
نبذة عن الكتاب:
ينقد محمَّد ياسين مظهر صدِّيقي في هذا الكتاب مناهج كتابة التَّاريخ الإسلامي ومصادره، ويتناول ما يراه من صور التَّحيُّز والتَّشويه في روايات بعض المؤرِّخين القدامى، وكتابات المستشرقين، والتَّفسيرات المادِّيَّة والاجتماعيَّة الحديثة. ويجعل غايته الكشف عن أثر الميول القبليَّة والسِّياسيَّة والمذهبيَّة والفكريَّة في صياغة الرِّواية التَّاريخيَّة، ثمَّ اختبار جملة من القضايا التي تعرَّضت، في رأيه، لتفسيرات مغرضة أو منحازة.
ويبدأ بنقد مصادر القرنين الأوَّل والثَّاني الهجريَّين، فيميِّز بين رواة يراهم أوثق في السِّيرة والمغازي، وبين آخرين وُجِّهَ إليهم نقد بسبب الضَّعف أو العصبيَّة أو المبالغة. ويخصُّ بالحديث روايات أبي مخنف وسيف بن عمر وعوانة بن الحكم والمدائني، ويرى أنَّ البيئة العراقيَّة، ولا سيَّما الكوفة والبصرة، تركت أثرًا واضحًا في كثير من الأخبار، وأنَّ الخصومة السِّياسيَّة بين العراق والشام أسهمت في تكوين صورة سلبيَّة عن الدَّولة الأمويَّة.
ويمتدُّ نقده إلى مؤرِّخي القرون التالية، فيقف عند ابن هشام والطَّبري والبلاذري واليعقوبي والدِّينوري والمسعودي وغيرهم، مبيِّنًا أنَّ جمع الرِّوايات لا يعني صحَّتها جميعًا، وأنَّ وجود الخبر في مصدر مشهور لا يعفي الباحث من نقد إسناده ومضمونه وموازنته بغيره. ويؤكِّد خاصَّةً أنَّ الطَّبري جمع الصَّحيح والضَّعيف والموضوع في سياق واحد من غير أن يتولَّى دائمًا تمييزها للقارئ، وهو ما يجعل النَّقد التَّاريخي ضرورةً عند الاستفادة من هذه المصادر.
ويخصِّص جانبًا واسعًا للاستشراق، فيتتبَّع انتقال الكتابة الغربيَّة عن الإسلام من الهجوم الدِّيني الصَّريح إلى مناهج أكثر ادِّعاءً للعلميَّة والنَّقد، ويرى أنَّ كثيرًا من المستشرقين ظلُّوا يحملون تصوُّرات مسبقة عند دراسة السِّيرة والتَّاريخ الإسلامي. كما ينتقد تفسير الأحداث وفق الصِّراع الطَّبقي أو العوامل الاقتصاديَّة وحدها، ويرفض إسقاط النَّظريَّات الاشتراكيَّة والمادِّيَّة على التَّاريخ الإسلامي مع إهمال الدِّين والعقيدة والأخلاق بوصفها عوامل مؤثِّرة في حركة الأحداث.
ويطبِّق منهجه على العهد النبوي، فيناقش ما أُثِير حول نسب النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم ونشأته وكفالته ورعيه الغنم وتجارته وزواجه من خديجة رضي الله عنها، وما قيل عن المنافسة بين بني هاشم وبني أميَّة. ويرفض تفسير هذه الوقائع على أساس صراع أسري قديم ممتدٍّ منذ الجاهليَّة، ويستدلُّ بالمصاهرة والعلاقات الاجتماعيَّة والتِّجاريَّة بين الأسرتين على أنَّ تصويرهما في حالة عداء دائم لا يوافق، في نظره، مجموع الشَّواهد التي ينقلها.
ويناقش كذلك قصَّة بحيرا الرَّاهب وما استُخدِمَت فيه من دعوى تلقِّي النبي صلى الله عليه وسلم أصول الإسلام من المسيحيَّة، ثمَّ ينتقل إلى تفسير الهجرة والغزوات والسَّرايا الأولى. ويعترض على التَّفسير الاقتصادي الذي يجعل هجرة المسلمين إلى المدينة نتيجة الفقر، أو يجعل الغارات على القوافل وسيلةً لإعالة المهاجرين، ويقابل ذلك بما يورده من أخبار اشتغال المهاجرين بالتِّجارة والحرف والزِّراعة واعتمادهم على أنفسهم بعد الاستقرار في المدينة.
ثمَّ ينتقل إلى الخلافة الرَّاشدة، ويخصُّ خلافة عثمان بن عفَّان رضي الله عنه بمساحة كبيرة، فيراجع الاتِّهامات المتعلِّقة بتولية الأقارب، وعزل بعض الولاة، والتَّصرُّف في بيت المال، والإقطاعات، ومحاسبة العمَّال. ويرى أنَّ جانبًا مهمًّا من هذه الاتِّهامات نشأ من روايات متأثِّرة بالخصومة مع بني أميَّة، ويدافع عن كفاءة عدد من الولاة الذين ولَّاهم عثمان رضي الله عنه، مع التَّفريق بين ما يمكن إثباته تاريخيًّا وما يراه مبالغةً أو روايةً غير ثابتة. كما يتناول أحداث الفتنة الكبرى، ومواقف علي وعائشة وطلحة والزُّبير ومعاوية رضي الله عنهم، محذِّرًا من تحويل الخلاف بينهم إلى صراع على الجاه أو المال دون مراعاة تعقيد الظُّروف واختلاف الاجتهادات.
ويخلص إلى مجموعة من القواعد في قراءة التَّاريخ الإسلامي، أهمُّها عدم قبول الرِّوايات لمجرَّد ورودها في المصادر، والانتباه إلى ميول الرُّواة وبيئاتهم، والتَّمييز بين الجمع التَّاريخي والنَّقد التَّاريخي، والحذر من المبالغات والأخبار غير الممحَّصة، وعدم إصدار أحكام إجماليَّة على الأشخاص والعصور من وقائع جزئيَّة. كما يدعو إلى قراءة كتابات المستشرقين والمؤرِّخين المحدثين قراءةً نقديَّةً مستقلة، ومقارنة أقوالهم بالمصادر والرِّوايات المختلفة قبل بناء الحكم التَّاريخي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














