مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب غاية النفع شرح حديث "تمثيل المؤمن بخامة الزرع" لابن رجب الحنبلي PDF
كتاب غاية النفع شرح حديث "تمثيل المؤمن بخامة الزرع" لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يشرح ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في تشبيه المؤمن بخامة الزَّرع التي تميل بها الرِّيح مرَّةً وتعتدل مرَّةً، وتشبيه الفاجر والمنافق بالأرزة الصُّلبة التي تظلُّ قائمةً حتى يأتيها ما يقتلعها دفعةً واحدة. ويبيِّن أنَّ الخامة هي الرَّطبة من النَّبات، وأنَّ وجه التَّمثيل ابتداءً يتعلَّق بما يصيب المؤمن في جسده من البلاء؛ فهو لا يزال تتعاقب عليه الأمراض والمصائب، بخلاف الفاجر أو المنافق الذي قد يُمهل ويُعافى حتى يأتيه الهلاك على حاله.

ويستقصي الأحاديث الدَّالَّة على تكفير خطايا المؤمن بما يصيبه من مرض ونَصَب وهمٍّ وحزن وأذًى، حتى الشَّوكة يُشاكها، ويورد ما جاء في استمرار البلاء بالمؤمن في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله تعالى وليس عليه من خطاياه شيء. ولا يقصر ثمرة الابتلاء على محو السَّيِّئات، بل يذكر أنَّ العبد قد تكون له عند الله تعالى منزلة لا يبلغها بعمله، فيبتليه بما يكره حتى يبلِّغه إيَّاها، وأنَّ مقدار ما أعدَّه الله تعالى لأهل البلاء لا يظهر على حقيقته إلا يوم القيامة، حين يرى أهل العافية ما يُعطاه المبتلون من الثَّواب.

ويجعل المرض للمؤمن كفَّارةً عمَّا مضى وموعظةً لما يستقبل، فينتفع بالبلاء من جهتين: يُمحى به شيء من ذنبه، ويوقظه إلى مراجعة نفسه والتَّوبة من تقصيره. أمَّا المنافق فقد يصيبه المرض ثمَّ يبرأ منه من غير أن يفهم دلالته أو يتَّعظ به، كالبعير يعقله أهله ثمَّ يطلقونه فلا يدري لِمَ عُقل ولِمَ أُطلق. وينقل في هذا المعنى آثارًا عن السَّلف في خوفهم من مرور المدَّة من غير ابتلاء، وفي عدِّهم أيام المرض من الأيام التي يُذكَّر فيها الإنسان بمعاده ويُقرَّب إليه أجله وتُكفَّر عنه خطاياه.

ويستخرج من مقابلة الزَّرع بالشَّجر العظيم فرقًا بين ضعف المؤمن في ظاهره وقوَّته في باطنه؛ فالزَّرع ضعيف في صورته، سريع التَّأثُّر بما يمرُّ عليه، بينما تبدو الشَّجرة العظيمة قويَّةً ثابتةً مستعصيةً على الرِّياح. ويصل ذلك بما ورد في صفة أهل الجنَّة من الضُّعفاء المتواضعين، وصفة أهل النَّار من أهل الغلظة والتَّكبُّر، وبما وصف الله تعالى به المنافقين من حسن الأجسام والمقال مع خراب البواطن، حتى شبَّههم بالخشب المسنَّدة.

ويبيِّن في المقابل أنَّ قوَّة المؤمن الحقيقيَّة مستقرَّة في قلبه؛ فقد يُستضعف في جسمه ولباسه وكلامه، لانشغاله بعمارة قلبه وروحه، بينما يكون قلبه قويًّا عامرًا بالإيمان، قادرًا على مكابدة الجهاد والعبادات وطلب العلم وسائر الطَّاعات. وباطنه خير من ظاهره، وسرُّه أصلح من علانيته، وثبات الإيمان في قلبه يشبه ثبات أصل الشَّجرة الطَّيِّبة في الأرض، فلا تبلغ رياح البلاء أصل إيمانه وإن قلَّبت جسده وأحواله. أمَّا قلب المنافق أو الكافر فتتلاعب به الأهواء والشُّبهات، ويميل مع المؤثِّرات لافتقاده النُّور الذي يثبِّته.

ويجمع بين تشبيه المؤمن بخامة الزَّرع وتشبيهه بالنَّخلة، فيجعل لكلِّ مثل جهةً غير الأخرى؛ فتشبيهه بالزَّرع يتعلَّق بجسده الذي تتوالى عليه البلايا، أمَّا تشبيهه بالنَّخلة فيتعلَّق بإيمانه وقوله وعمله. فشهادة التَّوحيد ثابتة في قلبه كثبات أصل النَّخلة في الأرض، وعمله يصعد إلى السَّماء كما يرتفع فرعها، وتتجدَّد طاعاته كما تؤتي الشَّجرة أكلها كلَّ حين. وينبِّه في أثناء ذلك إلى أنَّ ما رُوي في جعل المؤمن الضَّعيف كالزَّرع والقوي كالنَّخلة لا يصحُّ رفعه إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنَّما المحفوظ وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه.

ويستخرج من سهولة تناول الزَّرع وجهًا آخر في التَّمثيل؛ فالسُّنبلة لقربها وضعفها يطمع فيها الإنسان والبهيمة والطَّير، وكذلك المؤمن قد يُستضعف ويؤذى ويُعادى لغربته بين النَّاس وتمسُّكه بإيمانه، مستحضرًا معنى عودة الإسلام غريبًا كما بدأ. أمَّا الفاجر أو المنافق الذي شُبِّه بالشَّجرة العظيمة فيمتنع في ظاهره بقوَّته وصلابته، فلا يطمع فيه كما يُطمع في الزَّرع، مع أنَّ تلك القوَّة الظَّاهرة لا تدلُّ على سلامة العاقبة.

ويفصِّل دلالة ميل الزَّرع مع الرِّيح، فيجعلها مثالًا لصبر المؤمن وتواضعه لأقدار الله تعالى؛ فالبلاء يقلبه في أحواله، وهو يلين له ولا يعارض القدر بالتَّكبُّر والاستعصاء، فتكون عاقبته العافية وحسن الخاتمة. ويقابل ذلك بالفاجر الذي يتعاظم ويتقوَّى على أقدار الله تعالى، كالشَّجرة الصُّلبة التي تقاوم الرِّيح حتى تأتيها ريح لا تطيقها فتقتلعها من أصلها. ويستشهد بقوم عاد حين اغترُّوا بقوَّتهم وقالوا: من أشدُّ منَّا قوَّة، فجاءهم من العذاب ما استأصلهم.

ويستنبط من اجتماع طاقات الزَّرع وتقوِّي بعضها ببعض معنى تآزر المؤمنين؛ فالطَّاقة الواحدة ضعيفة، لكنَّها تشتدُّ بما ينبت حولها، بخلاف الأشجار العظام التي يستقلُّ بعضها عن بعض. ويربط ذلك بالمثل القرآني للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم: الزَّرع الذي أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه؛ إذ بدأ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وحده ثمَّ أيَّده الله تعالى بأصحابه. ويمتدُّ هذا المعنى إلى ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وما بينهم من المحبَّة والأخوَّة الباطنة، وتشبيههم بالبنيان الذي يشدُّ بعضه بعضًا والجسد الواحد الذي يتداعى كلُّه إذا اشتكى منه عضو، في مقابل المنافقين الذين قد يجتمع ظاهرهم وقلوبهم شتَّى.

ويبيِّن وجهًا آخر في بقاء نفع الزَّرع بعد حصاده؛ إذ ينتفع به أربابه، ويلتقط منه المساكين، وتأكل منه الطُّيور والبهائم، وقد يبقى من حبِّه ما يُزرع فينبت مرَّةً أخرى. وكذلك المؤمن يبقى نفعه بعد موته بما يخلِّفه من علم نافع وصدقة جارية وولد صالح ينتفع به، بينما الفاجر إذا انقضت حياته قد لا يبقى منه نفع، بل قد يبقى أثر ضرره. كما يلفت إلى بركة الزَّرع في تكاثر حبِّه، مستشهدًا بمثل الحبَّة التي تنبت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبَّة، وما يدلُّ عليه ذلك من مضاعفة الخير.

ويربط بين كون الحبِّ قوتًا لأبدان البشر وكون الإيمان قوتًا للقلوب والأرواح؛ فكما تتغذَّى الأجساد بالحبوب وتقوم بها حياتها، تقوم حياة القلب بالإيمان، وإذا فُقد الإيمان مات القلب موتًا لا تنفع معه حياة الجسد. ومن هذه الجهة تتَّضح مناسبة تشبيه المؤمن بالزَّرع الذي تقوم به حياة الأبدان، في مقابل تشبيه الفاجر أو المنافق بالشَّجرة التي يقلُّ نفع ثمرها أو لا تدعو الحاجة إليه.

ويعرض الدُّنيا للمؤمن على أنَّها دار ابتلاء يعبر منها إلى الرَّاحة، مستحضرًا معنى كونها سجن المؤمن وجنَّة الكافر؛ فالمؤمن لا يزال يعاني ما قُدِّر عليه حتى يخرج من ضيق الدُّنيا إلى النَّعيم الدَّائم، بينما تنتهي عافية الكافر الدُّنيويَّة بانتهاء حياته. ويقرِّب ذلك بما ورد في أنَّ أنعم أهل الدُّنيا من أهل النَّار إذا غُمِس في العذاب غمسةً نسي كلَّ نعيم مرَّ به، وأنَّ أشدَّ أهل الدُّنيا بؤسًا من أهل الجنَّة إذا غُمِس في نعيمها غمسةً نسي كلَّ بؤس أصابه.

ويقرِّر أنَّ بلوغ المراتب العالية لا ينفكُّ عن الصَّبر والمجاهدة والاختبار؛ فكما لا تُنال مطالب الدُّنيا الكبيرة إلا باحتمال المشقَّة، فإنَّ طلب مقعد صدق عند مليك مقتدر أولى بالصَّبر على البلاء ومجاهدة النَّفس. ويستدلُّ بقوله تعالى في ابتلاء العباد حتى يظهر المجاهدون والصَّابرون، ويجعل ما يمرُّ بالمؤمن من تقلُّب بين البلاء والعافية طريقًا يظهر به صدقه وثباته، حتى تنقضي مشقَّة الدُّنيا ويصير ما تحمَّله من النَّصب إلى راحة لا تنقطع.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب غاية النفع شرح حديث "تمثيل المؤمن بخامة الزرع" لابن رجب الحنبلي PDF - مكتبة العلوم الإسلامية