
نبذة عن الكتاب:
يجعل محمَّد محيي الدِّين حمادة الغنيمي الميداني الدِّمشقي الحجَّ مدخلًا جامعًا لفهم جانب كبير من مقاصد الإسلام التعبُّديَّة والحضاريَّة؛ فلا يقصره على سرد المناسك وأحكامها، بل يربطه بالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام، وبمعاني التَّوحيد والمساواة والسَّلام والتَّكافل والارتباط بالأمَّة، ثمَّ ينتقل من هذه المقاصد إلى التَّفصيل الفقهي لمناسك الحج والعمرة مستندًا بصورة خاصَّة إلى حديث جابر رضي الله عنه في صفة حجَّة النبي صلى الله عليه وسلم، مع الاستفادة من كتب الحديث والفقه المقارن وبيان علل الأحكام وحِكَمها.
ويرى أنَّ الحجَّ يتميَّز عن سائر الأركان باجتماع العبادة البدنيَّة والماليَّة فيه، وبكونه موسمًا محدَّد الزَّمان والمكان، ورحلةً يترك فيها المسلم وطنه وماله وراحته استجابةً لأمر الله تعالى ونداء إبراهيم عليه السلام. كما يربطه باللقاء الواسع بين المسلمين من أقاليم وثقافات مختلفة، وبإفراد الله عز وجل بالعبادة في البيت الحرام، وبالحركة المتتابعة بين مكَّة وعرفات ومزدلفة ومنى ثمَّ العودة إلى البيت للطَّواف والسَّعي.
ويفسِّر مناسك الحج في ضوء جذورها التَّاريخيَّة والإيمانيَّة؛ فالطَّواف يستحضر بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت، والصَّلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام تربط الحاج بمقام الخليل، والسَّعي يعيد إلى الذَّاكرة موقف هاجر وسعيها بين الصَّفا والمروة، والوقوف بعرفة يستدعي خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع، والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والنَّحر ترتبط عنده بمشاهد الاقتداء بإبراهيم عليه السلام والانقياد لأمر الله تعالى.
ويستخلص من الإحرام ومظهره معنى المساواة؛ إذ يترك الحاج لباسه المعتاد ويلبس الإزار والرِّداء الأبيضين، فتضعف مظاهر التَّفاوت بين الغني والفقير والرَّئيس والمرؤوس، ويجتمع الجميع في زمان واحد ومكان واحد وعبادة واحدة. ويربط هذا المشهد بتذكُّر ولادة الإنسان مجرَّدًا من متاع الدُّنيا، وبالكفن والبعث، ليجعل الإحرام تربيةً على التَّواضع والتَّجرُّد من مظاهر التَّميُّز الدُّنيوي.
ويفرد جانبًا للأبعاد الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة للحج؛ فيرى أنَّ اجتماع الملايين في مكَّة يحفِّز انتقال الأموال والسِّلع والخدمات، وأنَّ القرآن أباح للحاج ابتغاء المنافع الدُّنيويَّة المشروعة مع أداء النُّسك. ويربط الهدي والكفَّارات وإطعام فقراء الحرم بالتَّكافل، ويرى في الحج نموذجًا لاجتماع العبادة ببناء الحياة، بعيدًا عن الفصل بين الدِّين والدُّنيا.
ويصف الحج كذلك بأنَّه مجاهدة بدنيَّة؛ لما يلازمه من مشي طويل وطواف وسعي وانتقال بين المشاعر والازدحام والإقامة في عرفات ومزدلفة ومنى، لكنَّه يؤكِّد أنَّ المشقَّة ليست مقصودةً لذاتها، وإنَّما تقع تبعًا للتَّكليف الذي يستطيع الإنسان أداءه. ويقارن ذلك بمشقَّة القيام للصَّلاة، وحبس النَّفس في الصَّيام، وبذل المال في الزَّكاة، ليجعل القاسم المشترك تربية الإرادة ومجاهدة الهوى وتعظيم أمر الله تعالى.
ويربط محظورات الإحرام بمعنى السَّلام والأمان؛ فترك الصَّيد، واجتناب قطع نبات الحرم، والامتناع عن حلق الشَّعر وتقليم الأظفار وسائر المحظورات يراه تدريبًا على كفِّ الأذى وتعظيم حرمة الزَّمان والمكان. ومن هنا يصف الحج بأنَّه رحلة سلام وأمان تمتدُّ فيها حرمة الاعتداء إلى الإنسان والحيوان والنَّبات، ويجعل الحرم والأشهر الحرم والإحرام دوائر متداخلة تعمِّق شعور الحاج بالمراقبة والمسؤوليَّة.
ويجعل من أبرز آثار الحج فتح باب التَّوبة وتجديد الصِّلة بالله تعالى؛ فيصوِّر الحاج معترفًا بتقصيره، سائلًا المغفرة، عازمًا على مفارقة ما مضى من المعصية وردِّ الحقوق إلى أصحابها. ويستدلُّ بحديث رجوع من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق كيوم ولدته أمُّه، ويرى الحجَّ «مغتسل العمر» الذي تتوَّج به مواسم التَّطهير المتكرِّرة في الصَّلوات والجمعة ورمضان.
ثمَّ ينتقل إلى فضل الحج وفضل البقاع التي تؤدَّى فيها المناسك، ويجمع الأحاديث الواردة في الحج المبرور، وفضيلة قصد البيت، وكون الحج جهادًا لمن لا قتال عليه أو لا يطيقه. ويجعل معرفة فضيلة النُّسك وفضيلة مكَّة تمهيدًا ضروريًّا قبل الدخول في تفاصيل المناسك نفسها. كما يصرِّح بأنَّه أفرد للمدينة المنوَّرة كتابًا مستقلًّا، فلا يجعل زيارتها جزءًا أصليًّا من مباحث هذا الكتاب.
ويعتمد في القسم التَّطبيقي على حديث جابر رضي الله عنه في حجَّة الوداع، فيشرح ألفاظه وتفاصيله ويضمُّ إليه الأحاديث الأخرى التي تتعلَّق بمسائله. ويبدأ بالمواقيت المكانيَّة التي حدَّدها النبي صلى الله عليه وسلم: ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشَّام ومن يأتي من جهتها، وقرن المنازل لأهل نجد، ويلملم لأهل اليمن، وذات عرق لمن يأتي من جهة العراق، ويشرح حكم من كان دون المواقيت ومن جاوز ميقاته مريدًا الحجَّ أو العمرة.
ويفرِّق في الإحرام بين نيَّة الدُّخول في النُّسك وبين ثياب الإحرام؛ فالإحرام عنده هو النِّيَّة المقرونة بالدُّخول في الحج أو العمرة، أمَّا التَّجرُّد من الثِّياب المعتادة ولبس الإزار والرِّداء فهما من أحكامه ومظاهره لا حقيقة الإحرام نفسه. ثمَّ يشرح صور النُّسك الثَّلاث: الإفراد، والقِران، والتَّمتُّع، وأحكام إدخال العمرة على الحج أو الحج على العمرة، وما يتعلَّق بالاشتراط عند الإحرام لمن يخشى مانعًا من إتمام النُّسك.
ويتناول التَّلبية وما يتعلَّق بها من وقتها ورفع الصَّوت بها، ثمَّ محظورات الإحرام وما يترتَّب على فعلها، ويضمُّ إليها مسائل الطِّيب، وإزالة الشَّعر والأظفار، ولباس الرَّجل، وستر الرَّأس، وصيد البرِّ، وعقد النِّكاح والمباشرة والجماع، مع استعراض أقوال الفقهاء وأدلَّتهم وتفاصيل الفدية والكفَّارات بحسب كلِّ صورة.
وعند دخول مكَّة يشرح الطَّواف وأحكامه، فيفرِّق بين طواف القدوم الذي يراه سنَّةً، وطواف الإفاضة الذي هو ركن، وطواف الوداع الذي يقرِّر وجوبه على الصَّحيح. ويشرح ابتداء الطَّواف من الحجر الأسود، واستلامه وتقبيله عند القدرة، والرَّمل والاضطباع للرِّجال في موضعهما، وعدد الأشواط، والصَّلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام، وما يشترط للطَّواف وما يسنُّ فيه وما يقع من مخالفات متعلِّقة به.
ثمَّ ينتقل إلى السَّعي بين الصَّفا والمروة، فيربطه بقصَّة هاجر، ويشرح صفته وعدد أشواطه وما يتعلَّق بالمشي والهرولة والدُّعاء على الصَّفا والمروة. ويقرِّر أنَّ السَّعي ليس عبادةً مستقلَّة تتكرَّر كيفما شاء الحاج، بل يكون في موضعه بعد الطَّواف المتعلِّق بالنُّسك، ويتناول أحكام تأخيره وتقديمه وما يلزم من لم يأت به على وجهه.
ويفرد للعمرة بيانًا مستقلًّا، فيجعل لها الإحرام والطَّواف والسَّعي والتَّحلُّل بالحلق أو التَّقصير مرتَّبةً على هذا النَّسق، ويجعل زمانها ممتدًّا طوال السَّنة، أمَّا ميقاتها المكاني فمن كان خارج المواقيت فميقاته ميقات الحج، ومن كان بمكَّة أو داخل الحرم خرج إلى الحلِّ؛ كالتَّنعيم أو الجعرانة أو الحديبية أو عرفة، ومن كان بين الحرم والميقات أحرم من موضعه.
ويشرح أعمال يوم التَّروية وخروج الحاج إلى منى، ثمَّ الدَّفع إلى عرفة، ويعطي الوقوف بعرفة عنايةً خاصَّة لكونه ركن الحج الأعظم، فيبحث زمن الوقوف ومكانه والجمع بين الظُّهر والعصر وكثرة الدُّعاء والذِّكر، وما ينبغي للحاج أن يتجنَّبه من الانشغال بالطَّعام والحديث وما يصرفه عن اغتنام ذلك الوقت. ثمَّ يتناول النَّفرة بعد الغروب إلى مزدلفة والجمع فيها بين المغرب والعشاء والمبيت والذِّكر عند المشعر الحرام.
ويتابع مناسك يوم النَّحر من الدَّفع إلى منى ورمي جمرة العقبة، ثمَّ الهدي والحلق أو التَّقصير، وما يحصل بذلك من التَّحلُّل الأوَّل، ثمَّ طواف الإفاضة والسَّعي لمن كان عليه سعي. ويستعرض الخلاف في ترتيب أعمال يوم النَّحر وتقديم بعضها على بعض، ويشرح وقت طواف الإفاضة وأسماءه وشروطه، وما إذا أُدِّيَ بنية طواف آخر، مستفيدًا من كلام المحدِّثين والفقهاء في الجمع بين روايات حجَّة الوداع.
ثمَّ يعود الحاج إلى منى للمبيت أيَّام التَّشريق ورمي الجمرات الثَّلاث مرتَّبةً بعد الزَّوال، ويشرح صفة الرَّمي وعدد الحصيات وأوقاته وأحكام التَّوكيل والعجز والتَّعجُّل في اليوم الثَّاني عشر أو التَّأخُّر إلى الثَّالث عشر. ويربط هذه الأيَّام بقول النبي صلى الله عليه وسلم إنَّها أيَّام أكل وشرب وذكر لله تعالى، فيجعلها نموذجًا لاجتماع المباحات والفرح بالعبادة مع استمرار الذِّكر وأداء الواجبات.
ويتناول ماء زمزم من جهة فضله والشُّرب منه وأحكام الانتفاع به، ويرفض العدول إلى التَّيمُّم مع وجوده إذا تعيَّن الماء للطَّهارة، ويذكر جواز حيازته وحمله وإهدائه أو بيعه بعد الحيازة. ثمَّ يصرِّح بأنَّ بلوغه نهاية حديث جابر رضي الله عنه لا يعني انتهاء مسائل الحج؛ لأنَّ أحاديث أخرى تضمَّنت أحكامًا لم يستوعبها ذلك الحديث، ولا سيَّما بعض محظورات الإحرام، فيستكمل بها ما يحتاج إليه الحاج حتى تحيط الصُّورة بجوانب النُّسك التي لم تَرِد في سياق حديث جابر نفسه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














