
نبذة عن الكتاب:
ينقد محمَّد بن علي الشَّوكاني في «السَّيل الجرَّار المتدفِّق على حدائق الأزهار» مسائل «مختصر الأزهار» للإمام أحمد بن يحيى المرتضى، المهدي لدين الله، وهو من متون الفقه الزيدي، فيعرض مسائله على أدلَّة الكتاب والسُّنَّة، ويوازن بينها وبين أقوال العلماء والمجتهدين، قاصدًا إلى التَّرجيح في المواضع التي وقع فيها الخلاف، وتصحيح ما يراه موافقًا للدَّليل وردِّ ما لا يراه قائمًا على حجَّة. وقد بيَّن الشَّوكاني أنَّ هذا المختصر كان معتمدًا في التَّدريس، وتدور عليه عبادات ومعاملات طلبة العلم في بلده، وأنَّ كثرة الخلاف في مسائله حملته على أن يجعل نفسه حكمًا بين المتن ومخالفيه، وبين العلماء المختلفين أنفسهم، مع إعطاء كلِّ مسألة ما تستحقُّه من البحث والتَّحقيق.
ويمهِّد لمسائل الفقه ببحثٍ مطوَّل في التَّقليد والاجتهاد، فيناقش تعريف التَّقليد وحدوده، ومن يجوز له الأخذ بقول غيره، ويفرِّق بين اتِّباع الدَّليل والعمل برواية العالم عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبين الأخذ برأي العالم من غير حجَّة. ويردُّ على إلزام النَّاس بمذهب إمام معيَّن، وينتقد بناء الأحكام على مجرَّد الانتماء المذهبي، ويؤكِّد أنَّ سؤال غير المجتهد للعالم ينبغي أن يكون عن حكم الله تعالى ودليله لا عن الرَّأي المجرَّد، وأنَّ المرجع عند التَّنازع هو الكتاب والسُّنَّة، لا أقوال الرِّجال في ذواتها. كما يناقش شروط الاجتهاد، وتجزُّؤه، وحكم انتقال المقلِّد بين الأقوال، وما يتَّصل بتخريج الفروع والقياس على أقوال الأئمَّة.
ويبدأ أبواب الفقه بالطَّهارة، فيتناول النَّجاسات والمياه والوضوء والغُسل وما يتعلَّق بها، ولا يسلِّم بالأحكام المذكورة في «مختصر الأزهار» لمجرَّد ورودها، بل يطالب بالدَّليل النَّاقل عن أصل الطَّهارة والبراءة. ويبحث الأحاديث من جهة ثبوتها ودلالتها، ويميِّز بين التَّحريم والنَّجاسة، ويردُّ القياس إذا لم تتحقَّق شروطه، ويناقش مسائل أبوال الحيوانات والميتة والمسكر والخنزير والكافر والمني والمذي والدَّم وغيرها، مستصحبًا أصل الطَّهارة ما لم يثبت ناقل صحيح عنه. ويعترض كذلك على بعض التَّقسيمات الفقهيَّة للنَّجاسات إلى مغلَّظة ومخفَّفة إذا لم يرَ لها مستندًا خاصًّا، ويردُّ كيفيَّة التَّطهير إلى ما ثبت به النَّص.
ويتناول الصَّلاة وشروط وجوبها وصحَّتها وأوقاتها وهيئاتها والجماعة والجمعة والنَّوافل وما يتَّصل بها، فيقارن عبارات المتن بما ثبت من الأحاديث، ويعترض على القيود التي لا يجد لها دليلًا، ويجمع الرِّوايات المختلفة في المسألة قبل التَّرجيح. ويبحث في أحكام الجمعة ووقتها وشروطها وإدراكها، والإمامة والاقتداء والحائل بين الإمام والمأموم، والقراءة والأذكار والهيئات، ويقف عند ما عُدَّ سنَّة أو بدعة، فيردُّ الحكم إلى ما ثبت عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يكتفي بما استقرَّ في كتب الفروع.
ويشرح أحكام الجنائز وما يتعلَّق بالمريض والمحتضر وتجهيز الميِّت والصَّلاة عليه ودفنه وما يجوز عند الوفاة وما لا يجوز، ثمَّ ينتقل إلى الزَّكاة والصِّيام والحجِّ وغيرها من العبادات، فيناقش شروطها وأحكامها ومسائل الخلاف فيها على المنهج نفسه. وقد صرَّح الشَّوكاني بأنَّه اختصر نسبيًّا في مسائل العبادات لأنَّ أدلَّتها كانت أشهر وأظهر، مع حرصه على بيان ما يتميَّز به الحقُّ عند الاختلاف، بخلاف المعاملات التي أطال فيها لتخفّي بعض أدلَّتها على كثير من المصنِّفين.
ويتوسَّع لذلك في أبواب المعاملات والعقود، فيناقش البيوع وما يصحُّ منها وما يفسد، والشُّروط والخيارات والرِّبا والإجارة والشَّركة والرَّهن والعارية والوديعة والضَّمان وسائر التَّصرُّفات الماليَّة، ويعتني بتحديد ما أثبته الشَّرع من القيود وما أُدخل عليها بالاجتهاد الفقهي. ويستعمل في ذلك قواعد العموم والخصوص والإطلاق والتَّقييد وصحَّة الحديث وضعفه، ويرجع إلى الأصل عند فقد الدَّليل، ولا يرى أنَّ مجرَّد اشتهار الحكم في المذهب يكفي لإلزام المكلَّفين به.
ويبحث أحكام النِّكاح وما يتَّصل به من حكمه والخطبة والعقد والحقوق بين الزَّوجين والمهر والنَّفقة وسائر المسائل الأسريَّة، ثمَّ الطَّلاق وألفاظه وشروطه وأنواعه والطَّلاق السُّنِّي والبدعي والمعلَّق والرَّجعي والبائن وما يترتَّب عليه من أحكام. ويعرض في هذه الأبواب نصَّ «مختصر الأزهار» أو خلاصته، ثمَّ يتعقَّبه فقرةً فقرة، فيقبل بعض القيود ويعترض على بعضها، ويبيِّن ما تدلُّ عليه النُّصوص عنده بعيدًا عن إلزام نفسه بالمذهب الزيدي أو غيره.
ويتناول القضاء والدَّعاوى والبيِّنات وأحكام الحكَّام وما يتَّصل بسلطة الإمام في إلزام النَّاس بالحقِّ، ويؤكِّد أنَّ معيار المعروف والمنكر هو الكتاب والسُّنَّة، وأنَّ الخلاف الفقهي لا يجعل كلَّ قولٍ متساويًا مع غيره بعد ظهور الدَّليل. ولذلك ينتقد قاعدة الامتناع عن الإنكار في مسائل الخلاف إذا ثبت عنده أنَّ أحد القولين مخالف للنَّص، ويرى أنَّ واجب الحاكم والعالم إحياء ما أحياه الكتاب والسُّنَّة وإبطال ما خالفهما، من غير أن تتحوَّل المذاهب إلى شرائع مستقلَّة عن الوحي.
ويفصِّل في الحدود والتَّعازير والجنايات والقصاص والدِّيات، فيبحث شروط إقامة الحدود، ومن يملك إقامتها، وأماكن تنفيذها، وما يثبت منها بالإقرار أو البيِّنة، ثمَّ ينتقل إلى أحكام الجناية على النَّفس وما دونها، وشروط القصاص وموانعه والسَّراية والدِّيات والكفَّارات. ويوازن في هذه المسائل بين ما قرَّره أحمد بن يحيى المرتضى في «مختصر الأزهار» وبين الأحاديث والآثار والقواعد العامَّة، مع عناية خاصَّة بما يترتَّب على الأحكام من دماء وأموال وحقوق، فلا يثبت حكمًا فيها بغير حجَّة يراها صالحة للاحتجاج.
ويعتمد الشَّوكاني في جميع ذلك على مناقشة الدَّليل نفسه؛ فيصحِّح الحديث أو يضعِّفه بحسب ما يظهر له من أسانيده، ويبحث دلالته، ويجمع بين النُّصوص عند إمكان الجمع، ويرجِّح عند التَّعارض، ويستصحب الأصل عند غياب الدَّليل النَّاقل عنه، ويعترض على القياس أو التَّعليل إذا لم يستقم عنده. كما ينقل أقوال الفقهاء والمفسِّرين والأصوليِّين والمحدِّثين، لكنَّه لا يجعل كثرة القائلين ولا شهرة المذهب مرجِّحةً بنفسها إذا رأى أنَّ الدَّليل يخالفها.
ويجعل «السَّيل الجرَّار» بذلك مناقشةً تفصيليَّة لمتن أحمد بن يحيى المرتضى من أوَّل مسائله إلى أبواب الجنايات وغيرها، لا شرحًا يقصد إلى توضيح ألفاظ «مختصر الأزهار» فقط؛ فهو يصحِّح ويعترض ويستدرك ويرجِّح، ويعيد بناء المسائل على الأدلَّة التي يراها ثابتة. وتظهر في الكتاب بصورة متكرِّرة دعوته إلى قطع التَّعلُّق بالتَّقليد المذهبي، وإلى ردِّ الأحكام إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، بحيث يكون قبول القول أو ردُّه تابعًا لقوَّة حجَّته لا لمكانة قائله أو انتسابه إلى مذهب بعينه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














