
نبذة عن الكتاب:
يستخرج الوزير ابن هبيرة في «الإفصاح عن معاني الصِّحاح» ما تضمَّنته أحاديث صحيحي البخاري ومسلم من فقهٍ وآدابٍ ومعانٍ إيمانيَّة ولغويَّة وتربويَّة، متجاوزًا مجرَّد شرح ألفاظ الحديث إلى استنباط ما يتعلَّق بالعبادات والإخلاص وتزكية النُّفوس وأعمال الآخرة. وقد صرَّح بأنَّ عنايته متوجِّهة خاصَّة إلى ما تشتمل عليه الأحاديث من شؤون الدِّين والعبادات وآدابها وأعمال القلوب، بعدما لم يجد في الكتب التي وقف عليها مؤلَّفًا يجمع له هذا الغرض على الوجه الذي أراده.
ويجعل أصل الكتاب أحاديث الصحيحين كما جمعها الحميدي في «الجمع بين الصَّحيحين»، معتمدًا ترتيبه على أسماء الصَّحابة رضي الله عنهم، ومستفيدًا من جمعه للرِّوايات مع رجوعه إلى أصول الصحيحين وطرقهما التي تلقَّاها بالسَّماع والإجازة. ولذلك ينتظم الكتاب في مسانيد الصَّحابة؛ فيبدأ بمسند أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ويذكر في صدر كلِّ مسند مقدار ما أخرجه البخاري ومسلم للصَّحابي، وما اتَّفقا عليه وما انفرد به كلُّ واحد منهما، ثمَّ يسوق الحديث ويتبعه بما يستنبطه من معانيه.
ولا يقصر الفقه عنده على الأحكام العمليَّة؛ فحديث الدعاء الذي علَّمه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بكر رضي الله عنه يستخرج منه جواز الدعاء في الصَّلاة، وآداب التلقِّي عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وحال العبد في الافتقار إلى الله تعالى، ومعاني المغفرة والرَّحمة، ودلالات الألفاظ والتَّراكيب. وهكذا يتنقَّل داخل الحديث الواحد بين الحكم الفقهي، والمعنى الإيماني، والدَّلالة اللُّغويَّة، وما يتصل بالسُّلوك وآداب العبوديَّة.
ويستخرج من أخبار السِّيرة والمواقف العمليَّة أحكامًا وآدابًا تتجاوز ظاهر القصَّة؛ ففي حديث الغار يتناول فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، ومشروعيَّة الهرب من المخوف، والتَّعلُّق بالله تعالى مع الأخذ بالأسباب، ثمَّ يربط ذلك بقصَّة موسى عليه السَّلام. وفي حديث الهجرة الطويل يستنبط من دقائق الأفعال والألفاظ مسائل في الخدمة والصُّحبة والنَّظافة والسَّفر وحسن الأدب وإكرام الضَّيف والتَّداوي وحفظ اللِّسان، حتى تصبح الجزئيَّات الواردة في الخبر أبوابًا لاستخراج الآداب والأحكام.
ويتوسَّع كذلك في قضايا الإمامة والسِّياسة الشَّرعيَّة والاجتهاد؛ فيقف عند قتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزَّكاة، ومراجعة عمر رضي الله عنه له، ليستخرج منها منزلة اجتهاد الإمام، وجواز مراجعته بالنَّص، وإمكان خفاء وجه الحقِّ على جماعة وظهوره لواحد، ومواضع الغضب المحمود في الدِّين. ويعرض للأحداث التي وقعت بعد وفاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، كمسألة ميراثه وموقف أبي بكر وفاطمة وعلي والعبَّاس رضي الله عنهم، فيفسِّر الرِّوايات ويستخرج منها أحكام الوقف وخبر الواحد واتباع السُّنَّة وصلة أهل بيت النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وآداب معالجة الخلاف.
ويعتني عناية ظاهرة بألفاظ الحديث واللُّغة؛ فيشرح الغريب، ويقف على الفروق بين الألفاظ والصِّيغ، ويستدلُّ بطريقة الرَّاوي في اختيار عبارته، وقد يستخرج من اختلاف لفظتين فائدةً في العربيَّة أو دقَّةً في التَّعبير. ويضمُّ إلى ذلك تفسيرًا لآيات القرآن التي تتصل بالحديث، ويوازن أحيانًا بين ما نُقل عن المفسِّرين وبين ما يدلُّ عليه سياق الحديث أو الآية، فلا يلتزم مجرَّد النَّقل إذا ظهر له وجه آخر في المعنى.
ويكثر من وصل الحديث بمعاني التَّوحيد والتَّوكُّل والخوف والرَّجاء والإخلاص ومراقبة الله تعالى، ويجعل الوقائع النَّبويَّة والصَّحابيَّة شواهد على أعمال القلوب كما يجعلها أصولًا للأحكام. ولهذا تظهر في الكتاب مباحث في الزُّهد والغنى والفقر، والفرح والحزن، والشَّجاعة والخوف، والصُّحبة والرَّحمة، وحفظ السِّر، وصلة الرَّحم، وحسن الظَّن، وأدب الدُّعاء والنَّوم والسَّفر والطَّعام، إلى جانب أبواب الفقه والسِّيَر والمغازي.
ولا يتعامل مع ما سبقه من الشُّرَّاح والجامعين بالتَّسليم المطلق؛ بل يعقِّب على الحميدي وغيره عند الحاجة، وينبِّه إلى ما يراه وهمًا في رواية أو ترتيبًا غير صحيح، ويخالف بعض التَّفسيرات إذا لم تستقم عنده مع النَّص. ومن ذلك تنبيهه إلى خطأ وقع في تعيين الغزوة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، كما يصرِّح في مواضع بقوله: «قال الوزير» أو «والذي أراه»، فيفصل بين المنقول عن غيره وبين استنباطه الخاص.
ويمضي بهذه الطَّريقة في مسانيد الصَّحابة رضي الله عنهم، حديثًا بعد حديث، فيجمع بين رواية النَّص الصَّحيح وشرح ألفاظه واستخراج ما تحته من فقهٍ ظاهر ودقيق، مع عناية خاصَّة بما قد يمرُّ في كتب الأحكام سريعًا من أعمال القلوب والآداب وتزكية النَّفس ودقائق السُّلوك، رابطًا ذلك بالقرآن والسُّنَّة واللُّغة وأصول الدِّين.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














