
نبذة عن الكتاب:
يَزِن أبو حامد الغزالي في «ميزان العمل» الأعمال والأخلاق بحسب أثرها في سعادة الإنسان وشقائه، منطلقًا من أنَّ السَّعادة المطلوبة لا تُنال إلا بالعلم والعمل معًا، وأنَّ معرفة العمل النَّافع تحتاج إلى معيار يميِّزه من العمل الذي يصدُّ النَّفس عن كمالها. ولذلك يبدأ بإثبات أنَّ الفتور عن طلب السَّعادة مخالف لمقتضى العقل، ثمَّ ينتقل إلى تحديد العلم والعمل اللَّذين يقودان إليها، وتهذيب قوى النَّفس، وضبط الفضائل والرَّذائل، ومراتب الخيرات التي ينبغي للإنسان أن يطلبها.
ويقرِّر في أوَّل الكتاب أنَّ السَّعادة الأخرويَّة بقاء بلا فناء، ولذَّة بلا عناء، وسرور بلا حزن، وغنى بلا فقر، ويرى أنَّ احتمال تعب محدود في الدُّنيا من أجلها موافق لحكم العقل، كما يحتمل النَّاس المشقَّات في التِّجارة والصِّناعة والعلم طلبًا لمنفعة مؤجَّلة أقلَّ منها بكثير. ويردُّ تقصير النَّاس في سلوك هذا الطَّريق إلى ضعف اليقين وغلبة الغفلة والشَّهوة، لا إلى خفاء المصلحة نفسها.
ويعرض مواقف متعدِّدة من حقيقة السَّعادة بعد الموت، فيذكر اعتقاد جمهور المسلمين في نعيم الآخرة الحسِّي وغيره، ثمَّ ما يقوله بعض الفلاسفة والصُّوفيَّة في اللَّذَّة العقليَّة، ثمَّ يناقش من ينكر المعاد أو العاقبة أصلًا. ولا يقصد من هذا العرض التَّسوية بين هذه المذاهب، بل يريد أن يبيِّن أنَّ أكثرها، على اختلافها، تنتهي إلى ضرورة الاستعداد بالعلم والعمل، وأنَّ الإنسان حتى مع فرض الشَّك ينبغي له عقلًا أن يسلك طريق الأمان إذا كان الخطر المحتمل عظيمًا والعوض الدُّنيوي يسيرًا.
ثمَّ يحدِّد طريق السَّعادة في العلم والعمل؛ فالعلم عنده يكشف للنَّفس حقائق الأشياء ويرفعها إلى كمالها، والعمل يطهِّرها ممَّا يمنعها من الانتفاع بالعلم. ويشرح أنَّ المقصود بالعمل ليس مجرَّد الحركة الظَّاهرة، بل رياضة الشَّهوة، وضبط الغضب، وكسر استيلاء القوى النَّفسانيَّة حتى تخضع للعقل ولا تستعبده؛ فمن قهر شهواته كان أملك لنفسه ممَّن تملكه رغباته وإن ملك الأموال والسُّلطة.
ويجعل معرفة النَّفس مدخلًا إلى إصلاحها؛ فيقسِّم قواها إلى مدركة ومحرِّكة، ويشرح الحواس الظَّاهرة والقوى الباطنة كالخيال والحفظ والوهم والتَّفكير، ثمَّ يميِّز في النَّفس الإنسانيَّة بين القوَّة العالمة والقوَّة العاملة. ويرى أنَّ وظيفة القوَّة العاملة سياسة البدن وقهر الشَّهوة والغضب بحسب حكم العقل، أمَّا القوَّة العالمة فوظيفتها تلقِّي المعقولات وإدراك الحقائق، وأنَّ تفاوت النَّاس في كمالهم راجع إلى ما تحصِّله هذه القوَّة من العلم وإلى مقدار تزكية النَّفس من العوائق.
ويرتِّب قوى الإنسان في نظام يخدم بعضه بعضًا، فيجعل العقل في منزلة الرَّئيس، وتخدمه القوَّة العمليَّة، ثمَّ الوهم والخيال والحواس، بينما تخدم الشَّهوة والغضب حركة البدن. ومن هنا يربط الخُلُق بترتيب هذه القوى: فإذا استولت الشَّهوة والغضب على العقل نشأت الأخلاق الرَّديئة، وإذا خضعتا له وتحرَّكتا بحسب توجيهه تكوَّنت الفضائل، وصارت قوى الإنسان آلات توصله إلى العلم والعمل بدل أن تستعبده للَّذَّة والغضب.
ويجعل أمهات الفضائل أربعًا: الحكمة، والشَّجاعة، والعفَّة، والعدالة. فالحكمة فضيلة القوَّة العقليَّة، والشَّجاعة فضيلة القوَّة الغضبيَّة، والعفَّة فضيلة القوَّة الشهوانيَّة، والعدالة انتظام هذه القوى كلِّها على الوجه الذي ينبغي. ولا يعرِّف الفضيلة بالمبالغة في الصِّفة، بل يجعلها وسطًا بين طرفين مذمومين؛ فالشَّجاعة بين التهوُّر والجبن، والعفَّة بين الشَّره والخمود، والحكمة العمليَّة بين الخبث والبله، ويجعل ميزان هذا الوسط حكم العقل المؤدَّب بالشَّرع.
ويطبِّق هذا المعيار على الشَّهوات المختلفة، فيبحث شهوة البطن والفرج، والمال والرِّياسة وحبَّ الثناء، ويرى أنَّ فسادها لا يكون في مجرَّد وجودها، بل في خروجها عن المقدار الذي خُلقت له. فشهوة الطَّعام مثلًا خُلقت لحفظ البدن ليكون آلةً لتحصيل الكمال، فإذا تحوَّلت إلى غاية تستولي على العقل خرجت عن الاعتدال، كما أنَّ إخمادها بحيث يعجز الإنسان عن حفظ بدنه نقصٌ من الجهة المقابلة.
ويشرح نسبة العمل إلى العلم بتشبيه النَّفس بمرآة علاها الصَّدأ؛ فالعمل يزيل عنها كدورات الشَّهوة والغضب، والعلم هو ما تنطبع به الحقائق بعد صفائها. ولذلك يجعل المجاهدة وإزالة الأخلاق الرَّديئة شرطًا لكمال النَّفس، لا غايةً مستقلَّة؛ فالغرض من كسر الشَّهوة ليس التَّعذيب، بل تحرير النَّفس من العلائق التي تمنعها من إدراك ما يكمِّلها. وكلَّما استمر الإنسان في اتِّباع الشَّهوة تراكمت عليه الهيئات الرَّديئة، وكلَّما جاهدها استعدَّ لقبول العلم والفضيلة.
ويوازن بين طريق الصُّوفيَّة وطريق أهل النَّظر في تحصيل المعرفة؛ فيعرض قول الصُّوفيَّة بتقديم تصفية النَّفس وقطع العلائق والإقبال على الذِّكر والمجاهدة حتى تنكشف الحقائق، ثمَّ يعرض طريق النُّظَّار القائم على تحصيل العلوم البرهانيَّة قبل التفرُّغ للرِّياضة. ولا يحكم بأفضليَّة أحد الطَّريقين لكلِّ أحد، بل يفرِّق بحسب الاستعداد والعمر والقدرة والمعلِّم؛ فيرى أنَّ أكثر النَّاس أولى بالاشتغال بإصلاح العمل، أمَّا من امتلك الذَّكاء والاستعداد وأدرك العلم على يد من يحسن تحقيقه فيمكنه الجمع بين التعلُّم ثمَّ التجرُّد للمجاهدة.
ثمَّ يميِّز العلوم المقصودة لذاتها من العلوم التي تُطلب وسيلةً؛ فاللُّغة والنَّحو ونحوهما أدوات بحسب الحاجة، أمَّا غاية العلم النَّظري عنده فهي معرفة الله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وملكوت السَّماوات والأرض والنَّفس الإنسانيَّة من حيث دلالتها على خالقها. ويقسِّم العلم العملي إلى معرفة سياسة النَّفس، وسياسة الأهل ومن يتصل بالإنسان، وسياسة المجتمع، ويجعل أهمَّ هذه المراتب تهذيب الإنسان لنفسه؛ لأنَّ من عجز عن إقامة العدل في قواه وشهواته كان أبعد عن إقامته في غيره.
ويصنِّف الخيرات والسَّعادات إلى مراتب، فيجعل أعلاها السَّعادة الأخرويَّة، ثمَّ الفضائل النَّفسيَّة التي تجمع العقل والعلم، والعفَّة والورع، والشَّجاعة والمجاهدة، والعدالة والإنصاف. ويليها ما يعين عليها من سلامة البدن وصحَّته وقوَّته، ثمَّ المال والأهل والعز وما يحيط بالإنسان من أسباب، ثمَّ الهداية والرُّشد والتَّسديد والتَّأييد من الله تعالى. ولا يجعل المال أو الجاه أو الصِّحَّة سعادةً لذاتها، بل بحسب مقدار خدمتها للغاية الأعلى أو إعاقتها عنها.
ولهذا يفرِّق في آخر بحثه بين ما هو خير لذاته، وما هو خير لأنَّه وسيلة إلى غيره، وما ينفع في بعض الأحوال ويضرُّ في غيرها، محذِّرًا من انقلاب الوسائل إلى غايات. فالعلم والعمل والأخلاق عنده لا تُوزن بكثرتها أو بصورتها وحدها، وإنَّما بقدر ما تحرِّر النَّفس من استعباد الشَّهوة والغضب، وتحقِّق فيها الحكمة والعفَّة والشَّجاعة والعدالة، وتوجِّه قواها إلى الكمال الذي يرى أنَّ السَّعادة الإنسانيَّة تتحقَّق به.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














