
نبذة عن الكتاب:
يَنْتَقي ابن عبد البر الأندلسي في «بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس» طائفة واسعة من الأمثال السَّائرة، والأبيات النَّادرة، والحِكَم البالغة، والحكايات المستطرفة، موزِّعًا إيَّاها على موضوعات الدِّين والدُّنيا والأخلاق والمعاشرة والبيان وسائر ما يدور في مجالس النَّاس. ويقصد أن يزوِّد قارئه بما يحسن الاستشهاد به في المحادثة والمذاكرة، فيجد لكلِّ معنى بيتًا أو مثلًا أو حكمةً أو خبرًا يوافقه، ويجعل الكتاب أنسًا في الخلوة كما يجعله زينةً في المجالسة.
ويتميَّز منهجه بأنَّه لا يجمع الأقوال المتوافقة في الباب وحدها، بل يضمُّ إلى المعنى ضدَّه؛ ليتمكَّن القارئ من متابعة جليسه فيما يقول، أو معارضته بما يقابل قوله من الحكمة والشِّعر والخبر. كما يبوِّب ما جمعه لتقريب الحفظ والمطالعة، ويفتتح أكثر الأبواب بحديثٍ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يتبعه بأقوال الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين والعلماء والحكماء والعرب، وما نُقل من حِكَم العجم وسائر الأمم.
ويبدأ بأدب المجالسة وحقوق الجليس، فيورد ما يتعلَّق بالسَّلام، والتوسعة في المجلس، وحفظ سرِّ الجليس، وحسن الاستماع، وترك مقاطعة المتحدِّث، وإكرام القادم، واختيار الصَّاحب الصَّالح، واجتناب من لا يُنتفع بعلمه أو خلقه. ويقرن هذه الآداب بحكايات ومواقف وأشعار تُظهر تطبيقها، كالإصغاء إلى المتحدِّث وإن كان السَّامع يعرف حديثه، وإعطاء الجليس حقَّه من الإقبال والتوقير وحسن العشرة.
ويتوسَّع في شأن اللِّسان والبيان؛ فيعقد للبلاغة وحسن الكلام والإيجاز أبوابًا، ويجمع ما قيل في فضل الفصاحة وأثر الكلمة الحسنة، ثمَّ يقابل ذلك بذمِّ العِيِّ وحشو الكلام وكثرة الفضول. ويورد تعريفات متعدِّدة للبلاغة تدور حول إصابة المعنى، وتقليل اللَّفظ، وحسن الدَّلالة، والبعد عن التكلُّف، كما يستطرد إلى اللَّحن وتعلُّم العربيَّة والنَّحو وما عُدَّ من كمال الأدب وإقامة اللِّسان.
ويقابل فضل الكلام بفضل الصَّمت، فيجمع ما يحذِّر من إطلاق اللِّسان في غير نفع، ومن الغيبة والفضول والزَّلل وسرعة القول قبل وزن عاقبته. ولا يجعل أحدهما محمودًا بإطلاق؛ فالكلام عنده محمود إذا دلَّ على هدى أو دفع ضررًا أو أفاد علمًا، والصَّمت محمود حين يكون القول لغوًا أو معصيةً أو بابًا للنَّدم، ولذلك تتجاور في الكتاب الحِكَم التي تمدح حسن البيان مع الأقوال التي تجعل حفظ اللِّسان من دلائل العقل.
ويتناول العقل والحمق والتجربة والرَّأي، فيجمع العلامات التي يُعرف بها العاقل والجاهل، وما قيل في حسن التَّدبير وسداد المشورة وضبط النَّفس. وتدخل في ذلك أخبار سرعة البديهة وحسن الجواب، وحكايات من أُرتجَّ عليهم في الخطب أو أخطؤوا في الكلام، فيظهر من خلال الطَّرفة نفسها الفرق بين الحضور الذِّهني والتكلُّف، وبين من يملك عبارته ومن تعجزه ساعة المواجهة.
ويعرض للحلم والغضب، فيجمع ما قيل في ملك النَّفس عند ثورانها، والعفو مع القدرة، وكظم الغيظ، وما يتبع الغضب من ندم واعتذار. ويقابل ذلك بأخبار من حملتهم الحدَّة على الخطأ، وبحِكَم تجعل الحلم شاهدًا على العقل، وتجعل السَّيطرة على النَّفس أبلغ في القوَّة من الغلبة البدنيَّة.
ويخصُّ المروءة والكرم والنَّجدة والعفاف بحيِّز واسع، وينقل تعريفات مختلفة للمروءة تجمع حفظ الدِّين وصيانة النَّفس وإصلاح المال وإكرام الجار وحسن المعاملة. ويفرِّق في بعض الأخبار بين مروءة الحضر ومروءة السَّفر؛ فيدخل فيها بذل الزَّاد وحسن الخلق ومداعبة الرَّفيق من غير معصية، كما يدخل فيها لزوم المساجد وتلاوة القرآن والعفاف. ويورد مع ذلك ما يتصل بالسَّخاء والبخل، وحفظ الجار، والوفاء، والصَّبر في المواطن، والإقدام عند الشَّدائد.
ويعالج الصَّداقة والإخاء وحفظ الودِّ، وما يجب للصَّاحب من النُّصح والسِّتر والوفاء، وما يفسد العشرة من الملل والجفاء وإفشاء السِّر وسوء الظن. ويعرض في مقابل ذلك أخبار العزلة والوحدة وفساد بعض المجالس، فيوازن بين منفعة الجليس الصَّالح وضرر جليس السُّوء، ويجعل اختيار الصُّحبة جزءًا من تهذيب العقل والخلق.
ويتناول الغنى والفقر والمال والجاه والقناعة والطَّمع، فيجمع ما قيل في منفعة المال وقضاء الحاجات به، وما قيل في ذمِّ التعلُّق بالدُّنيا وجعل الغنى معيارًا لفضل الإنسان. ويورد الحديث في أنَّ الغنى غنى النَّفس، ثمَّ يقابله بما يصوِّر مشقَّة الفقر وتأثير المال والجاه في معاملة النَّاس، فتظهر المسألة من جهتيها الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة.
وتتخلَّل هذه الأبواب نوادر الأعراب والشُّعراء والخطباء والقضاة والملوك، وأجوبة مفحمة ومواقف ساخرة وأمثال قصيرة وأبيات جرت مجرى الحِكَم؛ فترد الطُّرفة أحيانًا لبيان سوء العِيِّ، وأحيانًا لكشف الحمق أو سرعة البديهة أو فساد الطَّمع أو حسن الاحتمال. ولهذا يجاور الخبرُ الجادَّ النَّادرةَ المضحكة، ويخدم كلاهما غرضًا واحدًا هو إبراز الخُلُق أو المعنى الذي عقد له الباب.
ويعرض كذلك للصَّبر والرِّضا والقناعة والحسد والحياء والوفاء والعفو والاعتذار، ولأحوال النَّاس مع السُّلطة والمال والمصائب وتقلُّب الدَّهر، مستخرجًا من أخبارهم وأشعارهم ما يدلُّ على تقلُّب الأحوال وسرعة زوال الحظوظ. ويجتمع في هذه الأبواب أدب المعاشرة مع تهذيب النَّفس، فتتجاور الوصيَّة بحسن الخلق، وضبط اللِّسان، وإكرام الجليس، وكظم الغيظ، وصيانة المروءة، والقناعة بما قسم الله تعالى، والحذر من الطَّمع والحمق وسوء الصُّحبة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














