يَقْتَطِفُ تقيُّ الدِّين أبو بكر بن حِجَّة الحَمَوِيُّ في كتاب «ثمرات الأوراق في المُحاضَرَات» طوائفَ من الأخبار والنَّوادر والحكايات والأشعار والأجوبة البليغة، ويَصِلُ بعضَها ببعضٍ بحسب ما يجمع بينها من المعاني أو يُقَرِّبُها من المواقف والألفاظ، مع ما يُضِيفُه من تعقيباتٍ وملاحظاتٍ أدبيَّةٍ واستحسانٍ لبعض الأقوال أو نقدٍ لها. وتدور طائفةٌ واسعةٌ من أخباره على فطنة الأُدباء وسرعة بديهتهم، وما يقع في مجالس الخلفاء والملوك والوزراء والقُضاة والعلماء والشُّعراء من مُحاوَراتٍ ومُساجَلاتٍ ومواقفَ طريفة، وما يُظْهِرُه أصحابُها من حُسْن التَّصرُّف في الكلام، أو يُوقِعُهم فيه التَّسرُّع وسوء الفهم من حَرَجٍ ومُفَارَقات.
ويُعْنَى عنايةً ظاهرةً بلطائف اللُّغة والبلاغة وفنون البديع، فيَحْكِي ما جرى بين النُّحاة واللُّغويِّين وأصحاب البيان من مسائلَ وأجوبةٍ ومُناظَرات، وما أظهروا فيه من دقَّة الفهم وحُسْن الاحتجاج. ويُورِد أخبارًا عن التَّورية والتَّصحيف والتَّجنيس والاقتباس، واستعمال الألفاظ في معانٍ تحتمل أكثر من وجه، وما ينشأ عن ذلك من نُكَتٍ وألغازٍ وأجوبةٍ مُفْحِمَة. ويتناول ما يُؤْثِرُه الأُدباء من التَّمثُّل بالشِّعر في مواضعه، وما يترتَّب على حُسْن اختيار البيت أو العبارة من استحسانٍ أو مكافأة، وما يقع أحيانًا من إساءة الاختيار أو التَّعريض غير المقصود. ويذكر أخبار الشُّعراء ومنافساتهم، وما دار بينهم من مُعَارَضَاتٍ وسَرِقَاتٍ شِعريَّةٍ ومُفَاضَلَات، ويُناقِش بعض الألفاظ والصُّور الشِّعريَّة، مُبَيِّنًا ما يَحْسُن منها وما يَثْقُل على السَّمع أو يَضْعُف في المعنى، كما في حديثه عن مُرَاسَلَات القاضي الفاضل وابن سَنَاء المُلك بشأن لفظةٍ استعملها الأخير في شِعْره، وما تَفَرَّع عن ذلك من نقدٍ ومُقَارَنَةٍ بين أساليب الشُّعراء.
ويَحْفَظُ من أخبار الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء والقُضاة ما يَتَّصِلُ بأحوال السُّلطة وتقلُّب الدُّوَل، وما جرى بين أصحاب المناصب من مُوَاقَفَاتٍ ومَكَائِدَ وحِيَلٍ ومُرَاسَلَات. ويذكر ما عَرَض لبعضهم من عَزْلٍ أو نَكْبَةٍ أو انقطاعٍ عن الملك، وما ظَهَر في تصرُّفاتهم من كرمٍ أو بخلٍ، وحِلْمٍ أو غضبٍ، وعدلٍ أو جَوْر. وتَرِدُ فيه أخبارٌ من عصور بني أُمَيَّة وبني العبَّاس وبني بُوَيْه وغيرهم، إلى جانب حكاياتٍ عن صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ وبعض ملوك بني أيُّوب وأمراء المماليك ورجال دواوينهم، وما اتَّصل بهم من أُدباء وكُتَّاب. ويَسُوقُ أخبارَ الأجواد ومواقفهم مع السَّائلين والشُّعراء، وما يُقَابِلُها من نوادر البُخَلاء، ويذكر حكاياتٍ عن فِرَاسَة القُضاة ودَهَائهم في كشف الخِدَاع وإظهار الحقوق، وما يَقَعُ بين الخصوم من حِيَلٍ ومُخَاصَمَات.
ويُورِدُ كذلك أخبارَ العُشَّاق وما نَظَمُوه في الشَّوق والوصال والهجر والعتاب، وما جرى بينهم من مُرَاسَلَاتٍ ومواقفَ طريفة، وأخبارَ النُّدَماء والمُغَنِّين وأصحاب المجالس، وما قيل في مجالس الطَّرَب والمُؤَانَسَة من الأشعار والنَّوادر. وتَتَخَلَّلُ ذلك حكاياتُ الأذكياء والحَمْقَى والمُغَفَّلِين والطُّفَيْلِيِّين، وما عُرِفَ عن بعضهم من سرعة الجواب أو سُوء التَّقدير، إلى جانب أخبارٍ تتناول حُسْن الجوار والوفاء والصَّداقة والمروءة، وما أظهره بعض الزُّهَّاد والعلماء من حُسْن الموعظة والنُّصح. ولا يخلو الكتاب من حكاياتٍ هَزْليَّةٍ ومُجُونٍ ومُدَاعَبَاتٍ جريئة، يُورِدُها لما فيها من طرافة القول أو غرابة الموقف، كما يَسُوقُ قصصًا أطولَ تتضمَّن وقائعَ تاريخيَّةً أو حِيَلًا دقيقةً أو تقلُّباتٍ غير مُتَوَقَّعَةٍ في أحوال أصحابها.
ويُضَمِّنُ ابنُ حِجَّة الكتابَ طائفةً من الرَّسائل والإنشاءات الأدبيَّة، ومنها نصوصٌ له تتَّصل برحلاته وما شهده من وقائع عصره، فيُورِدُ وصفًا لرحلته في صحبة السُّلطان المُؤَيَّد إلى بلاد الرُّوم، وما اتَّصل بها من أخبار الفتوح، ويذكر رحلته من الدِّيار المصريَّة إلى دمشق، مع عنايته في هذه النُّصوص بالسَّجْع والتَّورية والتَّشبيه وسائر المحاسن البديعيَّة. ويُثْبِتُ كذلك نماذجَ من مُرَاسَلَات الكُتَّاب وتَفَنُّنِهم في صناعة الإنشاء، ويُقَارِنُ بين بعض أساليبهم، ويُورِدُ من إنشائه ما عارض به رسائلَ أُدباء آخرين. وتَتَّصِلُ الحكاياتُ في الكتاب بعضُها ببعضٍ على سبيل الاستطراد والمناسبة، فقد يَنْتَقِلُ من خبرٍ إلى ما يُشْبِهُه في لفظةٍ أو معنى، ثمَّ إلى شِعْرٍ يَصْلُحُ للاستشهاد به أو نادرةٍ تُضَارِعُه، مع تعقيباتٍ تكشف عن اختياراته وذوقه في الشِّعر والنَّثر، فَتَتَجَاوَرُ فيه أخبارُ المتقدِّمين والمتأخِّرين، والمواعظُ والمُلَح، والحوادثُ التَّاريخيَّة واللَّطائفُ البلاغيَّة.