
نبذة عن الكتاب:
يخصِّص محمَّد أمان بن علي الجامي هذه الرِّسالة لبيان منزلة الوقوف بعرفة وأحكامه، انطلاقًا من حديث «الحجُّ عرفة»، فيشرح معنى الوقوف ومكانه وزمانه وما ينبغي أن يشتغل به الحاج فيه من الذِّكر والدُّعاء والتَّهليل والاستغفار والتَّسبيح والثَّناء على الله تعالى، مع الاعتراف بالذَّنب وسؤال المغفرة والعتق من النَّار. ويجعل الوقوف بعرفة جزءًا جوهريًّا من عبادة الحجِّ التي تجمع بين العبادة البدنيَّة والماليَّة، ويؤكِّد أنَّ المقصود في ذلك اليوم هو التَّفرُّغ لعبادة الله عز وجل والإلحاح عليه بالدُّعاء من بعد الزَّوال إلى اللَّيل.
ويحدِّد حدود عرفة على وجه تقريبي، فيذكر ما يحيط بها من الجبال، ويجعل بطن وادي عُرَنة حدًّا لها من الشَّمال والغرب، وينبِّه إلى أنَّ نمرة ووادي عُرَنة ليسا من عرفة. ثمَّ يصف وقوف النبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع بعد أن نزل بنمرة وصلَّى الظُّهر والعصر وخطب النَّاس، ثمَّ دخل الموقف ووقف عند الصَّخرات مستقبل القبلة، مع تأكيده أنَّ هذا الموضع لا يتعيَّن للحجَّاج؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلُّها موقف».
ويناقش ما يتعلَّق بجبل الرَّحمة، فيذكر أسماءه المشهورة والقديمة، ومنها جبل الدُّعاء و«إلآل»، ويتوقَّف في سبب تسميته بجبل الرَّحمة لعدم وقوفه على دليل يخصُّه بنزول الرَّحمة أو باستجابة الدُّعاء. ويرفض اعتقاد أنَّ الوقوف المشروع متعلِّق بصعود الجبل أو بلوغ قمَّته، ويؤكِّد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصعده، وأنَّ الحاج يصحُّ وقوفه في أيِّ موضع من أرض عرفة داخل حدودها.
ويحذِّر من التَّزاحم على جبل الرَّحمة والتَّمسُّح بأحجاره وتقبيلها، ومن ربط الرَّحمة أو البركة بموضع الجبل نفسه، ويرى أنَّ هذه الممارسات قد تُفضي إلى تعلُّق القلوب بالأحجار والمباني، فضلًا عن تضييع الوقت الذي ينبغي صرفه في الدُّعاء والذِّكر. كما ينتقد ما جرى عليه بعض الحجَّاج من أداء ركعتين في المصليات والمحرابات المنتشرة حول الجبل، ولا سيَّما بعد صلاة العصر، ويرى أنَّ وجود بعض الأبنية والعلامات هناك قد يعزِّز في أذهان العامَّة اعتقاد خصوصيَّة الجبل بما لم يثبت في الشَّرع.
ويحثُّ الجهات المسؤولة عن شؤون الحجِّ والتَّوعية على منع ما يؤدِّي إلى هذه الممارسات، ويرى أنَّ صعود الجبل لا يحقِّق غرضًا تعبُّديًّا مشروعًا، بل قد يشغل الحجَّاج عن المقصود الأصلي من الوقوف. ويربط ذلك بضرورة صيانة عقيدة الحاج وعبادته من البدع وما يشبه أعمال الجاهليَّة في التَّبرُّك بالأحجار والأشجار والمباني، مع التَّنويه بما يُبذل من جهود في خدمة الحجَّاج وتعليمهم مناسكهم.
ثمَّ يفصِّل زمن الوقوف بعرفة، ويقسِّمه إلى زمن اختياري وزمن اضطراري. فالاختياري عنده يبدأ من زوال شمس يوم عرفة ويمتدُّ إلى غروبها، ويبقى الحاج في الموقف إلى أن يتحقَّق الغروب، ثمَّ يفيض إلى مزدلفة بسكينة ووقار، مؤخرًا صلاة المغرب ليجمعها مع العشاء هناك. ويستدلُّ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع وبقوله: «خذوا عنِّي مناسككم»، ويرى أنَّ الجمع بين النَّهار واللَّيل هو الهدي الذي لا ينبغي تركه في حال السَّعة والاختيار.
وأمَّا الزمن الاضطراري فيستنبطه من حديث عبد الرَّحمن بن يعمر وحديث عروة بن مضرس رضي الله عنهما؛ فيقرِّر أنَّ من أدرك عرفة ليلًا أو نهارًا قبل طلوع فجر يوم النَّحر فقد أدرك الحجَّ، ولو كان وجوده فيها زمنًا يسيرًا يصدق عليه الوقوف مع نيَّته. ويفرِّق بذلك بين من أدرك عرفة متأخِّرًا لعذر أو جهل، وبين من حضر في الوقت المتَّسع عالمًا بالمكان والزَّمان، فلا يرى التَّساهل مع الثَّاني في ترك الجمع بين اللَّيل والنَّهار كما يُتسامح مع المضطر.
ويقرِّر في الأحكام الفقهيَّة أنَّ الوقوف بعرفة ركن الحجِّ الأعظم، وأنَّ من فاته الوقوف فلا حجَّ له، ويتحلَّل بأعمال العمرة ثمَّ يأتي بالحجِّ في العام المقبل بحسب التَّفصيل الذي يذكره. ويشرح الصِّفة التي يراها أكمل للوقوف: الخروج من منى بعد طلوع الشَّمس، والنُّزول بنمرة إلى الزَّوال، ثمَّ صلاة الظُّهر والعصر جمعًا وقصرًا، والدُّخول إلى عرفة والبقاء فيها إلى غروب الشَّمس، ثمَّ الإفاضة إلى مزدلفة. كما يبيِّن أنَّ الوقوف يتحقَّق راكبًا أو ماشيًا أو جالسًا أو مضطجعًا عند الحاجة ما دام الحاج داخل حدود عرفة وقاصدًا الوقوف.
ويذكر أنَّ من ترك الجمع بين اللَّيل والنَّهار مع السَّعة والاختيار فعليه دم عند جمهور العلماء بحسب ما نقله، مع ذكره مخالفة مالك في ذلك، ويؤكِّد أنَّ الحاج لا يتقيَّد بجبل الرَّحمة ولا بموضع بعينه، بل يقف حيث تيسَّر له داخل عرفة. كما يشترط وجود زمن يصدق عليه الوقوف مع النِّيَّة والعقل، ولا يشترط الطَّهارة الكبرى ولا الصُّغرى، مستدلًّا بوقوف عائشة رضي الله عنها وهي حائض.
ويربط آخر أحكام الرِّسالة بضرورة المحافظة على سلامة العبادة والعقيدة، فيدعو إلى إزالة ما قد يكون سببًا لتعلُّق النَّاس بالأحجار أو الأشجار أو الأبنية، مستشهدًا بما نُقِلَ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في قطع شجرة البيعة، ويرى أنَّ توعية الحجَّاج وإزالة أسباب المخالفات من وسائل حماية الوقوف بعرفة من الممارسات التي لا أصل لها في الشَّرع.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














