
نبذة عن الكتاب:
يكشف ابن الجوزي في هذا الكتاب طرائق إبليس في إظهار الباطل بصورة الحقِّ، وإدخال الشُّبه على النُّفوس، واستغلال الجهل والهوى والغفلة لإفساد الاعتقاد والعمل، ويجعل العلم والسُّنَّة واليقظة من أهمِّ ما يُدفع به هذا التَّلبيس. وقد صرَّح بأنَّه ألَّف الكتاب للتحذير من مكايد إبليس ومصايده، لأنَّ معرفة الشَّرِّ تعين على اتِّقائه، ثمَّ رتَّبه في 13 بابًا تنتقل من أصول الاعتصام بالسُّنَّة والتحذير من البدع إلى صور التَّلبيس التي تصيب أصحاب العقائد والعلم والسُّلطة والعبادة والزُّهد والتَّصوُّف والعوام، قبل أن يجعل تطويل الأمل آخر مداخل إبليس التي يشترك فيها النَّاس.
ويؤسِّس كلامه على العلاقة بين العقل والشَّرع؛ فيجعل العقل آلةً لمعرفة الخالق والتَّصديق بالرُّسل، لكنَّه لا يستقلُّ بإدراك جميع ما يحتاج إليه الإنسان، ولذلك جاءت الرُّسل والكتب بالهداية والبيان. ويشبِّه الشَّرع بالشَّمس والعقل بالعين السَّليمة التي تبصر بنورها، ثمَّ يربط ظهور الانحراف باتِّباع الهوى والتَّقليد والعادات ومخالفة ما جاءت به الرُّسل عليهم السلام.
ويبدأ بالأمر بلزوم السُّنَّة والجماعة، فيجمع الأحاديث والآثار التي تحثُّ على اتِّباع طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والاقتصاد في السُّنَّة بدل الاجتهاد في البدعة، ولزوم ما كان عليه السَّلف قبل ظهور الاختلاف. ويربط النَّجاة من التَّلبيس بمعرفة الأثر والوقوف عند حدود الشَّريعة، ويرى أنَّ الشَّيطان يستفيد من الانفراد عن العلم والجماعة ومن استحسان الإنسان ما لم يقم عليه دليل.
ثمَّ يذمُّ البدع والمبتدعين، ويشرح معنى السُّنَّة والبدعة كما يفهمهما؛ فالسُّنَّة عنده طريق الاتِّباع، والبدعة إحداث ما لم يكن له مستند صحيح من الشَّرع. ويفرِّق بين ما يناقض الشَّريعة أو يزيد عليها وينقص منها، وبين بعض الأمور المحدثة التي تستند إلى أصل مشروع، مستشهدًا بجمع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه النَّاس على قيام رمضان، ليبيِّن أنَّ مجرَّد حدوث الصُّورة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي عنده للحكم بالذَّمِّ إذا كان أصلها مشروعًا. ويناقش كذلك ما نُقِلَ في افتراق الفرق، ويعرض تقسيمات طائفة من أهل المقالات للفرق المخالفة، مع نسبة الأقوال إليهم كما وجدها في مصادره.
ويحذِّر من فتن إبليس ومكايده، فيشرح الصِّراع بين العقل والهوى والشَّهوة والغضب، ويرى أنَّ الشَّيطان لا يخلق هذه الدَّوافع في الإنسان، بل يستثمرها ويدفعها إلى تجاوز حدِّها. ويضرب أمثلةً على التَّدرُّج في الإغواء؛ فالإنسان قد لا يُنقَل مباشرةً من الطَّاعة إلى الكبيرة، وإنَّما يبدأ معه إبليس بخطوة تبدو صغيرة أو حسنة ثمَّ يجرُّه منها إلى ما بعدها. ويسوق في ذلك قصصًا وآثارًا، من أشهرها قصَّة العابد الذي بدأ بإيواء امرأة وإعانتها ثمَّ تدرَّج به التَّسويل حتَّى وقع في الفاحشة والقتل ثمَّ الكفر، جاعلًا القصَّة مثالًا على خطر الاسترسال مع الخطوات الأولى.
ويعرِّف التَّلبيس بأنَّه إظهار الباطل في صورة الحقِّ، والغرور بأنَّه جهل يحمل الإنسان على اعتقاد الفاسد صحيحًا والرَّديء جيِّدًا. ويشبِّه القلب بالحصن الذي يسكنه العقل، وتحيط به مداخل يتربَّص بها الشَّيطان، وكلَّما زاد العلم والذِّكر واليقظة ضاقت تلك المداخل، وكلَّما كثرت الغفلة والجهالة اتَّسعت. ومن هنا يجعل أصل مقاومة التَّلبيس معرفة مواضع الخلل في النَّفس قبل وقوع العدوِّ منها.
ويتوسَّع في صور التَّلبيس في العقائد والدِّيانات، فيذكر السُّفسطائيَّة والفلاسفة والدَّهريَّة والثَّنويَّة ومنكري النُّبوَّات وغيرهم، وينقل ما نُسِبَ إليهم من أقوال ثمَّ يردُّ عليها من منظور عقدي. كما يتناول أصنافًا من أهل الكتاب والمجوس وبعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، ويناقش مسائل تتعلَّق بالخالق والنُّبوَّة والبعث والقدر والصِّفات والإمامة وغيرها. وترد في هذا الباب حكايات تاريخيَّة وتقسيمات للفرق ومذاهبها بحسب المصادر التي اعتمد عليها ابن الجوزي، فلا يقتصر على مذهب واحد من الانحراف الذي يريد التَّحذير منه، بل يجعل الباب استعراضًا واسعًا لما يعدُّه من نتائج تلاعب إبليس بالعقول والعقائد.
ثمَّ ينتقل إلى العلماء، فيبيِّن أنَّ العلم نفسه قد يصبح بابًا للتَّلبيس إذا تحوَّل من وسيلة إلى معرفة الحقِّ والعمل به إلى أداة للرِّياسة أو الخصومة أو جمع الغرائب. فيذكر من صور ذلك انشغال بعض القرَّاء بالقراءات الشَّاذَّة مع الجهل بالفرائض، والتَّصدُّر للإقراء طلبًا للشُّهرة، وما يقع لبعض المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين والوعَّاظ وأهل اللُّغة من إيثار جانب من العلم على ما هو أوجب منه، أو الاشتغال بالجدل والتَّفريع والخصومات مع ضعف العمل وإصلاح القلب. ولا يجعل العالم بمنأى عن العُجب؛ بل يرى أنَّ من أخفى مداخل إبليس على العالم أن يزيِّن له إحساسه بالتَّفوُّق والعلم حتَّى يعجب بنفسه.
ويخصُّ الولاة والسَّلاطين بصور أخرى من التَّلبيس، فيذكر أنَّ السُّلطة قد توهم صاحبها أنَّ توليته دليل محبَّة الله تعالى له، أو أنَّ الهيبة لا تتحقَّق إلا بالكِبر والابتعاد عن النَّاس، أو أنَّ شدَّة البطش لازمة لحفظ الملك. وينتقد الظُّلم وأخذ الأموال بغير حقٍّ، وإعانة العمَّال على الجبايات المحرَّمة، ومصاحبة من يزيِّن للحاكم أفعاله، ويجعل الميزان في الولاية إقامة الشَّرع والعدل لا مجرَّد حصول السُّلطان.
ويفصِّل تلبيسه على العُبَّاد في فنون العبادة، ويجعل الجهل أوسع أبوابه إليهم؛ فقد يؤثر المتعبِّد النَّافلة على تعلُّم فرضٍ يحتاج إليه، أو يبالغ في الطَّهارة والوضوء حتَّى يقع في الوسوسة، أو يشقُّ على نفسه في الصَّلاة والصِّيام والحجِّ والذِّكر بما لم يُشرع، أو يتعلَّق بصورة العبادة مع الغفلة عن عمل القلب. ويؤكِّد أنَّ كثرة العبادة لا تمنع الانحراف إذا انفصلت عن العلم، وأنَّ إبليس قد يزيِّن للإنسان فعلًا من جنس الطَّاعة ليصرفه به عن طاعة أعلى وأوجب.
ويتناول الوسوسة في الطَّهارة والصَّلاة، والمبالغة في تكرار الوضوء أو النيَّة والتَّكبير، وما يقع من بعض العُبَّاد من تشديد على أنفسهم في المأكل والنَّوم واللِّباس أو ترك حقوق الأهل والبدن بدعوى الزُّهد. ويعرض كذلك صور الرِّياء الخفيِّ، كأن يتكلَّف العابد هيئة الخشوع أو إظهار آثار العبادة، أو يحرص على معرفة النَّاس بطول قيامه وصيامه وإن لم يصرِّح بذلك.
ثمَّ يشرح تلبيسه على الزُّهَّاد، فيفرِّق بين الزُّهد في الحرام وفضول الدُّنيا وبين اعتقاد أنَّ الدُّنيا مذمومة في ذاتها. وينتقد من يهجر المال والأهل والجماعة وطلب العلم، أو يخرج إلى الجبال منفردًا، ويظنُّ أنَّ ترك أسباب المعاش كلِّها هو الزُّهد، مع احتمال تضييع والديه أو عياله أو واجباته. ويقرِّر أنَّ المذموم عنده ليس الطَّعام واللِّباس والمسكن والمال من حيث هي أشياء دنيويَّة، وإنَّما أخذها من غير حلِّها أو الإسراف فيها أو جعلها غايةً للقلب.
ويفرد بابًا طويلًا للصُّوفيَّة باعتبارهم طائفةً نشأت في أصلها من الزُّهد والتَّعبُّد ثمَّ دخلت على بعض المنتسبين إليها، في تصوُّره، ممارسات وأقوال تحتاج إلى النَّقد. ويذكر نشأة الاسم وما قيل في نسبته، ثمَّ يناقش لبس الصُّوف، وترك الكسب، والسِّياحة، والجوع، والخلوة، والسَّماع، والرَّقص، والوجد، والصَّعق، ولبس المرقَّعات، وصحبة الشُّيوخ، وما يتَّصل بمصطلحات الأحوال والمقامات والتَّوكُّل والمحبَّة والفناء. ويميِّز في مواضع بين الزُّهَّاد الأوائل الذين يثني على تمسُّكهم بالعلم والسُّنَّة وبين ممارسات ينسبها إلى بعض المتأخِّرين، ويردُّ ما يعدُّه مخالفًا للكتاب والسُّنَّة أو مؤدِّيًا إلى إسقاط التَّكاليف.
ويتوقَّف عند السَّماع خصوصًا، فيناقش ما يصحبه من شعر وألحان وحركات ورقص، وما قد ينشأ عنه من إثارة الطَّبع والشَّهوة ثمَّ يُفسَّر على أنَّه وجد ديني. وينتقد دعوى أنَّ كلَّ ما يرد على القلب من خاطر أو حال يكون دليلًا على القرب من الله تعالى، ويجعل ميزان الخواطر والأحوال موافقتها للشَّرع، لا شدَّة تأثيرها النَّفسي في صاحبها.
ويبحث تلبيس إبليس على المتديِّنين بما يشبه الكرامات، فيحذِّر من جعل الأمور الخارقة أو المصادفات معيارًا للولاية والصَّلاح. فقد يرى المرء نورًا أو يحصل له ما طلبه أو يسمع صوتًا أو يرى منامًا فيظنُّ ذلك كرامةً خاصة، بينما يحتمل عند ابن الجوزي أن يكون اتفاقًا أو اختبارًا أو تلبيسًا. ويؤكِّد أنَّ العاقل لا يبني دينه على هذه الظَّواهر، وأنَّ العلم والاستقامة مقدَّمان على الاستدلال بالخوارق، وينقل أمثلةً عمَّن خدعتهم أحوال ظنُّوها دليلًا على منزلتهم.
ثمَّ ينتقل إلى العوام، ويرى أنَّ قلَّة العلم تجعل أبواب التَّلبيس عليهم أكثر اتِّساعًا؛ فيذكر الوساوس في ذات الله تعالى وصفاته، والتَّعلُّق بالخرافات والسِّحر والكهانة والتَّنجيم، وبعض الممارسات المتعلِّقة بالقبور والمشاهد والأشجار والتَّبرُّك بها، والنُّذور والمواسم والعادات التي يراها بلا أصل. كما يتناول أخطاءً في الطَّهارة والصَّلاة والجنائز والزَّواج والمعاملات، ويخصُّ النِّساء بجملة من الأمثلة المتعلِّقة بالطَّهارة والسِّتر وحقوق الزَّوج وما يدخل عليهنَّ من العادات والمعتقدات التي يعدُّها مخالفةً للشَّرع.
ويؤكِّد في هذا الباب أنَّه لم يقصد استقصاء جميع صور الخطأ، لأنَّها لا تنحصر، وإنَّما أراد ذكر نماذج يُقاس عليها ما يشابهها. ولهذا تتنوَّع أمثلته من العقائد والعبادات إلى العادات الاجتماعيَّة، ويظلُّ الأصل الجامع بينها عنده أنَّ الجهل يسهِّل قلب الموازين، فيرى الإنسان ما ليس بقربة قربةً، أو يهتمُّ بأمر محدث ويغفل عن فرضٍ ثابت.
ويجعل تطويل الأمل من المداخل التي لا تختصُّ بطائفة؛ فيصوِّر إبليس مثبِّطًا من أراد الانتقال من الباطل إلى الحقِّ، ومسوِّفًا للعاصي بالتَّوبة، ومؤخِّرًا للعالم عن درسه والعابد عن قيامه وصاحب الفضيلة عن المبادرة إليها. ويجعل أصل هذا التَّلبيس اعتماد الإنسان على زمن لم يُضمن له، فيضعف عمله اليوم اعتمادًا على غدٍ قد لا يبلغه، ولذلك يربط الحزم بتدارك الوقت وترك التَّسويف واستحضار قرب الموت. ويشبِّه الحازم والمسَوِّف بمسافرين نزلوا منزلًا؛ فتأهَّب أحدهما للرَّحيل وبقي الآخر يؤخِّر الاستعداد ظنًّا أنَّ الإقامة ستطول، فجاء الرَّحيل بغتةً، فنجا المستعدُّ وندم المفرِّط. ومن استحضر أنَّه في صراع لا يفتر فيه عدوُّه، لم يعتمد على طول الأمل، بل بادر إلى إصلاح ما يقدر عليه قبل أن يفجأه الموت.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














