
نبذة عن الكتاب:
يستقصي أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي في «أخبار مكَّة في قديم الدَّهر وحديثه» أخبار البلد الحرام والكعبة والمسجد الحرام والمشاعر وما اتَّصل بها من فضائل وأحكام وتاريخ وعمران، جامعًا الأحاديث والآثار والرِّوايات والأخبار بأسانيدها، ومضيفًا ما عاينه أو أدركه من أحوال مكَّة إلى عصره. ولذلك يتداخل في الكتاب الحديث والفقه والتَّاريخ والجغرافيا ووصف العمران وأخبار أهل مكَّة، بما يجعل صورة المدينة لا تقتصر على أحداثها الكبرى، بل تمتدُّ إلى معالمها وطرقها ومياهها ومجتمعها وتحوُّلاتها.
ويفصِّل ما يتعلَّق بالكعبة وما حولها، فيورد أخبار الحجر الأسود وفضله واستلامه، والملتزم والدُّعاء عنده، ثمَّ الطَّواف بالبيت وأحكامه وفضائله وما يتَّصل بالكعبة من أخبار. ويتناول مقام إبراهيم عليه السَّلام، وموضعه وما طرأ عليه بسبب السُّيول، وما نُقل في نقله وإعادته إلى موضعه، ويضبط المسافات بينه وبين الكعبة والحجر الأسود وزمزم وغيرها من مواضع المسجد.
ويجمع أخبار زمزم منذ قصَّتها مع إسماعيل عليه السَّلام وأمِّه، وما ورد في ظهور مائها واندثارها ثمَّ أخبارها بعد ذلك، وفضلها والشُّرب منها وأحكامها. ويقرن ذلك بوصف المسجد الحرام نفسه؛ فيتتبَّع عمارته والزيادات التي أُدخلت عليه في العصور المتعاقبة، ويصف جدرانه وأساطينه وأبوابه وطاقاته ومناراته، ويضبط أبعاد أجزائه والمسافات بين معالمه، وينقل أخبار ما اشترته السُّلطة من الدُّور لتوسعة المسجد وكيف أُدخلت في بنائه.
ويتناول شعائر الحج ومواضعها، فيورد ما يتَّصل بفرض الحج وفضله، والطَّواف والسَّعي بين الصَّفا والمروة، ويصف الصَّفا والمروة والمسعى وما كان ملاصقًا له من الأبنية. ثمَّ ينتقل إلى منى، فيحدِّد حدودها وطرقاتها والجمار ومواضعها ومسجد الخيف ومنزل النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيها وأحكام الرَّمي، ثمَّ يصف المزدلفة والمشعر الحرام وحدودها وطرقها، ويعرض عرفة وحدودها وفضلها وموقف النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ومسجدها وآبارها وحياضها والمسافات بينها وبين الحرم.
ويتوسَّع في أخبار مكَّة نفسها؛ فيذكر أسماءها والإقامة بها وفضلها، ومن أقام فيها من الخلفاء والصَّحابة رضي الله عنهم، ومن مات بها، ويورد أخبارًا تاريخيَّة مطوَّلة مثل حصار عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما وقتله وما أصاب أهل مكَّة أثناء ذلك. كما يحفظ خطبًا وأخبارًا ارتبطت بمكَّة، وينقل أخبار بعض أمرائها وقضاتها وعلمائها وعبَّادها وزهَّادها وأهل الظَّرف فيها، وما جرى في مجتمعها من عادات وأحداث.
ويرصد السُّيول التي اجتاحت مكَّة في الجاهليَّة والإسلام، وما أحدثته من أضرار بالكعبة والمسجد والدُّور والطرقات، وما أُقيم لمقاومتها من سدود وردوم، ويؤرِّخ لبعضها بأسمائها وأزمنتها وآثارها. كما يسجِّل «الأوائل» في مكَّة؛ فيجمع أخبار الأشياء والأعمال التي أُحدثت فيها، ومن كان أوَّل من فعلها، فيتتبَّع بذلك صورًا من تغيُّر المدينة وعاداتها ومؤسَّساتها عبر العصور.
ويصف خطط مكَّة ودورها ورباعها، وكيف توزَّعت الأراضي المحيطة بالحرم، وينقل أسماء الدُّور وأصحابها وما طرأ عليها من انتقال أو تغيير، وما ارتبط بها من أحداث وأشعار. ويبحث كذلك أحكام بيع دور مكَّة وكرائها وتملُّكها والبناء فيها، وينقل أقوال من أجاز ذلك ومن منعه، ثمَّ يعرض ما يتعلَّق بحدود الحرم وأحكام الصَّيد فيه وقطع شجره وإقامة الحدود داخله وما يجوز فعله فيه وما يمنع.
ويحفظ وصفًا تفصيليًّا لمعالم مكَّة خارج المسجد أيضًا؛ فيذكر المساجد والمواضع التي نُقل استحباب الصَّلاة فيها، وآثار النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّحابة رضي الله عنهم، والمقابر والجبال، ثمَّ الآبار والعيون والبرك وقصصها، والطرقات والشَّوارع والأسواق والشِّعاب. وعند مواضع ارتبطت بأحداث السِّيرة يستطرد في رواية الحدث نفسه؛ كما يفعل عند شعب البيعة وما يتَّصل ببيعة العقبة.
ويمتدُّ الوصف إلى ما حول مكَّة؛ فيذكر التَّنعيم والحديبية وحدود الحرم من جهاته المختلفة، وأودية الحل التي تصبُّ في الحرم، والمواضع التي مرَّ بها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم في بعض غزواتهم وأسفارهم، وحدود النَّواحي التابعة لمكَّة، رابطًا بين الأخبار التَّاريخيَّة والموضع الجغرافي الذي وقعت فيه.
ويعتمد الفاكهي في معظم ذلك طريقة المحدِّثين، فيسوق الرِّوايات بأسانيدها ويجمع الطُّرق والأخبار المتعلِّقة بالمسألة الواحدة، مستفيدًا من عدد كبير من شيوخه ومن كتب الحديث والمغازي وأخبار مكَّة، فحفظ بذلك نصوصًا كثيرة من مصنَّفات لم تصل كاملة. وقد عُدَّ كتابه من أوسع مصادر تاريخ مكَّة، ووُصف منهجه بالموسوعي لكثرة رواياته وتنوُّع مصادره وعنايته بعزو الأخبار.
وتتجلَّى قيمة الكتاب خصوصًا في جمعه بين الخبر المروي والوصف المباشر؛ فالـفاكهي لم يكتف بنقل ما وقع في القرون السَّابقة، بل شهد بعض عمارة الحرم وأحداث مكَّة ووصف ما رآه من المقام والمسجد ومعالم البلد وصفًا دقيقًا، فصار الكتاب سجلًّا لمكَّة من جهة فضائلها ومناسكها، وتاريخ عمرانها، ومعالمها وطرقها ومياهها، وأهلها وحكَّامها، وما تعاقب عليها من أحداث حتى زمن المؤلِّف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














