يَرْوِي أبو مُحَمَّد الحسن بن إسماعيل الضَّرَّاب في كتاب «عُقَلاء المجانين والموسوسين» أخبارَ طائفةٍ من الرِّجال الذين اشتهروا بين النَّاس بالجنون أو الوَسْواس، مع ما عُرِف عن بعضهم من حِكْمةٍ وفِطْنةٍ وزُهْدٍ وحُسْنِ جوابٍ. ويَسْرُد مواقفَهم وأحاديثَهم مع العلماء والعُبَّاد والأمراء وعامَّة النَّاس، مُورِدًا ما جرى على ألسنتهم من مواعظَ وأقوالٍ بليغةٍ وأشعارٍ في المحبَّة والشَّوق والفِراق. ومن أبرز مَن تَرِد أخبارُهم بُهْلُول المجنون، وسَعْدُون، وعُلَيَّان، وغَوْرَك، وجُعَيْفِرَان الموسوس، ووَبِيص الموسوس، وغيرهم ممَّن نُسِبوا إلى الجُنون أو ذهاب العقل، مع ما أُثِر عنهم من كلماتٍ تُظْهِر رجاحةَ الرَّأي أو سرعةَ البديهة أو شِدَّةَ الانشغال بأمور الآخرة.
وتَدُور جملةٌ من هذه الأخبار حول الزُّهْد في الدُّنيا، والتَّذكير بالموت والقبور، والخوف من الحساب، والإقبال على العبادة والدُّعاء، وما يعتري بعض العُبَّاد من شِدَّة الشَّوق والمحبَّة والحُزْن. ويَذْكُر مواقفَ لبعضهم مع الفُضَيْل بن عِيَاض وذِي النُّون المِصْرِيِّ، وأخبارًا عن مُوَاجَهَتهم للأمراء، ومنها موعظةُ أبي نَصْرٍ الجُهَنِيِّ لهارون الرَّشِيد في مسؤوليَّة الحاكم عن رعيَّته، وامتناعُ بعضهم عن قبول المال أو طلب الأجر على الدُّعاء. كما تَرِد طرائفُ في أجوبتهم وتعليقاتهم على أحوال النَّاس، تتجلَّى فيها المُفَارَقَة بين ما يُنْسَب إليهم من اختلال العقل وما يَنْطِقُون به من حِكْمةٍ ومَعْرِفَةٍ، إلى جانب أشعارٍ في ذَمِّ الغَفْلَة، والتَّحذير من المعاصي، والحثِّ على التَّقوى، والتَّعبير عن آلام الفِرَاق ووَجْدِ المُحِبِّين. ويَسُوق هذه الأخبارَ بأسانيدها إلى رُواتها، في حكاياتٍ قصيرةٍ تتنوَّع بين الموعظة والحوار والطُّرْفَة والشِّعر.