
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع شفيق جاسر أحمد محمود في «المماليك البحريَّة وقضاؤهم على الصَّليبيِّين في الشام» نشأة المماليك البحريَّة وتحوُّلهم من قوَّة عسكريَّة تابعة للأيوبيِّين إلى طبقة حاكمة تولَّت الدِّفاع عن مصر والشام في مرحلة اجتمعت فيها الأخطار الصَّليبيَّة والمغوليَّة. ويجعل المؤلِّف القضاء على بقايا الوجود الصَّليبي في بلاد الشام من أبرز الأعمال التي نهض بها هؤلاء السَّلاطين، بعد أن تمكَّنوا من تثبيت دولتهم وتوحيد الجبهة الداخليَّة ومواجهة خصومهم في الخارج.
ويبدأ بتعريف المماليك وبيان أصل التَّسمية والفرق بينهم وبين العبيد والموالي، ثمَّ يتتبَّع تطوُّر الاعتماد عليهم في الدَّولة الإسلاميَّة منذ العصر العبَّاسي وما بعده، حتى ازداد شأنهم في مصر في عهد الأيوبيِّين. ويشرح كيف استكثر الملك الصَّالح نجم الدِّين أيوب منهم وأسكنهم في جزيرة الرَّوضة، وكيف كوَّنوا القوَّة التي عُرِفَت بالمماليك البحريَّة الصَّالحيَّة.
ويفصِّل نظام تربيتهم العسكريَّة والدِّينيَّة، فيذكر إقامتهم في الطِّباق، وتعلُّمهم القرآن الكريم والفقه وآداب الشَّريعة قبل انتقالهم إلى التَّدريب على الفروسيَّة والرَّمي والرِّماح وفنون الحرب. ويربط بين هذه التَّربية وبين ما امتازوا به من انضباط وولاء شديد لسادتهم وخشداشيَّتهم، مع إشارته إلى أنَّ التَّهاون في هذه التَّربية في أجيال لاحقة كان من أسباب فساد بعض المماليك وضعف شأنهم.
ويتناول قيام دولتهم في خضمِّ الحملة الصَّليبيَّة السَّابعة على مصر، فيعرض وفاة الملك الصَّالح نجم الدِّين أيوب، ودور شجر الدُّر في إخفاء موته والمحافظة على تماسك الجبهة، ثمَّ بروز بيبرس وأقطاي وغيرهما من قادة المماليك في صدِّ الصَّليبيِّين عند المنصورة وفارسكور وأسر لويس التاسع. ويجعل هذه المواجهة من اللحظات التي كشفت القوَّة العسكريَّة للمماليك ومهَّدت لانتقال السُّلطة إليهم.
ثمَّ ينتقل إلى الصِّراع على السُّلطة بعد مقتل تورانشاه، فيذكر حكم شجر الدُّر، وتولِّي عزِّ الدِّين أيبك، وتنافسه مع المماليك البحريَّة، ثمَّ استيلاء قطز على السَّلطنة في وقت كان الخطر المغولي يقترب من مصر والشام. ويبرز انتصار قطز في عين جالوت وما ترتَّب عليه من وقف التَّقدُّم المغولي، قبل مقتله وتولِّي الظَّاهر بيبرس السَّلطنة سنة 658هـ.
ويخصِّص القسم الأكبر من البحث لجهاد المماليك ضدَّ الصَّليبيِّين في الشام، بدءًا ببيبرس الذي أعاد تنظيم الدَّولة والجيش ووجَّه جهده إلى تقليص أملاك الصَّليبيِّين الساحليَّة. ويتابع حملاته على حصونهم ومدنهم، وما حقَّقه من فتح قيساريَّة وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكية وغيرها، إلى جانب ضغطه على طرابلس وعكا، وعقده الهدن حين تقتضي المصلحة ذلك، ومواجهته محاولات الصَّليبيِّين الاستعانة بالمغول.
ويمضي مع هذه السِّياسة في عهد المنصور قلاوون، فيعرض تمرُّد سنقر الأشقر وتحالفه مع المغول والصَّليبيِّين، ثمَّ انتصار قلاوون على المغول في حمص وتفرُّغه بعد ذلك لضرب المواقع الصَّليبيَّة. ويذكر فتح حصن المرقب سنة 684هـ، ثمَّ اللاذقيَّة، وبعدها طرابلس سنة 686هـ، وما أعقب ذلك من سقوط بيروت وجبلة، حتى لم يبق في أيدي الصَّليبيِّين سوى عدد محدود من المدن والحصون الساحليَّة.
ويجعل فتح عكا على يد الأشرف خليل بن قلاوون سنة 690هـ الذُّروة في هذا المسار، إذ حاصرها بجيش مصر والشام حتى سقطت بعد مقاومة شديدة، ثمَّ استولى على صور وحيفا وصيدا وعتليت وغيرها من المواقع الباقية. ويرى المؤلِّف أنَّ سقوط عكا أنهى فعليًّا الوجود الصَّليبي المنظَّم في الشام، ثمَّ اكتمل القضاء على البقايا الصَّليبيَّة بالاستيلاء على جزيرة أرواد سنة 702هـ.
ويبيِّن أنَّ انتهاء الإمارات الصَّليبيَّة غيَّر ميزان القوَّة في المنطقة، وأكسب دولة المماليك مكانةً كبيرة في السِّياسة الدُّوليَّة، ولا سيَّما في عهد النَّاصر محمَّد بن قلاوون. وينتقل من المواجهة العسكريَّة إلى مرحلة ازدياد المراسلات والسَّفارات بين القاهرة والدُّول الأوروبيَّة وبيزنطة وأرغونة وغيرها، بعد أن تحوَّلت بعض القوى التي عجزت عن تحقيق أهدافها بالحملات العسكريَّة إلى طلب المصالح والموادعات والامتيازات عن طريق الدِّبلوماسيَّة.
وينتهي إلى أنَّ المماليك البحريَّة تمكَّنوا، على الرَّغم من صراعاتهم الدَّاخليَّة وتنافسهم على السُّلطة، من حسم أخطر جبهتين واجهتا مصر والشام في القرن السَّابع الهجري، فأوقفوا التَّوسُّع المغولي، ثمَّ أنهوا الوجود الصَّليبي الذي استمرَّ قرابة قرنين على السَّاحل الشامي، لتصبح دولتهم بعد ذلك القوَّة الإسلاميَّة الأبرز في المنطقة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














