
نبذة عن الكتاب:
يُقابل أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري في «نحو القلوب» بين قواعد النحو الظَّاهرة وأحوال السُّلوك الباطنة، منطلقًا من أنَّ النَّحو في أصل معناه هو القصد، وأنَّ النَّاس يختلفون في مقاصدهم؛ فمنهم من يكون غاية علمه تقويم اللِّسان، ومنهم من يجعل همَّه تقويم الجَنان. ولذلك يميِّز بين «صاحب العبارة» الذي ينظر إلى أحكام الألفاظ، و«صاحب الإشارة» الذي يستخرج منها معاني تهذيب النَّفس والقرب من الله تعالى.
ويبدأ بأقسام الكلام؛ فالاسم والفعل والحرف عند أهل العبارة تقابلها عند أهل الإشارة الأقوال والأفعال والأحوال. ويجعل الأقوال دالَّة على العلوم التي تتقدَّم العمل، ثمَّ تأتي الأفعال الصَّالحة، ثمَّ تكون الأحوال مواهب يهبها الله تعالى لعبده بعد صدق العلم والعمل. ومن هذا الأصل يمضي في إعادة قراءة المصطلح النحوي بحيث يصير مدخلًا إلى معنى تربوي أو روحي.
ويفسِّر الاسم من جهة السُّلوك بما يَسِم الله تعالى به العبد من سعادة أو شقاوة في سابق مشيئته، ثمَّ ينتقل إلى الصَّحيح والمعتل؛ فكما أنَّ الاسم الصَّحيح يسلم من حروف العلَّة، يجعل سلامة العبد من «ألف الإلباس، وواو الوسواس، وياء اليأس» علامةً على صحَّة حاله، ويربط ذلك بالانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين ثمَّ حقِّ اليقين.
ويحوِّل موانع الصَّرف إلى موانع عن القبول والوصول؛ فالجمع عنده أن يجمع العالم الدُّنيا أو يجمع النَّاس حوله، والصَّرف أن يصرف وجوههم إليه، والوصف أن يقصد أن يُعرف بالخير، والتأنيث ضعف العزم، والمعرفة معرفة نعم الله تعالى مع التَّقصير في شكرها، والعجمة كتمان العلم، والعدل العدول عن الطَّريق، والتركيب خلط العمل بأفعال الجهل، ثمَّ يجعل «ألف أنا» و«نون العظمة» من مداخل العجب، حتى إذا اجتمعت هذه العلل انصرف العبد عن القبول وانحرف عن طريق الوصول.
ويجعل الإعراب صورةً لحركة القلب والسُّلوك؛ فالرفع رفع الهمَّة إلى الله تعالى، والنَّصب نصب البدن في طاعته، والخفض خفض النَّفس بالتَّواضع، والجزم قطع القلب عمَّا سواه، والسُّكون سكونه إليه. ويقابل بين «المعرب» المتغيِّر وبين «المبني» الثَّابت، فيجعل الأول مثالًا لأصحاب التلوين، والثَّاني لأصحاب التمكين الذين استقامت أحوالهم ولم تعد تتقلَّب بتقلُّب الواردات.
ويعيد تفسير المعرفة والنَّكرة والمبتدأ والخبر على هذا الأساس؛ فالمعروف هو من ثبت له صدق وحظٌّ بين أهل السُّلوك، والمنكر من لا نصيب له سوى الأكل والنَّوم. والمبتدأ المرفوع بتجرُّده عن العوامل يصير مثالًا للفقير المتجرِّد الذي ارتفع قدره بانقطاعه عن العلائق، وكذلك الخبر يرتفع عنده بتعلُّقه بالحقائق الواردة من الخالق.
ثمَّ يتناول الأفعال الماضية والحاضرة والمستقبلة، ويجعلها مقابلةً لاختلاف أحوال السَّالكين؛ فمنهم من ينظر إلى ما سبق من أمره، ومنهم من يشغله الخوف من الخاتمة، ومنهم من يجمع همَّه على إصلاح الوقت الذي هو فيه. ويجعل رفع فعل الحال مرتبطًا بسلامة العبد من ملاحظة عمله ومن الفتور، لأنَّ رؤية العمل عنده ناصب، والفتور جازم، فإذا تخلَّص منهما ارتفع قدر صاحبه.
وفي باب الفاعل والمفعول يجعل ارتفاع الفاعل إشارةً إلى شهود أنَّ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، أمَّا العبد فيرى نفسه مفعولًا به فينصب نفسه للعبادة والخدمة. ويستثمر باب الحال ليصوِّر السَّالك مشغولًا بإصلاح حاله، حريصًا على إخفاء نفسه وعدم طلب الشُّهرة، متستِّرًا بحاله كما تُنكر النَّكرة ولا تتعيَّن.
ويجعل التَّمييز رمزًا لانكشاف الفرق بين الحق والباطل بعد التفقُّه والسُّلوك، فلا يصل العبد إلى مقام التَّمييز عنده إلا بعد إحكام العلم ثمَّ المجاهدة، فإذا تمَّ له ذلك صار أهلًا لإصلاح غيره. ثمَّ يفسِّر البدل على درجات مختلفة: فبدل الكل من الكل عنده للعارفين الذين تركوا الكل فعُوِّضوا بالكل، وبدل البعض للعابدين الذين استبدلوا المعاصي بالطَّاعات واللَّذَّات بالمجاهدات، وبدل الاشتمال لمن جمعت أعمالهم الخوف والرَّجاء، وبدل الغلط لمن استبدلوا القرب بحظوظ عاجلة.
ويواصل هذا البناء في النَّعت والعطف والتوكيد وحروف الجر؛ فالنَّعت يذكِّر بأنَّ أعمال الإنسان تابعة له ولا تفارقه، والعطف يتحوَّل إلى سؤال الله تعالى أن يعطف على عبده ويلحقه بأهل قربه، والتوكيد يصير تحقيقًا للإيمان وتوثيقًا للعهد، أمَّا حروف الجر فيجعلها مدخلًا إلى خفض النَّفس تواضعًا حين يعلم العبد أنَّ الأشياء بالله تعالى ومنه وإليه.
وينتهي «نحو القلوب» إلى تحويل علم النَّحو من نظام لضبط أواخر الكلمات إلى شبكة من الإشارات التربويَّة التي تضبط مقاصد العبد وحركات قلبه؛ فكما يطلب النَّحوي سلامة اللِّسان من اللَّحن، يطلب السَّالك عند القشيري سلامة القلب من العجب والرِّياء واليأس والوسواس، ورفع الهمَّة، وخفض النَّفس، وجزم التعلُّق بما سوى الله تعالى، والثَّبات على الطَّاعة حتى يستقيم الظَّاهر والباطن معًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














