تقي الدين ابن حجة الحموي
أبو بكر بن عليّ بن عبد الله الحَمَوِيّ الحَنَفِيّ الأَزْرَارِيّ، تَقِيّ الدِّين، المعروف بابن حِجَّة الحَمَوِيّ: أديبٌ وشاعرٌ وناقدٌ وكاتبُ إنشاءٍ، من أعيان الأدباء في العصر المَمْلُوكِيّ، وأحد المُبَرِّزين في فنون البَلَاغَة والبَدِيع والنَّظم والنَّثر. وُلِد بحَمَاة نحو سنة 767هـ، ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم، واشتغل في صغره بصناعة الحرير وعَقْد الأَزْرَار، فنُسِب إليها، ثمَّ انصرف إلى طلب العلم والأدب. وأخذ عن جماعةٍ من علماء عصره وأُدبائه، منهم شَمْس الدِّين الهَيْتِيّ، وعِزّ الدِّين المَوْصِلِيّ، والعَلَاء القَضَامِيّ، وقرأ عليهم الشِّعر والنَّثر، ولازمهم في فنون الأدب، وبرع في نظم الأَزْجَال والمَوَالِيَا، ثمَّ أقبل على نظم القصائد، ومدح أعيان حَمَاة وأُمراءها، واشتهر بحُسْن الإنشاء والتَّفنُّن في ضروب البَدِيع. ورحل إلى دمشق قبل سنة 790هـ، واتَّصل بعلمائها وأُدبائها، ومدح قاضيها بُرْهَان الدِّين بن جَمَاعَة بقصيدةٍ كافِيَّةٍ نالت استحسان جماعةٍ من أُدباء عصره، ثمَّ قصد القاهرة، ولقي الفَخْر بن مَكَانِس وابنه المَجْد، وجرت بينه وبينهما مُطارحاتٌ ومُكاتباتٌ أدبيَّة. وعاد إلى حَمَاة، ثمَّ اتَّصل بالأمير شَيْخ المَحْمُودِيّ، نائب دمشق، وانتسب إلى خدمته، وصحبه إلى القاهرة، فلمَّا تولَّى السَّلطنة بلقب المَلِك المُؤَيَّد شَيْخ سنة 815هـ، قرَّبه وأكرمه، وارتفعت منزلته في الدَّولة، وكان من شُعرائه وكُتَّابه، وله فيه مدائحُ كثيرةٌ. وأعانه ناصر الدِّين بن البَارِزِيّ، صاحب ديوان الإنشاء، على التَّقدُّم في أعمال الدِّيوان، فتولَّى كتابة الإنشاء، وباشر عددًا من الوظائف والنَّظارات، وذاع صيته بين كُتَّاب الدَّولة وأُدبائها، ورافق السُّلطان المُؤَيَّد في بعض أسفاره إلى بلاد الرُّوم. وكان طويل النَّفَس في النَّظم والنَّثر، مُتَفَنِّنًا في صَنْعَة الرَّسائل والتَّقَالِيد السُّلطانيَّة والمَنَاشِير، عارفًا بأخبار الشُّعراء وأشعارهم، واسع الاطِّلاع على كتب الأدب والبَلَاغَة. وأخذ عنه جماعةٌ من العلماء والأُدباء، منهم الحافظ ابن حَجَر العَسْقَلَانِيّ، الذي سمع من شعره وشرح بَدِيعِيَّته وكتب عنه، وابن خَطِيب النَّاصِرِيَّة، وكانت بينه وبينهما صلةٌ ومُوَدَّةٌ ومُذاكرةٌ في الأدب والتَّاريخ. وأثنى عليه ابن خَطِيب النَّاصِرِيَّة، ووصفه بأنَّه إمام أهل الأدب في زمانه، وكان حسن الأخلاق والمُروءة، غير أنَّه عُرف بالزَّهْو والإعجاب بشعره، والمُبالغة في تفضيل صَنْعَته على صَنْعَة غيره، فنشأت بينه وبين جماعةٍ من شُعراء عصره خصوماتٌ أدبيَّةٌ، وتعرَّض لهجاء بعضهم وانتقاداتهم. وكان من أشدِّهم عليه الشَّاعر شَمْس الدِّين النَّوَاجِيّ، الذي صنَّف كتاب «الحُجَّة في سَرِقَات ابن حِجَّة»، تتبَّع فيه ما عدَّه من أَخْذ ابن حِجَّة لمعاني الشُّعراء وألفاظهم. ولمَّا تُوفِّي المَلِك المُؤَيَّد شَيْخ سنة 824هـ، اضطربت أحوال ابن حِجَّة في الدَّولة، وضعفت منزلته في ديوان الإنشاء، وتقدَّم عليه غيره من الكُتَّاب، فغادر القاهرة سنة 830هـ، وعاد إلى حَمَاة، وأقام بها مُنصرفًا إلى العلم والأدب والتَّصنيف حتَّى وفاته.
ومن أشهر مُؤلَّفاته «خِزَانَة الأَدَب وغَايَة الأَرَب»، وهو شرحٌ مُطوَّلٌ لبَدِيعِيَّته المشهورة «تَقْدِيم أبي بكر»، التي نظمها في مدح النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، مُعارضًا بها بَدِيعِيَّتَي صَفِيّ الدِّين الحِلِّيّ وعِزّ الدِّين المَوْصِلِيّ، والتزم فيها أن يُورِيَ في كلِّ بيتٍ باسم النَّوع البَدِيعِيّ الذي يُمثِّل له. وشرح في «خِزَانَة الأَدَب» فنون البَدِيع ومصطلحاتها، واستشهد لها بأشعار المُتقدِّمين والمُتأخِّرين، وأورد طائفةً كبيرةً من النَّوادر والحكايات والمُطارحات الأدبيَّة والأخبار المتَّصلة بشُعراء عصره وكُتَّابه، مع مُناقشة أقوال أهل البَلَاغَة، والمُوازنة بين الشَّواهد، والتَّعقيب على ما استحسنه أو استقبحه من الأساليب. وله «كَشْف اللِّثَام عن وَجْه التَّوْرِيَة والاستخدام»، في هذين الفنَّيْن من فنون البَدِيع، و«ثَمَرَات الأَوْرَاق»، في المُحاضرات والأخبار والحكايات والنَّوادر الأدبيَّة، و«تَأْهِيل الغَرِيب»، في مُختارات الشِّعر والنَّثر والأخبار الأدبيَّة، و«بُرُوق الغَيْث الذي انْسَجَم في شرح لَامِيَّة العَجَم»، في شرح قصيدة الطُّغْرَائِيّ، و«قَهْوَة الإِنْشَاء»، ضمَّنه ما أنشأه من الرَّسائل والتَّقَالِيد والمَنَاشِير السُّلطانيَّة في أثناء خدمته لملوك الدَّولة المَمْلُوكِيَّة، وهو من آثاره الدَّالَّة على براعته في الكتابة الدِّيوانيَّة. وصنَّف «بُلُوغ المَرَام من سِيرَة ابن هِشَام والرَّوْض الأُنُف والإِعْلَام»، لخَّص فيه السِّيرة النَّبويَّة مُستفيدًا من سيرة ابن هِشَام وشَرْح السُّهَيْلِيّ لها وما يتَّصل بهما من كتب السِّيرة، و«بُلُوغ المُرَاد من الحَيَوَان والنَّبَات والجَمَاد»، في أخبار هذه الأجناس وأوصافها، و«بُلُوغ الأَمَل في فَنِّ الزَّجَل»، في صناعة الزَّجَل وأصوله، و«أَمَان الخَائِفِين من أُمَّة سَيِّد المُرْسَلِين»، في المديح النَّبويّ، و«الثَّمَرَات الشَّهِيَّة من الفَوَاكِه الحَمَوِيَّة»، من منظوماته الأدبيَّة، و«حَدِيقَة زُهَيْر»، و«دِيوَان شِعْر»، وله رسائلُ ومُقَطَّعاتٌ كثيرةٌ في المديح والغزل والهجاء والوصف، وغير ذلك من الأغراض. وكان يُكثر في شعره ونثره من المُحَسِّنَات اللَّفظيَّة والمعنويَّة، ويُعنى بالتَّوْرِيَة والتَّشْبِيه والاستعارة وحُسْن التَّخلُّص وبَرَاعَة الاستهلال، وله آراءٌ نقديَّةٌ في المفاضلة بين الشُّعراء، وكان يُنكر الإفراط في الجِنَاس والتَّكلُّف الذي يحجب المعنى ويُعقِّد العبارة. وتُوفِّي بحَمَاة في شعبان سنة 837هـ، وقيل في رجب، ودُفن بها، وقبره معروفٌ في تربة باب الجِسْر.