يَنْتَخِب أبو زيد محمَّد بن أبي الخطَّاب القُرَشِيُّ في كتاب «جمهرة أشعار العرب في الجاهليَّة والإسلام» تسعًا وأربعين قصيدةً من عيون الشِّعر العربيِّ القديم، يُصَنِّفها في سبعة أقسامٍ هي: المُعلَّقات، والمُجَمْهَرات، والمُنْتَقَيَات، والمُذَهَّبَات، والمَراثي، والمَشُوبات، والمُلْحَمات. وتَضُمُّ هذه الأقسام قصائدَ لامرئ القيس وزهير بن أبي سُلْمَى والنَّابغة الذُّبْيَانِيِّ والأعشى ولَبِيد بن ربيعة وعَمْرو بن كُلْثُوم وطَرَفَة بن العبد وعَنْتَرَة بن شَدَّاد، إلى جانب مختاراتٍ من أشعار عُبَيْد بن الأَبْرَص، وعُرْوَة بن الوَرْد، وحَسَّان بن ثابت، وأبي ذُؤَيْب الهُذَلِيِّ، ومُتَمِّم بن نُوَيْرَة، والفَرَزْدَق، وجَرِير، والأَخْطَل، وغيرهم. وتَتَنَوَّع أغراضها بين الفخر والحماسة والمدح والهجاء والرِّثاء والغزل والحكمة والوصف، وما يتَّصل بذلك من تصوير الحروب والغارات، ومفاخر القبائل، وأحوال العشق والفراق، ومشاهد الرِّحلة والطَّبيعة، ووصف الخيل والإبل والسِّلاح.
ويَسْبِق هذه المختاراتِ بأخبارٍ ورواياتٍ تتعلَّق بالشِّعر والشُّعراء، فيَسْتَشْهِد بأشعار العرب على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ويُبَيِّن ما بينهما من اتِّفاقٍ في اللُّغة والاستعمال، وما يَرِد في كلام العرب من مجازٍ واختلافٍ في دلالات الألفاظ. ويَسُوق ما رُوِي عن النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، والصَّحابة رضي الله عنهم، والتَّابعين في الشِّعر والشُّعراء، وما نُقِل من أخبارٍ في أوائل مَن قال الشِّعر، والرِّوايات المتعلِّقة بشياطين الشُّعراء. كما يَعْرِض أقوال العلماء والرُّواة في طبقات الشُّعراء والمفاضلة بينهم، وما اختلفوا فيه من تقديم امرئ القيس أو زهير أو النَّابغة أو غيرهم، ويُورِد طائفةً من أخبار أصحاب القصائد وما اتَّصل بأشعارهم من حوادثَ ومواقف.
وتَتَمَيَّز المختارات بتنوُّع موضوعاتها وأزمنة قائليها؛ ففيها قصائدُ الفخر والحروب التي تُصَوِّر شجاعة الفرسان ومآثر القبائل، وأشعارُ الأوس والخزرج التي أُفْرِدَت في قسم المُذَهَّبَات، ومراثٍ تُعَبِّر عن الفجيعة بالموتى والحزن لفراقهم، ومنها مرثيَّة أبي ذُؤَيْب الهُذَلِيِّ لبنيه، ورثاء مُتَمِّم بن نُوَيْرَة لأخيه مالك، ومرثيَّة مالك بن الرَّيْب التي يذكر فيها غربته واقتراب أجله. وتَرِد في المَشُوبات قصائدُ لشعراء أدركوا الجاهليَّة والإسلام، ومنها قصيدة كعب بن زهير في مدح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بينما تَشْتَمِل المُلْحَمات على قصائدَ للفَرَزْدَق وجَرِير والأَخْطَل وذِي الرُّمَّة والكُمَيْت والطِّرِمَّاح وغيرهم، بما فيها من فخرٍ ومدحٍ وهجاءٍ ووصف.