يَضُمُّ كتاب «كَلِيلَة ودِمْنَة»، الذي عَرَّبه عبد الله بن المُقَفَّع عن الفارسيَّة، حكاياتٍ وأمثالًا من الحكمة الهنديَّة، تجري على ألسنة الحيوانات والطُّيور، وتُصَوِّر أحوال البشر وأخلاقهم، وما يتَّصل بالعقل والحكمة، والصَّداقة والعداوة، والعدل والظُّلم، وتدبير شؤون المُلْك والحياة. وتَجْرِي الحكايات في صورة حوارٍ بين الملك دَبْشَلِيم والفيلسوف بِيدَبَا، يطلب فيه الملك أمثالًا لمواقفَ ومسائلَ مختلفة، فيُجِيبه الفيلسوف بقصصٍ تتفرَّع عنها حكاياتٌ أخرى، تتضمَّن الحكم والمواعظ والتَّوجيهات الأخلاقيَّة. ويَرْوِي الكتاب قصَّة وضعه للملك الهنديِّ، وانتقاله إلى بلاد فارس على يد الطَّبيب بَرْزَوَيْه، كما يَتَضَمَّن حديثًا عن طلب العلم وفضله، وأهمِّيَّة فهم ما يُقرأ والعمل به، وتهذيب النَّفس وتجنُّب الأهواء.
وتَتَنَاوَل حكاية «الأسد والثَّور» ما وقع بين الأسد والثَّور شَتْرَبَة من صداقةٍ أفسدها دِمْنَة بالمكر والنَّميمة، حتَّى حمل كلًّا منهما على الشَّكِّ في صاحبه، وانتهى الأمر بقتل الثَّور. ويُبَيِّن باب «الفحص عن أمر دِمْنَة» ما جرى بعد انكشاف مكيدته، وما ساقه من حُجَجٍ للدِّفاع عن نفسه. وفي مقابل ذلك، تُظْهِر حكاية «الحمامة المُطَوَّقَة» أثر التَّعاون بين الأصدقاء في النَّجاة من الأخطار، وما يكون من وفاء الإخوان وتناصرهم عند الشَّدائد. وتُحَذِّر حكاية «البُوم والغِرْبان» من الاغترار بالعدوِّ والثِّقة بمَن يُظْهِر المودَّة ويُضْمِر العداوة، بينما تُبَيِّن حكاية «القِرْد والغَيْلَم» عاقبة الغَدْر وضياع ما يَظْفَر به الإنسان إذا لم يُحْسِن المحافظة عليه، وتُصَوِّر حكاية «الجُرَذ والسِّنَّوْر» كيف قد تدعو الضَّرورة إلى مُصالَحة العدوِّ والتَّعاون معه لدفع خطرٍ مشترك.
وتَتَنَوَّع بقيَّة الحكايات في بيان ما ينبغي للملوك والأعوان من الحِلْم وحُسْن التَّدبير والتَّثبُّت قبل العقوبة، وما يَجِب من الحَذَر في اختيار الأصدقاء والمُستشارين، وتجنُّب الوشاية وسوء الظَّنِّ والتَّعَجُّل في الأحكام. ففي حكاية «الأسد والشَّغْبَر النَّاسك» يَظْهَر خطرُ سعاية الحاسدين بالأمناء، وما يَتَرَتَّب على تصديقهم من ظُلْمٍ، وفي حكاية «إيلاذ وبَلاذ وإيراخْت» تتجلَّى منزلة الحِلْم والمشورة في صيانة المُلْك من عواقب الخوف والتَّسرُّع. وتَعْرِض حكاية «اللَّبُؤَة والإسْوار والشَّغْبَر» عاقبةَ الاعتداء على الآخرين والاتِّعاظ بما يصيب الإنسان من المصائب، بينما تُحَذِّر حكاية «النَّاسك والضَّيْف» من تكلُّف ما لا يُحْسِنه المرء، وتُبَيِّن حكاية «السَّائح والصَّائغ» ضرورةَ وضع المعروف في موضعه، وعدم الاغترار بمن لا يَحْفَظ الجميل. كما تتناول حكاية «ابن الملك وأصحابه» أثر العقل والعمل والجمال والقَدَر في أحوال النَّاس، وتُخْتَتَم الحكايات بقصَّة «الحمامة والثَّعلب ومالك الحزين»، التي تُحَذِّر ممَّن يُحْسِن تدبير الأمور لغيره ولا يُحْسِن تدبيرها لنفسه.