
نبذة عن الكتاب:
ينتقي أحمد بن محمَّد بن يعقوب مسكويه في «تجارب الأمم وتعاقب الهمم» من أخبار الأمم وسِيَر الملوك والحوادث ما يرى أنَّه يصلح للتَّجربة والاعتبار، فلا يقصد إلى استيعاب جميع ما رُوِيَ من أخبار الماضي، بل يختار ما تتكرَّر أشباهه في حياة النَّاس والدُّول، وما يمكن الانتفاع به في تدبير الأمور ومعرفة أسباب النَّجاح والإخفاق. وينطلق من أنَّ أحوال الدُّنيا متشابهة، وأنَّ معرفة ما جرى للسَّابقين تكسب الإنسان خبرةً بأمور لم يباشرها بنفسه.
ويستبعد الأخبار التي لا يرى فيها فائدةً تاريخيَّةً أو عمليَّة، ولا سيَّما الخرافات والأساطير والأسمار، كما لا يجعل المعجزات من جنس التَّجارب التي يمكن للبشر الاقتداء بها، مع إثبات ما يتَّصل بتدبير الأنبياء عليهم السلام وأفعالهم البشريَّة. ويصرِّح في مواضع من الكتاب بأنَّه يترك بعض الأخبار لخروجها عن الغرض الذي بناه عليه.
ويمتدُّ الكتاب من أخبار الأمم والملوك السَّابقين والفرس إلى التَّاريخ الإسلامي، مع اعتماد واسع على تاريخ الطَّبري في المراحل المتقدِّمة، والاستفادة من مصادر أخرى ونصوص فارسيَّة حفظت أخبارًا وسِيَرًا لم تَرِد في تاريخ الطَّبري، ومنها ما يتعلَّق بملوك الفرس وتدبيرهم وسياستهم.
ويتتبَّع بعد ذلك تاريخ الخلافة الإسلاميَّة وما شهدته من فتوح وفتن وصراع على السُّلطة وتعاقب للخلفاء والوزراء والقادة، ويولي عنايةً واضحةً للتَّدبير السِّياسي والعسكري والمالي. وتظهر في أخباره مسائل الشُّورى والوزارة وإدارة الجند والمال والحيلة في الحرب، وما يترتَّب على قرارات الحكَّام والقادة من نجاح أو اضطراب.
ويفصِّل في العصر العبَّاسي تنازع رجال الدَّولة والوزراء والقادة، واضطراب بغداد والأقاليم، وصعود قوى مثل القرامطة والحمدانيِّين والبويهيِّين، وما نشأ عن ذلك من حروب وتحالفات وانتقال للنُّفوذ بين الخلافة وأمراء الجيش وأصحاب الدَّواوين. ويحرص في هذه الأخبار على إبراز أسباب الوقائع وما نتج عنها، ولا يكتفي بتسجيل وقوعها.
وتتحوَّل طبيعة مصادره ابتداءً من سنة 340هـ، إذ يصرِّح بأنَّ أكثر ما يورده بعدها قائم على المشاهدة والعيان، أو على خبر محصَّل يثق بناقله كما يثق بما شاهده بنفسه. ويذكر أبا الفضل ابن العميد وأبا محمَّد المهلَّبي ممَّن نقل عنهم مباشرةً بطول الصُّحبة وكثرة المجالسة، إلى جانب ما سمعه من مشايخ عصره وما شاهده وجرَّبه بنفسه.
ويتركَّز جانب مهمٌّ من هذا القسم على أخبار البويهيِّين، ولا سيَّما معزّ الدَّولة وركن الدَّولة وعضد الدَّولة، وما جرى في أيَّامهم من تنافس وحروب وتدبير للملك. وتزداد قيمة هذا القسم لاقتراب مسكويه من رجال الدَّولة ووزرائها، فقد صحب المهلَّبي وندمه، واتَّصل بابن العميد، وروى عنهما أخبارًا تتعلَّق بما باشراه من أحداث وتدبير.
ويعقِّب مسكويه أحيانًا على الحوادث ليصرِّح بوجه التَّجربة المستفادة منها، كما فعل في بعض أخبار الفتن والمخاصمات، فينبِّه إلى أثر الكلام في تهدئة الغضب أو إثارته، وإلى ما تكشفه الوقائع من أخطاء التَّدبير أو حسن السِّياسة. وينتهي ما وصل من «تجارب الأمم» بحوادث سنة 369هـ، بعد أن أصبح مسكويه في قسمه الأخير شاهدًا قريبًا من كثير من الوقائع التي دوَّنها، أو ناقلًا لها عمَّن شارك في صنعها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














