
نبذة عن الكتاب:
يقرن عبد الكريم بن صالح الحميد في «التَّفكُّر والاعتبار بآيات الكسوف والزلازل والإعصار» بين معرفة الأسباب الكونيَّة للكسوف والخسوف والزلازل والأعاصير والفيضانات، وبين الاعتبار بما يحدث منها والخوف من الله تعالى عند وقوعها، نافياً أن تكون معرفة أسبابها أو إمكان حساب بعضها مناقضةً لما ورد في الشَّرع من كونها آياتٍ يُخوِّف الله تعالى بها عباده. وينطلق من اعتراضه على حصر تفسير هذه الحوادث في الأسباب الطَّبيعيَّة مع قطعها عن خالقها ومدبِّرها، ويربط ضعف الاعتبار بها بقسوة القلوب وغياب الخوف الذي يحمل على التَّوبة والإنابة.
ويقارن بين استجابة السَّلف للآيات والحوادث وبين ما يصفه من حال المتأخِّرين؛ فينقل أنَّ وقوع الزلازل وسائر الشَّدائد كان يدفع النَّاس إلى التَّضرُّع والاستغفار وترك المعاصي واللُّجوء إلى المساجد، ويستشهد بما نُقل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عند زلزلة الكوفة، وبأقوال العلماء في أنَّ الخوف المحمود هو ما يحمل صاحبه على اجتناب محارم الله تعالى. ويجعل فقد هذا الأثر من علامات قسوة القلب وضعف الصِّلة بمدبِّر الكون سبحانه.
ويقرِّر أنَّ وقوع الكوارث لا يُفسَّر عنده بالأسباب الحسِّيَّة المجرَّدة وحدها، بل يصل بينها وبين ما جاء في القرآن الكريم من أخذ الأمم بذنوبها؛ فيستعرض أخبار عادٍ وثمود وقوم نوح ولوط وشعيب عليهم السَّلام، وفرعون وقارون وسبأ، وما أصابهم من الرِّيح والصَّيحة والطُّوفان والخسف والسَّيل. ويستكثر من الآيات وأقوال ابن تيميَّة وابن القيِّم في بيان أثر الذُّنوب والمعاصي، ويجعل أخبار الأمم الماضية أصلًا للاعتبار بالحوادث المشهودة في الأزمنة المتأخِّرة.
ويخصِّص جانبًا مهمًّا لدفع توهُّم التَّعارض بين السَّبب الطَّبيعي والحكمة الشَّرعيَّة؛ فمعرفة أنَّ كسوف الشَّمس يقع عند حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وأنَّ خسوف القمر يتعلَّق بوقوعه في ظلِّ الأرض، لا تمنع عنده كون الكسوف والخسوف آيتين للتَّخويف. ويستدلُّ بأنَّ معرفة أوقات الكسوف بالحساب كانت معروفة عند بعض المتقدِّمين، وينقل عن ابن تيميَّة وابن القيِّم أنَّ تحديد وقت السَّبب لا يمنع أن يجعل الله تعالى عنده من البلاء أو التَّخويف ما يشاء، كما أنَّ لأوقات الرَّحمة مواقيت معلومة لا يمنع العلم بها كونها أسبابًا لما يقع فيها.
ويستشهد بهدي النَّبي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عند الكسوف، فيذكر فزعه إلى الصَّلاة والدُّعاء والاستغفار والصَّدقة، وقوله إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يُخوِّف بهما عباده. ويجعل هذا الهدي دليلًا على أنَّ المطلوب عند وقوع الآية لا يقتصر على تفسير كيفيَّتها، بل يتعدَّاه إلى التَّوبة والذِّكر والعبادة، لأنَّ العلم بالسَّبب عنده لا يلغي المقصد الذي جاءت النُّصوص بإثباته.
وينتقل من ذلك إلى نقد إحالة الحوادث إلى «الطَّبيعة» على وجه الاستقلال، فيسأل عن حقيقة هذه الطَّبيعة ويقرِّر أنَّها مخلوقة مدبَّرة وليست فاعلًا مستقلًّا. وينقل في هذا الباب عن الخطَّابي وابن القيِّم وغيرهما احتجاجهم بانتظام خلق الإنسان وانتقاله بين أطواره، وبأمثلة البناء والسَّفينة والحمَّام، لإثبات أنَّ الأسباب والمكوِّنات لا تستقلُّ بإيجاد آثارها من غير مدبِّر. ويضمُّ إلى ذلك نقدًا واسعًا للمذاهب المادِّيَّة ونظريَّة التَّطوُّر وما يعدُّه آثارًا لفصل العلوم الكونيَّة عن الإيمان بالخالق.
ثمَّ يوسِّع مفهوم التَّفكُّر والاعتبار، فينقل تقسيم العظة إلى مسموع ومشهود؛ فالمسموع ما جاءت به الرُّسل من الوحي والنَّصيحة، والمشهود ما يراه الإنسان من مجاري القدر وآيات الله تعالى في الآفاق والأنفس. وعلى هذا يجعل الزلازل والأعاصير وسائر الكوارث من العِبَر المشهودة التي ينبغي أن تردَّ القلب إلى ما جاءت به الآيات المسموعة، ويربط بين تدبُّر القرآن والنَّظر في الحوادث والعمل بمقتضى العلم.
ويستعرض بعد ذلك نماذج تاريخيَّة لما وقع من زلازل ورياح وأوبئة وشدائد، وما نُقل عن النَّاس عندها من اجتماع للدُّعاء والاستغفار والتَّوبة والخوف، مستفيدًا من كتب التَّاريخ وأخبار السَّلف. ويقابل هذه المواقف بما وقع في عصره من أعاصير وفيضانات وزلازل، ومنها زلزال باكستان وكشمير، ليؤكِّد فكرته في أنَّ الانشغال بقياس الظَّاهرة وآثارها المادِّيَّة لا ينبغي أن يصرف عن الاعتبار بها والرُّجوع إلى الله تعالى.
ويعيد في أثناء ذلك ضبط موقفه من الأسباب، فيصرِّح بأنَّ مقصوده ليس إنكارها؛ فيقبل تفسير الكسوف بحيلولة القمر، وتفسير بعض الزلازل بما يذكره أصحاب الطَّبيعة من أحوال باطن الأرض، وربط بعض الأعاصير والفيضانات بمواسمها، لكنَّه يجعل هذه الأسباب آلاتٍ لا تستقلُّ عن مسبِّبها. ويفرِّق بين إثبات السَّبب بوصفه داخلًا في تدبير الله تعالى للكون، وبين العمل بما جعلت الآيات سببًا له من التَّخويف والتَّوبة والإنابة، رابطًا الأوَّل بتوحيد الرُّبوبيَّة والثَّاني بتوحيد العبادة.
ويعالج في أواخر الكتاب سؤال تأخُّر العقوبات العامَّة مع كثرة المعاصي، فيجعله راجعًا إلى معانٍ منها الإملاء والاستدراج، وأنَّ تأخير العقوبة لا يدلُّ على الرِّضا ولا على انتفاء المؤاخذة. ويضيف إلى ذلك ما يحدث للقلوب من الرَّان والتَّدرُّج في الذُّنوب حتى يضعف شعورها بالآيات وما تقتضيه من الخوف، فيربط تأخُّر العقوبة بامتحان العباد واستدراج بعضهم واستمرارهم فيما هم فيه.
ويختتم بإيراد وقائع من التَّاريخ يقصد بها إحياء معنى الاعتبار بما يحلُّ بالأمم والمجتمعات، مؤكِّدًا أنَّ السُّنن التي يستدلُّ بها من القرآن وأخبار الماضين لا تختصُّ بأهل زمنٍ دون زمن، وأنَّ المطلوب من مشاهدة الكسوف والزلازل والأعاصير وسائر الشَّدائد ألا يقف الإنسان عند وصف أسبابها وآثارها، بل أن ينتقل منها إلى محاسبة النَّفس والتَّوبة والخوف من الله تعالى والاتِّعاظ بما جرى لمن سبقه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














