مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب بلاغات النساء وجواباتهن وطرائف كلامهن وملح نوادرهن لابن طيفور PDF

كتاب بلاغات النساء وجواباتهن وطرائف كلامهن وملح نوادرهن لابن طيفور PDF

نبذة عن الكتاب:

يجمع أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طَيْفُور في «بلاغات النِّساء» مختاراتٍ من خُطَب النِّساء البليغات ومحاوراتهنَّ وأشعارهنَّ وأخبار ذوات الرَّأي والفصاحة منهنَّ، مُبْرِزًا ما امتازت به بعض النِّساء من قوَّة البيان، وسرعة البديهة، وحُسْن الاحتجاج، والقدرة على التَّعبير عن المواقف والمشاعر بألفاظٍ بليغةٍ ومعانٍ دقيقة. ويَسْتَعْرِض ما نُقِل عن نِساء صدر الإسلام والعصرَيْن الأُمَوِيِّ والعبَّاسيِّ، إلى جانب أخبار الأعرابيَّات والشَّاعرات، في موضوعاتٍ تتنوَّع بين الخِطابة السِّياسيَّة، والمجادلة والدِّفاع عن الحقوق، والموعظة والحكمة، والمدح والهجاء، والرِّثاء والغزل، والمخاصمات الزَّوجيَّة والنَّوادر الطَّريفة. ويَتَّخِذ من الأقوال التي أظهرت فيها النِّساء بلاغةً أو رأيًا أو جوابًا حاضرًا أساسًا لاختياراته، فيُورِد الأخبار بأسانيدها في مواضعَ كثيرة، ويَجْمَع أحيانًا أكثر من روايةٍ للخبر الواحد، مع الإشارة إلى ما وقع في بعض النُّصوص من اختلافٍ أو شكٍّ في نسبتها. ويَتَجَاوَز بذلك الاقتصار على الشَّاعرات المشهورات إلى إبراز نساءٍ عُرِفْن بالخُطَب والمحاورات والنَّوادر، وما حُفِظ من كلامهنَّ في المجالس العامَّة والخاصَّة، وفي مواطن الفرح والحزن والخصومة والمطالبة بالحقوق.

ويَفْتَتِح ابن طَيْفُور مختاراته بما نُسِب إلى أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها من خُطَبٍ وأقوالٍ تتعلَّق بأبيها أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه، وما أدَّاه من أعمالٍ في نصرة الإسلام وتثبيت الدِّين بعد وفاة النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. ويَسْتَعْرِض ما ورد من ثنائها على فضائله وشجاعته وحُسْن تدبيره، وإشادتها بعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وعدله وحَزْمه، وما قالته في رثاء أبيها والتَّعبير عن مصابها بفقده. ويَجْمَع كذلك الأخبار المتعلِّقة بموقفها من مقتل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وخروجها إلى البصرة، وما دار بينها وبين بعض الصَّحابة رضي الله عنهم من حوارٍ بشأن أسباب مسيرها وأحداث الفتنة. ويتَّصل بذلك ما يرويه عن أمِّ المؤمنين أمِّ سَلَمَة رضي الله عنها من نصائحَ نُسِبَت إليها في شأن عثمان رضي الله عنه، ومخاطبتها عائشة رضي الله عنها عند عزمها على الخروج، وما تضمَّنته هذه الرِّوايات من حججٍ ومواعظَ وتعبيراتٍ قائمةٍ على الاستعارة والكناية والتَّشبيه. ويُورِد المؤلِّف خبرًا يُفيد أنَّ بعض هذه المحاورات من صَنْع الأديب العَتَّابِيِّ، ويُصَرِّح بأنَّه أثبتها مع ما قيل في نسبتها، وهو ما يُظْهِر أنَّ عنايته بجمع الكلام البليغ لا تقتضي حكمه بثبوت كلِّ خبرٍ يرويه.

ولفاطمة بنت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنها، موضعٌ بارزٌ في الكتاب؛ إذ يَسُوق خُطَبًا منسوبةً إليها في شأن فَدَكٍ والميراث، وما وقع من خلافٍ بينها وبين أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه بعد وفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويَجْمَع رواياتٍ تتضمَّن حمد الله تعالى والثَّناء عليه، وذكر فضائل الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والاحتجاج بالآيات القرآنيَّة في مسألة الميراث، ومخاطبة المهاجرين والأنصار بما يحثُّهم على مراعاة الحقوق والعهود. ويُورِد كذلك ما نُسِب إليها من كلامٍ في مرض وفاتها، وما اشتمل عليه من عتابٍ شديدٍ وانتقادٍ لبعض المواقف التي أعقبت وفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويَتَوَقَّف عند الخلاف في نسبة هذه الخُطَب إليها، فينقل احتجاج بعض الرُّواة بقِدَم تداولها بين أهل البيت، وما قيل في نسبتها إلى أبي العَيْنَاء، مع إيراد نصوصها على ما بلغه من الرِّوايات. وتَتَجَلَّى في هذه الخُطَب، من جهة بنائها الأدبيِّ، كثرةُ الاستشهاد بالقرآن، وتتابعُ الجُمَل المتوازنة، وتوظيفُ السَّجْع والمقابلة والصُّوَر البيانيَّة في تقوية الحُجَّة والتَّأثير في السَّامعين.

ويَتَتَبَّع المؤلِّف ما نُسِب إلى زينب بنت عليٍّ وأمِّ كلثوم بنت عليٍّ رضي الله عنهما من خُطَبٍ عقب مقتل الحسين بن عليٍّ رضي الله عنه، وما تضمَّنته من توبيخٍ واستنكارٍ وتذكيرٍ بحرمة أهل بيت النُّبوَّة. ويُورِد خطبةً منسوبةً إلى زينب رضي الله عنها في مجلس يزيد بن معاوية، وما فيها من استشهادٍ بالآيات القرآنيَّة، وإنكارٍ لما نزل بأهل بيتها، وتحذيرٍ من عاقبة الظُّلم، كما ينقل ما نُسِب إلى أمِّ كلثوم رضي الله عنها من مخاطبة أهل الكوفة وعتابهم على ما وقع من خذلانٍ وقتل. ويَجْمَع كذلك كلام حفصة بنت عمر رضي الله عنها في مرض أبيها ورثائه بعد وفاته، وما تَضَمَّنه من الثَّناء على عدله وزُهْده وأعماله. وتَتَوَالَى بعد ذلك أخبار نساءٍ من بني هاشم وغيرهنَّ ممَّن واجهن أصحاب السُّلطة بالكلام والحُجَّة، ومنهنَّ أَرْوَى بنت الحارث بن عبد المُطَّلِب، التي يروي مناظرتها معاوية بن أبي سفيان، وما جرى فيها من احتجاجٍ بشأن أهل البيت، ومواجهةٍ كلاميَّةٍ مع بعض جلسائه، ومطالبةٍ بحقوقٍ ماليَّة. وتُظْهِر هذه الأخبار تنوُّع الخِطابة النِّسائيَّة بين التَّأبين والتَّحريض والاحتجاج والموعظة، وما تُؤَدِّيه البلاغة من دورٍ في التَّعبير عن المواقف السِّياسيَّة والاجتماعيَّة.

ويُخَصِّص ابن طَيْفُور أخبارًا لنساءٍ اشتهرن بالفصاحة والشَّجاعة في مواجهة الأمراء والوُلَاة، ولا سيَّما مَن نُقِل عنهنَّ تأييد عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في وقعة صِفِّين. فيروي محاورة سَوْدَة بنت عُمَارَة الهَمْدَانِيَّة مع معاوية بن أبي سفيان، وما تضمَّنته من شكوى ظلم بعض العمَّال لأهلها، واحتجاجها بما عرفته من إنصاف عليٍّ رضي الله عنه حين شكت إليه عاملًا من عمَّاله، حتَّى حصلت على أمرٍ برفع الظُّلم عنها وعن قومها. ويَذْكُر الزَّرْقَاء بنت عَدِيٍّ، وما نُسِب إليها من خطبةٍ تحثُّ فيها على الثَّبات والقتال يوم صِفِّين، ثمَّ ما جرى بينها وبين معاوية من حديثٍ بشأن موقفها السَّابق ووفائها له بعد انقضاء الحرب. كما يروي أخبار بَكَّارَة الهِلَالِيَّة وأمِّ الخير بنت الحُرَيْش البَارِقِيَّة وأمِّ سِنَان بنت خَيْثَمَة وأمِّ البَرَاء بنت صَفْوَان وغيرهنَّ، وما قلن من أشعارٍ وخُطَبٍ في الحماسة والتَّحريض والثَّناء على الشَّجاعة والعدل. وتتكرَّر في هذه المحاورات مواقفُ تُظْهِر قدرة المرأة على جواب الحاكم دون اضطرابٍ، والدِّفاع عن رأيها بما تَمْلِك من حُجَّةٍ وبيان، مع التَّلطُّف أحيانًا في طلب العفو أو قضاء الحاجة، والجمع بين صراحة الموقف وحُسْن التَّخلُّص من الخصومة.

ومن أخبار النِّساء البليغات ينتقل المؤلِّف إلى مواقفَ تُبْرِز الفصاحة في الوصف وسرد الحوادث والتَّعبير عن الحاجات؛ فيروي قصَّة أمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّة ووصفها النَّبيَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم حين مرَّ بخيمتها في طريق الهجرة، وما امتاز به وصفها من دقَّة الملاحظة وتناسق الألفاظ والتَّعبير عن الملامح والهيئة بأوصافٍ موجزةٍ بليغة. ويَذْكُر خبر رُقَيْقَة بنت نَوْفَل وما رُوي عن رؤياها التي أنذرت بقحطٍ أصاب قريشًا، وما تضمَّنه حديثها من وصف الأحوال والدُّعاء والاستسقاء، إلى جانب ما نُسِب إليها من شعرٍ في الثَّناء على عبد المُطَّلِب. ويَسُوق كذلك قصَّة قَيْلَة بنت مَخْرَمَة، وما حَكَتْه من رحلتها ولقائها بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وما دار من حديثٍ بشأن أرض الدَّهْنَاء وحقوق أهلها، ومطالبتها بما يحفظ حقَّها وحقَّ بناتها. وتكشف هذه الأخبار عن جانبٍ آخر من بلاغة النِّساء، يتمثَّل في القدرة على وصف الأشخاص والأماكن والأحداث، وسرد الوقائع الطويلة، وتقديم الحجج الملائمة للموقف، والتَّعبير عن الحاجة بعباراتٍ تجمع الوضوح وقوَّة التَّأثير.

ويَجْمَع ابن طَيْفُور طائفةً من الأقوال والحِكَم التي تُظْهِر رجاحةَ الرَّأي وحُسْن التَّصرُّف، وما عُرِف عن بعض النِّساء من القدرة على النُّصح والإرشاد وإصلاح الأخطاء. فمن ذلك وصيَّة وَلَّادَة العَبْدِيَّة لأحد مَن قصدها طالبًا النُّصح، وما تضمَّنته من الحثِّ على الصَّبر والحِلم، وضبط الغضب بالعلم، وصيانة الدِّين والعِرْض، واختيار الصَّاحب الأمين والمُستشار الحاذق. ويُورِد أقوالًا تُحَذِّر من الاغترار بالمظاهر، وتُؤَكِّد أنَّ الشَّرف إنَّما يكون بحُسْن الخُلُق والعمل، لا بجمال الثِّياب أو ارتفاع المنزلة. كما يجمع مواعظَ في التَّرفُّق بالنَّاس، وكَفِّ الأذى، ومراعاة تقلُّب الأحوال، وما قد يَحْدُث من انتقال الغِنَى إلى الفقر والقوَّة إلى الضَّعف. وتَرِد في هذا السِّياق أخبار نساءٍ خاطبن القُضَاة والوُلَاة في طلب العدل، أو واجهن أهل الجاه والمكانة بكلامٍ يُبْرِز تقصيرهم في أداء الحقوق، إلى جانب أخبار أعرابيَّاتٍ وصفن شدَّة الفاقة والحاجة وصفًا بليغًا، واستعطفن أصحاب المروءة بما يحمل على البذل والإحسان. ويَتَّخِذ المؤلِّف من هذه المواقف شواهدَ على أنَّ البلاغة لا تَنْحَصِر في المجالس الأدبيَّة، بل تَظْهَر كذلك في معالجة شؤون الحياة، والدِّفاع عن النَّفس، والمطالبة بالإنصاف.

وللخلافات الزَّوجيَّة والمفاخرة بين الرِّجال والنِّساء نصيبٌ واسعٌ من المختارات؛ إذ يَجْمَع ما قيل في مدح الأزواج وذمِّهم، ووصف أخلاقهم وطباعهم، وما دار بينهم وبين زوجاتهم من محاوراتٍ اتَّسمت بالسَّجْع والتَّشبيه وسرعة الجواب. ويُورِد حديث أمِّ زَرْعٍ وما اجتمعت عليه النِّساء الإحدى عشرة من وصف أزواجهنَّ، وما في أقوالهنَّ من تصويرٍ دقيقٍ للبُخْل والكَرَم، والجفاء وحُسْن العِشْرة، والشَّجاعة والجُبْن، مع شرح كثيرٍ من الألفاظ الغريبة والتَّعبيرات التي يَحْتَاج فهمها إلى معرفةٍ بلغة العرب وعاداتهم. ويَتَتَبَّع كذلك محاورة امرأة أبي الأَسْوَد الدُّؤَلِيِّ مع زوجها أمام معاوية بن أبي سفيان بعد طلاقها، وما دار فيها من تبادل التُّهَم والانتقادات في عباراتٍ مسجوعةٍ تُظْهِر قدرة كلٍّ منهما على وصف عيوب الآخر. ومن هذا الباب ما يرويه عن جُمْعَة وهِنْد بنتَي الخُسِّ في المفاضلة بين أصناف الرِّجال والنِّساء، ووصف المحاسن والمساوئ، واختيار ما يُحْمَد من الصِّفات أو يُذَمُّ. كما يُكْثِر من أخبار حُمَيْدَة بنت النُّعْمَان وزوجها رَوْح بن زِنْبَاع، وما تَبادَلَاه من أبيات الهجاء والمفاخرة والتَّعريض، وما يَرِد في هذه الأخبار من خصوماتٍ تتَّصل بالنَّسب والمال والغَيْرَة والبُخْل وحُسْن المعاشرة. وتَتَجَلَّى فيها قدرة النِّساء على استعمال السُّخرية والمقابلة والتَّورية، وتحويل الشَّكوى من أحوال الزَّواج إلى كلامٍ أدبيٍّ يجمع الفكاهة بالهجاء.

وفي أخبار ذوات الرَّأي والظَّرْف، يُورِد المؤلِّف مواقفَ تتعلَّق باختيار الأزواج، والمفاضلة بين الخُطَّاب، والمطالبة بحقوق الزَّوجة، والرَّدِّ على مَن يَتَعَدَّى عليها بقولٍ أو فعل. ويَذْكُر من ذلك بعض أخبار سُكَيْنَة بنت الحسين رضي الله عنها، وما دار بشأن زواجها وأحوالها، وأخبار نائلة بنت الفَرَافِصَة وما نُسِب إليها من وفاءٍ لعثمان بن عفَّان رضي الله عنه بعد مقتله. كما يروي ما جرى بين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وابنها عبد الله بن الزُّبَيْر رضي الله عنهما عند اشتداد الحصار عليه، وما تضمَّنته محاورتُهما من حديثٍ عن الثَّبات على الحقِّ، ورفض الذُّلِّ، والصَّبر على ما يترتَّب على المواقف من مشقَّة. ويُورِد كذلك أخبار نساءٍ واجهن مَن ظلمهنَّ أو أجبرهنَّ على الزَّواج أو سلبهنَّ حقوقهنَّ، فاحتججن بالكلام البليغ والرَّأي الحازم. ويَتَتَبَّع في هذه النَّماذج أثر الفطنة في الخروج من المواقف الحرجة، والقدرة على اختيار الجواب الذي يَحْفَظ الكرامة أو يَرُدُّ الإهانة، وما في ذلك من تفاوتٍ بين الاستعانة بالحكمة واللِّين، واللُّجوء إلى الهجاء والتَّوبيخ والسُّخرية.

ويُخَصِّص ابن طَيْفُور أخبارًا لنوادر النِّساء ومُجُونهنَّ وأجوبتهنَّ المُسْكِتَة، فيَجْمَع حكاياتٍ تقوم على المفاجأة وسرعة البديهة، وما تَتَضَمَّنه من تلميحاتٍ غزليَّةٍ وعباراتٍ جريئةٍ ومواقفَ ساخرةٍ تتعلَّق بالعلاقات بين الرِّجال والنِّساء. ويَسْتَعْرِض أخبارًا يتظاهر فيها بعض الرِّجال بالفطنة فيُفْحِمُه جوابُ امرأةٍ أقدرَ منه على التَّصرُّف، أو يحاول أحدهم الاستهزاء بامرأةٍ فتَرُدُّ عليه بما يجعله موضع السُّخرية. وتَرِد في هذه المختارات محاوراتٌ بين نساءٍ وشعراءَ معروفين، ومنهم الفَرَزْدَق وكُثَيِّر عَزَّة، وما قُوبِل به كلامهم من أجوبةٍ تُحَوِّل المعنى عليهم وتَكْشِف ما في أقوالهم من مبالغةٍ أو تَصَنُّع. ويَذْكُر كذلك مواقفَ لنساءٍ واجهن الخلفاء والأمراء بأجوبةٍ طريفةٍ جمعت بين الجُرأة وحُسْن التَّخلُّص، وما جرى في مجالس الأدب والسَّمَر من مُسَاجَلاتٍ ومُدَاعَبات. ولا تلتزم هذه النَّوادر جميعها حدود الموعظة والأدب الخُلُقيِّ؛ إذ يشتمل بعضها على وصفٍ صريحٍ للشَّهوات والعلاقات الخاصَّة، أو على هجاءٍ فاحشٍ وألفاظٍ خارجةٍ عن التَّعبير المُحْتَشِم، ممَّا يَعْكِس طبيعة كتب النَّوادر التي تَجْمَع الطَّريف والغريب والمُسْتَمْلَح دون الاقتصار على الأخبار الجادَّة.

ويَتَّسِع القسم الشِّعريُّ من الكتاب ليَجْمَع أشعار النِّساء في أغراضٍ متعدِّدة، مع عنايةٍ ظاهرةٍ بشعر الرِّثاء والحماسة والتَّحريض على طلب الثَّأر. ويُقَدِّم الخنساء، تُمَاضِر بنت عَمْرو السُّلَمِيَّة، بوصفها من أشهر الشَّاعرات وأجودهنَّ شعرًا، ويَسْتَعْرِض ما قالت في رثاء أخويها صَخْرٍ ومُعَاوِيَة، وما اشتملت عليه مراثيها من تصوير الفقد، والثَّناء على الشَّجاعة والكَرَم وحماية الجار، والحثِّ على الثَّأر. ويَذْكُر ما نُقِل من المفاضلة بين شعرها وشعر غيرها في مجالس النُّقَّاد، وما دار بينها وبين بعض الشُّعراء من محاوراتٍ تُظْهِر اعتدادها بشعرها وفصاحتها. ويَتَتَبَّع كذلك أشعار لَيْلَى الأَخْيَلِيَّة، وما ورد من هجائها ومجادلتها للشُّعراء، وما قالته في تَوْبَة بن الحُمَيِّر من مراثٍ وغزلٍ ووفاء. وتَرِد أشعار نساءٍ كثيراتٍ رثين آباءهنَّ وإخوتهنَّ وأزواجهنَّ وأبناءهنَّ، وما عَبَّرْن عنه من الحزن والأسى، أو من الغضب على القتلة والدَّعوة إلى الثَّأر، ومنها شعر قُتَيْلَة بنت الحارث في رثاء أخيها النَّضْر، وما نُسِب إليها من مخاطبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طلبًا للعفو عنه. ويُورِد المؤلِّف رواياتٍ مختلفةً لبعض هذه الأشعار والأخبار، ويُشير أحيانًا إلى ما وقع فيها من اختلافٍ في النِّسبة أو تفاصيل الحادثة.

وتَتَوَالَى الأشعار التي قيلت في الحروب والوقائع القبليَّة، وما فيها من رثاء الفرسان والسَّادة، والتَّفاخر بالأنساب، وذكر المآثر والمثالب، والحثِّ على الشَّجاعة والصَّبر، والتَّنديد بمَن فَرَّطوا في نصرة أقاربهم. ويَجْمَع في هذا الباب أشعار نساءٍ من قبائلَ عربيَّةٍ متعدِّدة، منها غَطَفَان وكِنَانَة وطَيِّئ وهَوَازِن وبنو سُلَيْم وغيرها، وما قلن في القتلى والأسرى والمظالم والنَّوائب. ويَتَنَوَّع التَّعبير فيها بين رثاءٍ هادئٍ يَذْكُر مناقب الميِّت ويَتَحَسَّر على فَقْده، ورثاءٍ حماسيٍّ يُحَوِّل الحزن إلى دعوةٍ للقتال، وهجاءٍ يَذُمُّ الجُبْن والخيانة والتَّخلِّي عن نصرة الأقارب. ويَظْهَر في هذه الأشعار ما كان للنِّساء من دورٍ في حفظ أخبار الوقائع والأنساب، والتَّعبير عن مواقف قبائلهنَّ ومصالحها، وما يَعْرِض لهنَّ من فقدٍ أو غُرْبَةٍ أو اضطرابٍ في الأحوال. ويَتَخَلَّل هذه المختارات شرحٌ لبعض الألفاظ الغريبة وأسماء المواضع والتَّعبيرات التي استعملتها الشَّاعرات، بما يُعِين على فهم المعاني وارتباطها ببيئة الشِّعر العربيِّ القديم.

وأمَّا النَّسِيب والغزل، فيَجْمَع المؤلِّف فيهما أشعارَ النِّساء التي تُصَوِّر المحبَّة والشَّوق والفراق والحنين إلى الأحبَّة والدِّيار. ويُورِد ما نُسِب إلى بُثَيْنَة في رثاء جَمِيل بن مَعْمَر، وما قالته عَفْرَاء بنت مالك في رثاء عُرْوَة بن حِزَام، وما اشتملت عليه هذه الأشعار من الوفاء للحبيب والحزن على فقده. كما يَسْتَعْرِض ما قالته أعرابيَّاتٌ في وصف جمال المحبوب والشَّوق إلى لقائه، وما يُعانِين من بُعْد الدِّيار ومشقَّة الفراق، وما يَتَمَنَّيْن من عودة الوَصْل أو انتقال الأحبَّة إلى جوارهنَّ. وتَرِد في هذه الأشعار صُوَرٌ مستمدَّةٌ من الرِّحلة والصَّحراء والمطر والرِّياح والنُّجوم والمنازل القديمة، وما يرتبط بها من ذكرياتٍ وأحاسيسَ تُثِير الحنين. كما يجمع أبياتًا في الشَّكوى من الزَّواج بغير رغبةٍ، وما تُعَبِّر به بعض النِّساء عن تفضيل الشَّباب على الشُّيوخ، أو اعتراضهنَّ على سوء العِشْرة والجفاء، إلى جانب أشعارٍ في الحنين إلى الأهل والبلاد بعد الانتقال إلى موطنٍ بعيد. وتُظْهِر هذه المختارات سَعَةَ الأغراض التي نَظَمَت فيها النِّساء، وتنوُّعَ أصواتهنَّ بين العاطفة الرَّقيقة، والتَّعبير الجريء، والشَّكوى، والسُّخرية، والمفاخرة.

ويَتَبَيَّن من مجموع الكتاب أنَّ ابن طَيْفُور أراد إبراز ما بلغته النِّساء من الفصاحة في النَّثر والشِّعر، وما امتلكن من قدرةٍ على الخطابة والمحاورة والمجادلة، والتَّعبير عن أحوالهنَّ ومواقفهنَّ في شؤون الدِّين والسِّياسة والمجتمع والحياة الخاصَّة. وقد جمع لذلك نصوصًا تتفاوت في الطُّول والموضوع والأسلوب؛ فمنها الخُطَب المطوَّلة ذات الجُمَل المسجوعة والحُجَج المتتابعة، ومنها الأجوبة الموجزة التي تقوم بلاغتها على سرعة البديهة، ومنها الحِكَم والمواعظ، والنَّوادر السَّاخرة، والمقطوعات الشِّعريَّة والقصائد التي تُصَوِّر الحزن والحُبَّ والفخر والغضب. ويَتَّسِم عمله بالاعتماد على الرِّواية وجمع المختارات، مع الاستفادة من أخبار النَّسَّابين واللُّغويِّين ورُواة الشِّعر، وإثبات بعض الاختلافات في الألفاظ والأسانيد والنِّسبة. وعلى الرغم من أنَّ الكتاب يَحْفَظ أخبارًا ذات قيمةٍ أدبيَّةٍ وتاريخيَّة، فإنَّ ورودها فيه لا يَكْفِي وحده لإثبات صحَّة نسبتها إلى أصحابها، ولا سيَّما الخُطَب المتعلِّقة بالخلافات السِّياسيَّة وأحداث الفتنة، التي يتضمَّن بعضها أقوالًا متنازعًا في ثبوتها. وتَكْمُن قيمة الكتاب في تنوُّع ما حَفِظَه من كلام النِّساء وأساليبهنَّ، وإبراز حضورهنَّ في الأدب العربيِّ القديم، وما قدَّمْنَه من نماذجَ في البلاغة والشِّعر والحكمة والفكاهة وحُسْن الجواب.




إحصائيات الكتاب
قُرئ 13 مرة حُمِّل 194 مرة
يقرأه 0 الآن انضم معهم
يحمّله 0 الآن انضم معهم

أبو الفضل ابن طيفور

أحمد بن أبي طاهر طَيْفُور، أبو الفضل، الخُرَاسَانِيّ، المعروف بابن طَيْفُور: مُؤرِّخٌ وأديبٌ وشاعرٌ، من الكُتَّاب البُلَغاء ورُواة الأخبار. أصلُه من مَرْو الرُّوذ بخُرَاسَان، ووُلِد ببغداد سنة 204هـ، حين دخلها الخليفة المأمون قادمًا من خُرَاسَان. نشأ بها، واشتغل بتأديب الأطفال، وعُنِي بالأدب والشِّعر والتَّاريخ ورواية الأخبار، وعُرف بسَعَة علمه وحُسْن بيانه. سمع من عُمَر بن شَبَّة، وأحمد بن الهَيْثَم السَّامِيّ، وعبد الله بن أبي سعيد الوَرَّاق، وغيرهم. وروى عنه ابنُه عُبَيْد الله، ومُحمَّد بن خَلَف بن المَرْزُبَان. وكان مُكْثِرًا من التَّصنيف، حتَّى بلغت مؤلَّفاته نحو خمسين كتابًا، أشهرها «كتاب بغداد» -المعروف أيضًا بـ«تاريخ بغداد»-، جمع فيه أخبار الخلفاء وأيَّامهم، وأخبار المدينة وأحوالها، واهتمَّ فيه بعصر المأمون، ولم يبقَ منه إلَّا الجزء السَّادس، وهو مطبوع. وله «المنثور والمنظوم» في أربعة عشر جزءًا، بقي منه الجزء الحادي عشر، وطُبعت قطعةٌ منه بعنوان «بلاغات النِّساء»، والجزء الثَّاني عشر، وهو مخطوط. ومن مؤلَّفاته أيضًا «كتاب المُؤلِّفين» و«سرقات الشُّعراء» و«سرقات البُحْتُرِيّ من أبي تَمَّام» و«فضل العرب على العجم» و«أخبار بَشَّار بن بُرْد». وله شِعرٌ أورد ياقوت الحَمَوِيّ طائفةً منه. تُوفِّي ببغداد ليلة الأربعاء، لأربعٍ بَقِينَ من جُمَادَى الأُولى سنة 280هـ، ودُفن بمقابر باب الشَّام.

عرض النبذة وكتب المؤلف