذا يدخل فيها تحرِّي الحلال، والزُّهد في الحرام والشُّبهات، وضبط النَّفس عن أهوائها، والاستقامة في الاعتقاد والعمل والسُّلوك. وينقل عن السَّلف وصف أهل السُّنَّة بالقلَّة والغربة، حتى قال سفيان الثَّوري: «استوصوا بأهل السُّنَّة فإنَّهم غرباء».
ويقسم الغرباء إلى قسمين: من يصلح نفسه حين يفسد النَّاس، ومن يتجاوز إصلاح نفسه إلى إصلاح ما أفسده النَّاس من السُّنَّة، ويجعل القسم الثَّاني أعلى وأفضل. وتشتدُّ غربة هؤلاء حين يقلُّ أعوانهم على الخير، ويصبح المتمسِّك بدينه مخالفًا لما ألفه جمهور من حوله من الشُّبهات والشَّهوات، فيحتاج إلى الصَّبر والثَّبات وإنكار المنكر والتمسُّك بالسُّنَّة من غير أن تحمله كثرة المخالفين على ترك ما عرفه من الحقِّ.
ويعرض غربة العالم الفقيه بالسُّنَّة حين يشيع الجهل والفساد، فلا يجد على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أعوانًا، وقد يصير مستنكرًا بين من حوله لمباينة طريقه لطريقهم ومقصده لمقاصدهم. ويستشهد بأقوال السَّلف في قلَّة أهل الاستقامة، وبحال من يتمسَّك بالسُّنَّة بين داعٍ إلى بدعة وداعٍ إلى الدُّنيا، فيجعل النَّجاة في طلب سُنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم واتِّباع آثار السَّلف والصَّبر عليها.
ويستطرد من غربة أهل السُّنَّة إلى غربة حملة العلم الصَّادقين، مستندًا إلى كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تقسيم النَّاس وحملة العلم. فيذكر من حملة العلم من لا بصيرة له فتخطفه الشُّبهة عند أوَّل عارض، ومن يجعل العلم وسيلةً لتحصيل الدُّنيا والجاه أو يستسلم للشَّهوات وجمع المال، ويقابل هؤلاء بحملة العلم القائمين بحجج الله تعالى وبيِّناته، وهم الأقلُّون عددًا والأعظمون قدرًا، الذين أورثهم العلم بصيرةً ومعرفةً بالله تعالى وخشيةً له.
ويورد تقسيم الحسن البصري لقرَّاء القرآن، فيذكر من اتَّخذ القرآن بضاعةً يتكسَّب بها، ومن أقام حروفه وضيَّع حدوده واتَّخذه طريقًا للاستطالة وطلب الولاية، ثمَّ يقابلهم بمن جعل القرآن دواءً لداء قلبه، فأثمرت قراءته الخوف والحزن والخشية. فالغربة هنا لا تتعلَّق بمجرَّد حمل العلم أو حفظ القرآن، وإنَّما تتحقَّق حين يبلغ العلم القلب ويقوده إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ ومحبَّته وخشيته والعمل بطاعته.
ويصف أهل العلم الصَّادقين بأنَّ معرفتهم بالله تعالى جعلت ما يستصعبه المترفون من ترك شهوات الدُّنيا هيِّنًا عليهم؛ لأنَّ في قلوبهم عوضًا عنها من لذَّة معرفة الله تعالى ومحبَّته ومناجاته وذكره وتلاوة كتابه. ولهذا يستأنسون بما يستوحش منه أهل الغفلة، ويستوحشون من التَّعلُّق بالدُّنيا الذي يستأنس به غيرهم، ويصحبون الدُّنيا بأبدانهم من غير أن يجعلوها وطنًا لقلوبهم.
وينقل معنى الغربة من فساد الزَّمان إلى أصل حال المؤمن في الحياة الدُّنيا، فيشرح حديث «كن في الدُّنيا كأنَّك غريب أو عابر سبيل»، ويشبِّه المؤمن بالمسافر الذي يجتاز بلدًا ليس موطنه، فلا ينافس أهله في عزِّهم ولا يجعل غايته الاستقرار فيه، وإنَّما يكون همُّه التَّزوُّد للرَّحيل والعودة إلى وطنه. فالدُّنيا عنده ممرٌّ لا مقرٌّ، والآخرة دار القرار، ومن استقرَّ هذا المعنى في قلبه خفَّ تعلُّقه بزينة الحياة الفانية.
ويفصِّل بعد ذلك نوعًا أدقَّ من الغربة، فيقسمها إلى غربة ظاهرة وغربة باطنة. فالغربة الظَّاهرة غربة أهل الصَّلاح بين أهل الفسق، والصَّادقين بين أهل الرِّياء والنِّفاق، والعلماء بين أهل الجهل، وعلماء الآخرة بين من اتَّخذ العلم للدُّنيا، والزَّاهدين بين المتعلِّقين بما يفنى. أمَّا الغربة الباطنة فهي غربة الهمَّة؛ إذ ينصرف قلب العارف إلى الله عزَّ وجلَّ، فلا يقف مع علمه ولا عبادته ولا زهده لذاتها، بل تتعلَّق همَّته بمعبوده.
ويعرض صفات هذه الطَّائفة في الخفاء والتُّقى وقلَّة الالتفات إلى معرفة النَّاس ومدحهم، مستشهدًا بما ورد في العبد الخفيِّ التَّقي، وبأقوال السَّلف في قوم يخفون على أهل الأرض ويُعرفون عند الله تعالى. وقد تجتمع في صاحبها غربات متعدِّدة: غربة الصَّلاح، وغربة السُّنَّة، وغربة العلم، وغربة الزُّهد، وغربة الهمَّة، حتى يكون حاضرًا بين النَّاس ببدنه وقلبه متعلِّقًا بالله عزَّ وجلَّ.
ويتناول ميل بعض هؤلاء إلى الخلوة والعزلة طلبًا للأنس بالله تعالى والاشتغال بذكره، ويورد أقوال من وجد راحة قلبه في الانفراد عمَّا يشغله عن ربِّه. وقد يستغرب النَّاس أحوالهم لكثرة ذكرهم وقلَّة تعلُّقهم بما يتعلَّق به غيرهم، حتى يُنسب بعضهم إلى الجنون أو المرض، بينما يفسِّر ابن رجب حالهم بأنَّ قلوبهم شُغلت بمعنى آخر صرفها عن الاستغراق في دنيا النَّاس وشهواتهم.
ويربط هذه الغربة الباطنة بمقام المراقبة والإحسان؛ فيورد ما يدلُّ على استحضار العبد معية الله تعالى وعلمه به في جميع أحواله، ومعنى أن يعبد الله عزَّ وجلَّ كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله تعالى يراه. ومن استقرَّت هذه المراقبة في قلبه امتدَّ أثرها إلى خواطره ونظره ولسانه وحركاته، فصار حفظ القلب والجوارح ثمرةً لمعرفته برقابة الله تعالى، وغدا أنسه بربِّه هو المعنى الذي يجمع غربته عن أهواء الخلق وتعلُّقه بما عند الله عزَّ وجلَّ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














