مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب تحسين القبيح وتقبيح الحسن لأبي منصور الثعالبي PDF

كتاب تحسين القبيح وتقبيح الحسن لأبي منصور الثعالبي PDF

نبذة عن الكتاب:

يُبْرِز أبو منصور عبد الملك بن محمَّد الثَّعالبي في كتاب «تحسين القبيح وتقبيح الحسن» براعةَ البلغاء والشُّعراء في إظهار المذموم بمظهر المحمود، وتصوير المحمود في صورة المعيب، بما يكشف عن قدرة اللُّغة على توجيه النَّظر إلى وجوهٍ مختلفةٍ من الشَّيء الواحد، وتغيير وقعِه في النُّفوس بحُسْن الاحتجاج وبديع التَّعبير. ويجمع لهذا الغرض مختاراتٍ من كلام الفصحاء والحكماء والأدباء، وما جرى على ألسنة الملوك والوزراء والظُّرفاء من أجوبةٍ وحججٍ، وما نظمه الشُّعراء من أبياتٍ تُحَسِّن ما اعتاد النَّاس ذمَّه، أو تَقْدَح فيما جرت العادة بمدحه. ويقوم الكتاب على قسمَيْن متقابلَيْن؛ أولهما في تحسين ما يُسْتَقْبَح من الصِّفات والأحوال والأفعال، وثانيهما في تقبيح ما يُسْتَحْسَن من الفضائل والمنافع والمظاهر. ولا يَتَوقَّف المقصود من هذه المختارات عند تقرير الأحكام الأخلاقيَّة، بل يتَّصل بفنون البلاغة والاحتجاج، وما تتيحه الاستعارة والكناية والتَّشبيه والمقابلة والتَّعليل من إمكاناتٍ للدِّفاع عن رأيٍ غير مألوف، أو إنشاء معنىً طريفٍ يُفاجئ السَّامع ويُثير إعجابه. ويُوازِن الثَّعالبي بين النَّماذج التي ينقلها، فيُشيد بما امتاز منها بالأصالة وحُسْن السَّبك، ويُشير إلى ما سَبَق إليه بعض البلغاء وما حاول غيرهم معارضته أو الزِّيادة عليه، كما يُضِيف من إنشائه ما يتَّصل بهذه المعاني.

وتتَّضِح وجوه التَّحسين في الدِّفاع عن أحوالٍ أو أعمالٍ قد يَحْتَقِرها بعض النَّاس؛ فينقل عن أبي زيد البَلْخِيِّ احتجاجَه لفضل التَّعليم حين عُيِّر بمهنته، مُبَيِّنًا أنَّ شؤون الدِّين والأدب والصِّناعة والكسب لا تستقيم بغير تعلُّمٍ وتعليم، وأنَّ المعلِّم يجمع إلى معرفته القدرةَ على إفادة غيره. وفي مقابل ذمِّ الفقر، يورد ما قيل في خفَّة مؤونته، وقلَّة تعلُّق صاحبه بالدُّنيا، وسلامته من بعض الهموم التي تُلازم الأغنياء، وما نَظَمه البُحْتُرِيُّ وأبو العَتَاهِيَة ومحمود الوَرَّاق في بيان هذه المعاني. وللدَّيْن، بمعنى الاستدانة، موضعٌ يَجْمَع فيه ما نُقل عن فضل إقراض المحتاج، وحُسْن نيَّة المستدين في الوفاء، وما يُحْتَجُّ به لمَن يستدين مع المحافظة على مروءته. ويُحَسِّن الحَبْسَ بما اختاره من شعر عليِّ بن الجَهْم، الذي يُشَبِّه السَّجين الكريم بالسَّيف المُغْمَد، والأسد الملازم لعَرينه، والبدر الذي يحجبه السِّرار ثمَّ يعود إلى الظُّهور. كما يورد ما قيل في الحَلْف الكاذب عند الاضطرار، وما احْتُجَّ به للكذب في الحرب والإصلاح بين النَّاس، مُعْتَنِيًا بطرائق صياغة الحجَّة وقوَّة التَّعليل، وما قد يتضمَّنه الكلام من مبالغةٍ تُحْسِن تصوير الفكرة وإن لم تُغَيِّر حقيقةَ الفعل الذي تتناوله.

ومن ألطف وسائل التَّحسين عند الثَّعالبي تحويلُ ما يُتَشاءَم منه إلى فألٍ محمودٍ بتأويلٍ بارعٍ أو تشبيهٍ مبتكر؛ فيروي كيف جعل بعض الشُّعراء سقوطَ فصِّ الخاتم وانكسارَ حلقته علامةً على انفراج الهمِّ، وكيف فُسِّر ضياع الدَّراهم من كُمِّ طاهر بن الحُسَيْن بأنَّه إشارةٌ إلى تفرُّق جموع عدوِّه وذهاب غمِّه. ويَذْكُر ما قيل في انكسار السَّيف أثناء الحرب، وانكسار رمح اللِّواء عند تولِّي الولاية، وكيف استخرج البلغاء من هذه الحوادث معانيَ تبعث الطُّمأنينة بعد الخوف والتَّفاؤل بعد التَّشاؤم. وتتَّصل بذلك الكنايات التي تُلَطِّف وقع الألفاظ المستقبحة أو تُخْفِي دلالاتها المباشرة، فيجمع ما يستعمله أصحاب المهن والطَّبقات المختلفة من تعبيراتٍ بديلةٍ عن العيوب والأفعال والأحوال التي يَسْتَثْقِلون التَّصريح بها. ويُفْرِد عنايةً خاصَّةً لما صاغه البلغاء في الإخبار عن وفاة الملوك والرُّؤساء، من عباراتٍ تُبْعِد لفظ الموت المباشر وتَسْتَبْدِل به الإشارة إلى انقضاء الأيَّام أو إجابة دعوة الله تعالى أو الانتقال إلى الدَّار الآخرة. وتكشف هذه الأمثلة عن أثر انتقاء اللَّفظ في تهوين المصيبة، وإضفاء الجمال على المعنى، ومراعاة منزلة المخاطَب والمُتَحَدَّث عنه.

وفي الصِّفات التي اعتاد النَّاس ذمَّها، يَجْمَع الثَّعالبي حججًا طريفةً لتَحْسِين البُخْل والحِقْد والوَقَاحَة والبَلَه والمَلَل، وما قيل في احتمال الجليس الثَّقيل وإكرام الطُّفَيْلِيِّ. فالبُخْل يُصَوَّر أحيانًا على أنَّه حَزْمٌ في حفظ المال وصيانته من الضَّياع، ويُقَابَل الجُودُ المُفْرِط بما قد يُفْضِي إليه من الفقر والحاجة إلى السُّؤال. ويَسْتَحْضِر في هذا المعنى أقوال الكِنْدِيِّ وسهل بن هارون وأبي الأسود وغيرهم، وما تضمَّنته من احتجاجٍ للاقتصاد والمنع، حتَّى يَصير قول «لا» عند بعض الظُّرفاء علامةً على السَّلامة من البلاء أو الاحتفاظ بالنِّعمة. وأمَّا الحِقْد، فيُحْتَجُّ له بأنَّ مَن يحفظ الإساءة قد يكون أقدرَ على حفظ الإحسان وشُكْر صاحبه، ويُورِد من شعر ابن الرُّومِيِّ ما يُقَرِّب الحِقْدَ والشُّكْرَ بوصفهما ناشئَيْن عن تذكُّر ما يَلْقَاه الإنسان من غيره. ويُصَوِّر المَلَلَ في بعض أحوال الملوك والرُّؤساء وسيلةً إلى تجديد الصِّلات بالنَّاس وتوزيع الإحسان على جماعاتٍ متعدِّدةٍ بدل اختصاص نفرٍ قليلٍ به. كما يَحْمِل ما يُعاب على بعض الغَوْغَاء والسُّفَهَاء على ما قد يصدر عنهم من أعمالٍ نافعةٍ عند إطفاء الحرائق وإنقاذ الغَرْقَى ودفع الأخطار، ويورد في الثَّقيل والطُّفَيْلِيِّ من النَّوادر ما يُحَوِّل النُّفور منهما إلى دعابةٍ أو حُجَّةٍ في احتمال مجالستهما وإكرامهما.

ولأحوال الإنسان وما يَعْرِض له من فقدٍ أو تغيُّرٍ نماذجُ تُظْهِر براعةَ الأدباء في استخراج المحاسن من مواضع المكاره؛ ففي العَمَى يَجْمَع ما قيل في قوَّة الحفظ وصفاء الذِّهن واجتماع الفكر، وما احتجَّ به الجاحظ وغيره من أنَّ انصراف البصر عن المشتِّتات قد يُعين على التَّفرُّغ للتَّأمُّل. وفي الوَحْدَة يَسْتَحْضِر شعر القاضي عليِّ بن عبد العزيز الجُرْجَانِيِّ في الأُنس بالكتب والاستغناء بها عن مخالطة النَّاس، وما يَجِدُه المرء في الانفراد من صَوْنٍ لكرامته وراحةٍ من أعباء الاجتماع. ويَتَنَاوَل العَزْلَ عن المناصب من جهة ما يترتَّب عليه من الخلاص من التَّكاليف والمخاطر، مستشهدًا برسائل أبي إسحاق الصَّابِئ وقصائد البُحْتُرِيِّ في تهنئة المعزولين بدل تعزيتهم. كما يورد ما قيل في الحِجَاب الذي يُبْعِد طالبَ اللِّقاء عن الأمير، وكيف شبَّهه أبو تمَّام باحتجاب السَّماء التي لا ينقطع الرَّجاء في عطائها. ويُحَسِّن الفِرَاقَ بما يصحبه من شوقٍ وانتظارٍ للملاقاة، وما يُنْشِئه من لذَّة التَّراسُل والتَّحيَّة عند الرَّحيل والابتهاج عند العودة. وأمَّا الجُبْن والفِرَار، فتَرِد فيهما أجوبةٌ ساخرةٌ تجعل المحافظة على النَّفس وطول العمر سببًا لتفضيل السَّلامة على الإقدام المُهْلِك، وتُظْهِر قدرة صاحب الجواب على الاعتذار عمَّا يُعاب به بإقامة حجَّةٍ تُناسب مصلحته.

وفي تحسين ما يتَّصل بالمظهر والعمر والأسرة، تتنوَّع المختاراتُ بين التَّشبيه الشِّعريِّ والتَّعليل اللَّطيف والرَّدِّ على الأعراف الاجتماعيَّة. فمن تحسين أمر البنات يَذْكُر ما جرى بين معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما بشأن منزلة الابنة عند أبيها، وما قيل في حنان البنات وخدمتهنَّ لآبائهنَّ ومواساتهنَّ لهم، ويُورِد تهنئاتٍ أدبيَّةً تجعل ولادة البنت سببًا للسُّرور لا للحزن. ويَستَحْضِر في ذلك رسائل الصَّاحب بن عبَّاد وأبي الفرج البَبَّغَاء، وما فيها من احتجاجٍ بكون الأُنوثة ليست عيبًا، وأنَّ كثيرًا من الأسماء الدَّالَّة على المخلوقات العظيمة مُؤَنَّثَة. كما يَجْمَع الأشعار التي تَجْعَل ظهور اللِّحية في وجه الغلام زيادةً في الجمال، وما قيل في تحسين سواد اللَّون بتشبيهه بالمسك وسواد العيون والخال الذي يُزَيِّن الوجه، مع ذكر ما نظمه ابن الرُّومِيِّ وأبو إسحاق الصَّابِئ وغيرهما. وللشَّيْب منزلةٌ خاصَّةٌ عند البلغاء الذين صوَّروه حِلْيَةً للعقل وعلامةً على الوقار والتَّجربة، وشبَّهوا بياضه بالنُّور والفضَّة والدُّرِّ، في مقابل ما يُصاحب الشَّباب من طيشٍ وغفلة. وتَتَّصِل بذلك الأقوال التي تَجْعَل المرض سببًا للتَّذكُّر والصَّبر وتقدير نعمة الصِّحَّة، وما قيل في الموت من أنَّه راحةٌ من أعباء الحياة، أو انتقالٌ للصَّالح إلى ما يرجوه من ثواب الله تعالى. وفي هذه المواضع يُبْرِز الكتاب قدرة الخطيب والشَّاعر على نقل الانتباه من الألم والفقد إلى ما يمكن استحضاره من عزاءٍ أو حكمةٍ أو أمل.

وعلى الضِّدِّ من هذا المنحى، يُقيم القسم الثَّاني صورًا من تقبيح ما استقرَّ مدحُه في الأذهان؛ فيبدأ بالعقل وما يَجْلِبه لصاحبه من هَمٍّ وحزنٍ لشدَّة إدراكه مصائب الدُّنيا، مستشهدًا بقول المُتَنَبِّي في شقاء ذي العقل بعقله وتنعُّم الجاهل مع شقاوته. ثمَّ تأتي الأقوال التي تَذُمُّ العلم والأدب من جهة ما قد يصحبهما من فقرٍ وقِلَّة حظٍّ في الدُّنيا، أو ما يتكبَّده طالبُهما من تعبٍ لا يُقَابَل عند بعض النَّاس بما يستحقُّه من تقديرٍ وجزاء. ويُورِد في هذا السِّياق نصوصًا ساخرةً تَنَال من علوم القرآن والحديث والفقه والكلام والفلسفة والطِّبِّ والتَّنجيم وتعبير الرُّؤَى، ومن فُنون النَّحو والشِّعر والعَرُوض وغريب اللُّغة، مع التَّنبيه إلى أنَّ بعض الكلام المنسوب في ذمِّ هذه العلوم والآداب إلى الجاحظ منحولٌ موضوعٌ على لسانه. ويَشْمَل التَّقبيح الكتبَ والدَّفاترَ من جهة أنَّ امتلاكها لا يدلُّ بالضَّرورة على رسوخ العلم في الصَّدر، وما قد يَقَع فيه مَن يتعلَّم من الكتب وحدها من التَّصحيف والخطأ. كما يورد ما قيل في ذمِّ الخطِّ والقلم، والتَّقليل من شأن الكتابة قياسًا إلى المعرفة والقدرة على الفهم، وما يَلْحَق أصحاب الأقلام من أعباء الوظيفة ومخاطرها. وتَظْهَر في هذه الأمثلة المفارقةُ بين قيمة العلم في ذاته وبين أحوال بعض المشتغلين به، وبين جمال الصِّياغة التي يُهاجَم بها العِلْمُ وما قد تنطوي عليه من مبالغةٍ مقصودةٍ للإغراب والإمتاع.

وللمناصب والسُّلطة نصيبٌ من التَّقبيح، بما ارتبط بها في تجارب بعض الكُتَّاب والوزراء من تقلُّب الحظوظ وسرعة زوال الجاه. ففي الوزارة يَذْكُر ما نُقل من أخبار الوزراء الذين انتهى أمرهم إلى العَزْل أو القتل أو مُصَادَرَة الأموال، وما قيل في أنَّ الارتفاع إلى هذا المنصب قد يكون مُقَدِّمَةً للسُّقوط منه. ويُقَابِل بين هيبة صاحب السُّلطان في أعين النَّاس وخوفه هو من بطش مَن يَخْدِمه، مستشهدًا بالأمثال التي تُشَبِّه القُرْب من الملوك بركوب الأسد أو الاقتراب من جبلٍ يجمع بين الثِّمار والمخاطر. ويُورِد أخبارًا ورسائلَ تُحَذِّر من خدمة السُّلطان، وما قد يَتَعَرَّض له صاحبها من ذُلٍّ أو اتِّهامٍ أو اضطرارٍ إلى موافقة الحاكم فيما يكره. كما يَتناول عمل البَرِيد وما ارتبط به من مراقبة النَّاس ونقل أخبارهم، فيَجْمَع ما هُجِي به بعض أصحاب هذه الوظيفة لاتِّخاذهم الوشاية سبيلًا إلى رضا السُّلطة. وتتَّصِل هذه المعاني بذمِّ الذَّهب والغِنى والمال؛ فالثَّروة التي يُفْتَرَض أن تكون سببًا للرَّاحة تُصَوَّر في بعض الأقوال مصدرًا للطَّمع والخوف والحسد، وما قد يَجُرُّه التَّعلُّق بها من بَطَرٍ أو هلاك، حتَّى يَصير المال عند بعض البلغاء عدوًّا لصاحبه بدل أن يكون عونًا له.

وفي الفضائل التي تتعلَّق بحُسْن التَّدبير والسُّلوك، يُورِد الثَّعالبي حججًا تُظْهِر ما قد يَعْرِض لها من نقائصَ إذا نُظِر إليها من زاويةٍ مخصوصة. فالمشورة تُذَمُّ عند بعضهم لما قد يترتَّب عليها من إظهار حاجة المستشير وإشعار غيره بالتَّفوُّق عليه، والتَّأنِّي يُقَبَّح حين يُؤَدِّي إلى ضياع الفُرَص وفوات المطالب. وأمَّا الصَّبر، فيُصَوَّر إطالةً للمكابدة واستمرارًا في احتمال الأذى، والحِلْمُ قد يُجَرِّئ السُّفَهَاء على صاحبه إذا ذهبوا إلى أنَّه لا يردُّ الإساءة، والشَّجاعة قد تكون تعريضًا للنَّفس للهلاك إذا اقترنت بالتَّهَوُّر، والحياء قد يُفْضِي إلى الحرمان حين يمنع صاحبه من طلب حاجته والدِّفاع عن حقِّه. وتتَّسِع هذه الحجج إلى الزُّهد والجُود والقناعة؛ فيُنْقَل عن الشِّبْلِيِّ قولٌ يُقَلِّل من معنى الزُّهد عند النَّظر إلى ما قُدِّر للإنسان من الرِّزق، وتُذَمُّ المبالغة في العطاء إذا آلَت إلى التَّبذير وإضاعة المال، بينما تُصَوَّر القناعة عند بعض أصحاب الهِمَم على أنَّها رضًا بالدُّون وقُصُورٌ عن بلوغ المَعَالِي. ويَتَّضِح في هذه المقابلات أنَّ البلغاء لا يحتجُّون للذَّمِّ على وجهٍ واحد، بل قد ينطلقون من عاقبة الفعل، أو من أثره في منزلة الإنسان، أو من مصلحةٍ تُفَوِّتها فضيلةٌ حين تُمارَس بغير تقديرٍ للأحوال.

ويمتدُّ تقبيح المحاسن إلى شؤون الحياة اليوميَّة والعلاقات الإنسانيَّة، فتُذَمُّ الدُّور والأبنية من جهة ما تستنزفه من مالٍ وجهدٍ، ويُقَابَل البناء بالغَرْس؛ لأنَّ الأوَّل يبدأ في التَّناقص بعد إنشائه، بينما ينمو الثَّاني ويزداد نفعه. ويَرِد ذمُّ الحمَّام العامِّ لما قد يقع فيه من كشف العَوْرات واختلاط الأقذار، كما يُذَمُّ الشَّباب بما يَقْتَرِن به من الجهل والاندفاع والتَّسَرُّع في الشَّهوات. وفي الأصدقاء والإخوان، تُصَوَّر كثرةُ الصِّلات سببًا لتكاثر الحقوق والتَّكاليف، وما قد يَتَبَعها من خيبة الأمل والغَدْر وتبدُّل المودَّة. وتبلغ المفارقةُ غايتَها في تقبيح الولد، حيث تُسْتَحْضَر مخاوفُ الآباء على أبنائهم، وما يَعْتَرِض تربيتَهم من مشقَّةٍ ونفقةٍ وحُزْنٍ عند الفقد، حتَّى يَغْدُو ما يُنْتَظَر منه السُّرور باعثًا على القلق والألم. كما يُورِد ما قيل في ذمِّ الضِّياع والعقارات الزِّراعيَّة، وما يتكلَّفه أصحابُها من أجور العُمَّال ونفقات الإدارة وحفظ الأموال، وما قد تَجْلِبه رسائل الوكلاء من هُمُومٍ أكثر ممَّا تحمله من بشائر الرِّبح. ويَصِل بين هذه الأمثلة ما فيها من احتجاجٍ على المظاهر المحبوبة بذكر ما يَخْفَى وراءها من أعباءٍ أو منافعَ لا تَتَحَقَّق على الدَّوام.

وتَشْمَل المختاراتُ الأخيرة تقبيحَ مظاهر الجمال والطَّبيعة وأسباب اللَّذَّة؛ فيُذَمُّ المطر بما يُعَطِّله من المواعيد ويمنعه من اللِّقاء، ويَسْتَحْضِر المؤلِّف ما نظمه أبو نُوَاس وغيره في وصف أذاه مع الاعتراف بما فيه من نفعٍ للأرض والحياة. ويَسُوق من شعر ابن الرُّومِيِّ أمثلةً على هجاء الوَرْد، مع أنَّه من أشهر ما يُضْرَب به المثل في الجمال والرَّائحة الطَّيِّبة، فيُقَابِل بين الأوصاف المعتادة له والتَّشبيهات الغريبة التي تُغَيِّر صورته في عين السَّامع. ويَتَصِل بذلك ذمُّ الكافُور وماء الوَرْد والبَخُور، وما نُقل من تعليلاتٍ تتعلَّق بألوانها وروائحها وآثارها، ثمَّ تقبيح القمر بما يظهر فيه من نقصٍ وتغيُّرٍ وتفاوتٍ في الإضاءة، على خلاف ما استقرَّ في الشِّعر من جعله غايةً في الحُسْن. ويَتَنَاوَل الشَّرابَ المُسْكِرَ من جهة ما يُفْسِده من العقل والمال والدِّين، وما يتركه من آثارٍ ضارَّةٍ في النَّفس والجسد، ويجمع ما قيل في ذمِّ الغناء والسَّماع من حيث أثرهما في إضاعة المال واستثارة الشَّهوات. وأمَّا الهديَّة، فيُقَبِّحها بعضهم لما قد تُخْفِيه من طلب المنفعة أو السَّعي إلى الرِّشوة أو تحميل المُهْدَى إليه عبءَ المُكَافَأَة، ويَذْكُر في ذلك موقف عمر بن عبد العزيز من الهدايا التي تُقَدَّم إلى أصحاب الولايات. ويَخْتَتِم الثَّعالبي ببحثٍ في الشُّكر، ينقل فيه احتجاجًا على أنَّ الشُّكر الخالص إنَّما يستحقُّه الله تعالى، وأنَّ إحسان البشر قد يكون طلبًا للثَّواب أو المكافأة أو دفعًا لأذًى أو إشباعًا لرغبةٍ نفسيَّةٍ في البذل. ومن مجموع هذه النَّماذج تتَّضِح طبيعة الكتاب بوصفه مختاراتٍ في غرائب البيان ودقائق الاحتجاج، تُظْهِر كيف يستطيع البليغ أن يستخرج من المعنى الواحد وجهًا للمدح وآخر للذَّمِّ، وأن يجعل من التَّشبيه والتَّعليل والمفارقة وسيلةً لإظهار ما لا يتبادر إلى الأذهان من وجوه الكلام.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 30 مرة حُمِّل 481 مرة

أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي

أبو منصور عبد الملك بن محمَّد بن إسماعيل الثَّعالبي النَّيسابوري: أديب ولغوي وشاعر. وُلِدَ في نيسابور سنة 350هـ، الموافق نحو 961م، ونُسِبَ إلى الثَّعالب لاشتغاله في أوَّل أمره بخياطة جلودها.
أخذ عن أبي بكر الخوارزمي، واتَّصل بأدباء عصره وأمرائه، وعمل في التَّأديب، ثمَّ انصرف إلى التَّأليف في اللُّغة والأدب والتَّراجم والتَّاريخ، وصارت له صلات بعدد من رجال الدَّولة وأعيان خراسان.
جمع في كتابه «يتيمة الدَّهر في محاسن أهل العصر» تراجم طائفة كبيرة من شعراء عصره وأدبائه، ورتَّبهم بحسب الأقاليم والبلدان والدُّول التي انتسبوا إليها، وأورد مختارات واسعة من أشعارهم وأخبارهم. وألحق به فيما بعد قسمًا مكمِّلًا لما سبق جمعه.
ومن أشهر كتبه أيضًا «فقه اللُّغة وسرُّ العربيَّة»، جمع فيه الألفاظ بحسب موضوعاتها ودقائق دلالاتها، ثمَّ أفرد قسمًا لأساليب العربيَّة وتراكيبها. وله كذلك «سحر البلاغة وسرُّ البراعة»، و«الإعجاز والإيجاز»، و«ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، و«خاصُّ الخاص»، و«الكناية والتَّعريض»، و«لطائف المعارف»، و«غرر أخبار ملوك الفرس»، و«ما جرى بين المتنبِّي وسيف الدَّولة»، و«الفرائد والقلائد»، و«سرُّ الأدب»، و«التَّمثيل والمحاضرة»، و«أحسن ما سمعت»، و«غرر البلاغة».
وله نظم ونثر كثيران، وانتشرت كتبه في اللُّغة والأدب انتشارًا واسعًا، وبقي «يتيمة الدَّهر» من أهمِّ مصادر أخبار شعراء القرن الرَّابع الهجري وما قاربه.
تُوُفِّيَ سنة 430هـ، وقيل سنة 429هـ، وقد بلغ نحو ثمانين سنة.

عرض النبذة وكتب المؤلف