يَنْتَقِي أبو بكر ابن عاصم الغَرْنَاطِيُّ في كتاب «حدائق الأَزَاهِر» طائفةً واسعةً من طرائف الأخبار، والأجوبة البليغة، والحكايات المُضْحِكَة، والحِكَم والأمثال، وما اتَّصل بها من الأشعار والمُحَاوَرَات والمواقف الغريبة، مُنَوِّعًا بين الجِدِّ والهَزْل، وما يُفِيد من الموعظة والحِكْمة، وما يُمْتِع من المُدَاعَبَة والفُكَاهَة. ويُرَتِّب هذه المختارات في ستِّ حدائقَ بحسب موضوعاتها، مُورِدًا أخبارَ الملوك والخلفاء والأمراء والقُضَاة، وما جرى في مجالس العلماء والفُقَهاء والشُّعراء والأدباء، إلى جانب نوادر الأعراب والظُّرَفاء والطُّفَيْلِيِّين والبُخَلاء والمُغَفَّلِين والمجانين، وأخبار النِّساء والجَوَارِي والعُبَّاد والزُّهَّاد، وما نُقِل عنهم من أقوالٍ ومواقفَ تَظْهَر فيها طبائعُهم وأخلاقُهم واختلافُ طرائقهم في الكلام والتَّصرُّف.
ويبدأ بالأجوبة المُسْكِتَة التي يَفْحَم بها أصحابُها خُصُومَهم، وما يَتَجَلَّى فيها من سُرْعَة البَدِيهَة وحُسْن التَّخَلُّص وقُوَّة الحُجَّة وإصابة المعنى، مع إيراد أجوبةٍ تدلُّ على ذكاء قائليها، وأبياتٍ شِعْرِيَّةٍ استُعْمِلَت في الرَّدِّ والمُخَاطَبَة. وتَرِد في هذه الأخبار مُسَاجَلَاتٌ بين الخلفاء والأمراء ورعيَّتهم، ومواقفُ للشُّعراء والعلماء والقُضَاة، يُفْضِي فيها الجوابُ البليغ إلى إسكات المُخَاطَب أو دفع الأذى أو قضاء الحاجة. وينتقل إلى المُدَاعَبَات والمُضْحِكَات، وما اشتملت عليه من طَرَائِفَ خفيفةٍ وحكاياتٍ هَزْلِيَّةٍ وأشعارٍ ساخرةٍ، ومنها ما يقوم على المُفَارَقَة وسُوء الفَهْم والتَّعريض والمُبَالَغَة، ومنها ما تَطُول فيه الحكاية وتتتابع المواقف المُضْحِكَة. كما يَعْرِض نوادرَ أصحاب الفِطْنَة والحِيلَة، وأخبار الطُّفَيْلِيِّين وشَرَهِهم للطَّعام، وما يقع للأعراب والمُجَّان والمُسْتَخِفِّين من مواقفَ طريفةٍ، وحكاياتِ مَن ادَّعَوُا النُّبُوَّة وما جرى لهم من مُحَاوَرَاتٍ، إلى جانب أخبار الحَمْقَى والمُغَفَّلِين وأهل البَلَه والمجانين، وما يُنْسَب إليهم من أقوالٍ وأفعالٍ تُثِير الضَّحِك والعَجَب.
ويُورِد طائفةً من الوصايا والحِكَم التي تَتَّصِل بحُسْن التَّدبير والسِّيَاسَة والعَدْل، واختيار الأعوان والمُشَاوَرَة والتَّثَبُّت في الأمور، وحفظ الأسرار ومُعَاشَرَة النَّاس، وما ينبغي التَّحَلِّي به من الحِلْم والتَّواضُع والكَرَم والشَّجَاعَة والوفاء، مع التَّحْذِير من البُخْل والحَسَد والعَجَلَة وسُوء الرَّأي. ويَعْرِض كذلك حِكَمًا في طلب العلم والأدب، وصُنْع المعروف، وتقلُّب أحوال الدُّنيا، وما يَتَّصِل بالمال والفَقْر والغِنَى والصَّدَاقَة والمروءة. ويُفْرِد لأمثال العامَّة وحِكَمِهم قسمًا مُرَتَّبًا على حروف المُعْجَم، يَسُوق فيه ما جرى على ألسنتهم من التَّعبيرات والأمثال الدَّارِجَة، ويَقْرِن بعضَها بأبياتٍ شِعْرِيَّةٍ تُوَافِقُها في المعنى، بما يُظْهِر ما بين أقوال العامَّة والشِّعر من اشتراكٍ في الحِكْمَة والتَّعبير عن أحوال الحياة.
وتَتَّسِع الحكاياتُ الأخيرة من الكتاب لأخبارٍ غريبةٍ ومواقفَ مُسْتَطْرَفَةٍ، وما جرى بين الملوك والأمراء والشُّعراء وأصحاب الحِيَل من حوادثَ ومُحَاوَرَاتٍ، إلى جانب حكاياتٍ ارتبطت بها أشعارٌ في المَدْح والهِجَاء والغَزَل والشَّكْوَى والمُدَاعَبَة، تُبَيِّن مناسباتِ إنشادها وما كان لها من أثرٍ في أصحابها وسامعيها. ويَخُصُّ الأولياءَ والعُبَّاد والصُّلحاءَ والزُّهَّاد بطائفةٍ من الأخبار التي تَتَنَاوَل التَّوبة والخَوْف والرَّجَاء والتَّوكُّل والرِّضا بقضاء الله تعالى، وما يُرْوَى عن بعضهم من مواقفَ عجيبةٍ ورُؤًى ومَنَامَاتٍ، وأخبارٍ في الإقبال على العبادة والزُّهْد في الدُّنيا وحُسْن الظَّنِّ بالله تعالى. وتَتَخَلَّل هذه الموضوعاتِ أقوالٌ مأثورةٌ وأشعارٌ ومواعظُ وأمثالٌ تُوَضِّح معاني الأخبار وتُكْمِل ما فيها من حِكْمَةٍ أو طَرَافَةٍ.