
نبذة عن الكتاب:
يشرح محمد بن عبد الباقي الزرقاني في هذا الكتاب أحاديثَ «الموطأ» للإمام مالك بن أنس وما تضمَّنه من آثار الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأقوال مالك الفقهيَّة، فيضبط أسماء الرواة وألفاظ المتون، ويبيِّن معاني الكلمات والتراكيب، ويذكر طرق الرواية واختلاف ألفاظها، ويصل ما وقف عليه من الأسانيد المتصلة للأحاديث المرسلة والمنقطعة، ثمَّ يبيِّن ما تضمَّنته الروايات من أحكام ومسائل، عارضًا أقوال الفقهاء وأدلَّتهم ومناقشاتهم. وقد صرَّح بأنَّه وضع شرحه بعد قراءته «الموطأ» في الأزهر، لما وجده من قلَّة شروحه المتداولة في مصر، وقصد أن يكون متوسِّطًا بين الاختصار والإطالة، مع العناية بضبط الألفاظ والأسماء، ولو اقتضى ذلك تكرار بعض البيان.
ويقدِّم للشرح بترجمة مطوَّلة للإمام مالك، فيذكر نسبه ونشأته وشيوخه وعنايته بالحديث والفقه، وما نُقل عن العلماء في فضله وتثبُّته في الرواية والفتيا، ثمَّ يتناول رواة «الموطأ» من أهل المدينة ومكة ومصر والعراق والمغرب والشام، ويذكر اختلاف روايات الكتاب وما اشتهر منها. كما يتعرَّض لمكانة «الموطأ» عند أهل الحديث، وما يشتمل عليه من الأحاديث المسندة والمراسيل والبلاغات والآثار، مع بيان ما يتصل بتصنيفه وروايته.
ويجري في شرحه على ترتيب كتب «الموطأ» وأبوابه، فيورد الحديث أو الأثر ثمَّ يشرح إسناده ومتنه، فيعرِّف بالرواة عند الحاجة، ويضبط أسماءهم وأنسابهم وكناهم، ويميِّز بين المتشابه منها، ويذكر ما وقع من اختلاف في الرواية عن مالك. وقد يبيِّن أنَّ الحديث جاء مرسلًا في رواية يحيى الليثي، وموصولًا عند غيره، أو أنَّ بعض الرواة زاد في المتن لفظًا، ثمَّ يقارن هذه الروايات بما ورد في كتب الحديث الأخرى.
ويُعنى بتفسير الألفاظ الغريبة وضبط حروفها وحركاتها، وبيان اشتقاقها واستعمالها في لسان العرب، ويستعين بأقوال أهل اللغة وشواهد الشعر، كما يتناول ما يتوقَّف عليه فهم الحديث من مسائل النحو والبلاغة. وقد يناقش اختلاف الضبط إذا تغيَّر به المعنى، ويعرض ما يحتمله اللفظ من وجوه، ثمَّ يختار أو يرجِّح بحسب السياق والرواية.
ويمتد شرحه إلى الأحكام الفقهيَّة التي تتضمَّنها الأحاديث والآثار، فيبيِّن مذهب مالك وأصحابه، ويذكر أقوال الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة وغيرهم عند وقوع الخلاف، مع عرض أدلَّة كل قول وما أُورد عليها من اعتراضات. ولا يقف عند مجرَّد نقل الخلاف، بل يناقش دلالة الحديث على الحكم، وما يحتمله من تخصيص أو تقييد أو نسخ أو جمع بين النصوص، ويستعين في ذلك بكلام شرَّاح الحديث وفقهاء المذاهب.
ويستفيد من شروح «الموطأ» السابقة، ولا سيَّما «التمهيد» و«الاستذكار» لابن عبد البر، وكتب القاضي عياض والباجي وغيرهما، كما يكثر من النقل عن ابن حجر العسقلاني، حتى صرَّح بأنَّه إذا أطلق لفظ «الحافظ» فإنَّما يريد به ابن حجر. ويستحضر كلام النووي وغيره من الشرَّاح في تفسير الأحاديث وتخريجها، وبيان اختلاف طرقها، والجمع بين ما قد يظهر من تعارضها.
ويبدأ بأبواب الطَّهارة والصلاة، فيشرح أحكام المياه والوضوء والغسل والحيض والتيمُّم، ثمَّ مواقيت الصلاة والأذان والجماعة والجمعة والعيدين والوتر وسائر أحكام الصلاة. ويتوسَّع في بيان صفة العبادات وما ورد فيها من اختلاف الروايات، ويقارن بين أقوال الفقهاء في مسائل مثل القراءة خلف الإمام، ورفع اليدين، والقنوت، والسجود، وأحكام السهو، مستندًا إلى الأحاديث والآثار التي ساقها مالك في أبوابها.
ثمَّ ينتقل إلى الزَّكاة والصِّيام والحج، فيتناول زكاة الأموال والأنعام والزروع والثمار، ومقادير الأنصبة وأحكام الصدقات، ثمَّ ما يتصل بصيام رمضان ورؤية الهلال والسحور والإفطار والقضاء والتطوُّع والاعتكاف. ويشرح في أبواب الحج أحكام الإحرام والمواقيت والتلبية والطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت والرمي والهدي والفدية، مع بيان اختلاف الفقهاء في ترتيب المناسك وما يجب منها وما يُجبر بدم.
ويتابع بأبواب الجهاد والنذور والأيمان والضحايا والعقيقة والصيد والذبائح، فيشرح ما ورد فيها من أحكام وشروط واستثناءات، وما يتعلَّق بالجهاد والغنائم، والوفاء بالنذر وكفَّارة اليمين، وأحكام الأضاحي والذبائح وما يحلُّ أكله وما يحرم. ويعتني ببيان ما تدل عليه الأحاديث من أحكام، وما يقع فيها من اختلاف بين روايات مالك وغيره من المحدِّثين.
ويشرح أبواب المعاملات والحقوق، فيتناول البيوع والربا والسَّلَم والقراض والمساقاة والكراء والشُّفعة، وما يتصل بالديون والضمان والهبات والصدقات والأقضية. ويعرض الأحكام المستفادة من الروايات، ويبحث شروط العقود وصورها وما يجوز منها وما يُمنع، مع بيان علل الخلاف بين الفقهاء، ومناقشة ما استدلوا به من النصوص والآثار.
كما يتناول أبواب النكاح والطلاق والرجعة والعدَّة والرضاع والنفقات، فيشرح الأحاديث والآثار المتعلِّقة بالخطبة والصداق والوليمة وحقوق الزوجين، وما يترتَّب على الطلاق والوفاة من أحكام. ويفسِّر ألفاظ الروايات المرتبطة بهذه المسائل، ويذكر اختلاف الفقهاء في شروط العقود والفرقة والعدَّة والحضانة وغيرها، وما استند إليه كل مذهب.
ويمتد الشرح إلى أبواب الحدود والديات والعتق والولاء والوصايا والفرائض، فيبحث أحكام الجرائم والعقوبات، والقصاص والتعويضات، وأسباب الإرث وموانعه، والوصية وحدود التصرُّف في المال، مع إيراد أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين التي يرويها مالك، وبيان صلتها بالمذاهب الفقهيَّة.
ولا يقتصر الكتاب على المسائل الفقهيَّة، بل يشرح أبواب الآداب والأخلاق والفضائل، وما ورد في حسن المعاملة وبرِّ الوالدين وصلة الأرحام والصدقة والذكر والدعاء. كما يتناول أحاديث اللباس والزينة والطعام والشراب والطب والرؤيا، وما يتصل بأحكام السلام والاستئذان والكلام، فيشرح الألفاظ والمعاني، ويذكر ما يُستفاد منها من آداب وأحكام.
ويفرد شرحًا للأحاديث المتعلِّقة بصفة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وشمائله، فيبيِّن ما ورد في هيئته ولباسه وشعره وعاداته، ويقارن بين الروايات الواردة في ذلك، كما يشرح ما يتصل بالرؤيا وآداب السلام والاستئذان، وما روي في المبايعة والكلام المشروع والمنهي عنه.
ويأتي في أواخر الكتاب إلى ما ورد في رعاية الأموال العامَّة والحقوق المشتركة، فيشرح أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحِمى وإيثار أصحاب المواشي القليلة بالرعي، وما يتصل بذلك من أحكام الأرض والماء والكلأ ومصالح المسلمين، ويناقش أقوال العلماء في دلالة الأثر وحدود تصرُّف الإمام.
ويختم بشرح «كتاب أسماء النبي صلَّى الله عليه وسلَّم»، فيتناول حديث مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لي خمسة أسماء»، فيشرح أسماءه: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب، ويبيِّن معانيها وما ورد في تفسيرها من روايات. ويناقش اختلاف الرواة في وصل إسناد الحديث وإرساله، وما ورد من أسماء أخرى للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهل العدد المذكور للحصر أو لبيان أشهر أسمائه، وما يتصل بذلك من أقوال المحدِّثين واللغويين.














