
نبذة عن الكتاب:
يرتِّب الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتاب «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف» أعمال المسلم على مواسم السَّنة، فيجمع ما اختصَّت به الشُّهور والأيَّام الفاضلة من الطَّاعات والعبادات، ويشرح ما ورد في فضائلها وأحكامها، ويربط تعاقب الأزمنة بتجدُّد فرص التَّوبة والعمل والاستعداد للآخرة. ويسير في ذلك على شهور السَّنة الهلاليَّة من المحرَّم إلى ذي الحجَّة، فلا يذكر من الشُّهور ما لم يقف له على وظيفة خاصَّة، ثمَّ ينتقل إلى وظائف بعض فصول السَّنة، جامعًا بين الأحاديث والآثار وأقوال السَّلف والمواعظ والأشعار، مع عناية ظاهرة بأعمال القلوب وما ينبغي أن تثمره العبادة في سلوك صاحبها.
ويمهِّد لهذه المواسم ببيان الحكمة في تعاقب اللَّيل والنَّهار والشَّمس والقمر، وما جعله الله تعالى في الأزمنة من مواقيت للعبادات والآجال والأعمال، ثمَّ يعقد مجلسًا في التَّذكير بالله عزَّ وجلَّ وأثر مجالس الذِّكر والمواعظ في القلوب. ويتناول تقلُّب القلب بين اليقظة والغفلة، وحاجة العبد إلى تجديد التَّذكير، وما في مجالس الخير من حياة القلوب، ثمَّ يصل ذلك بفناء الدُّنيا وسرعة انقضائها وضرورة التَّزوُّد للآخرة قبل انتهاء الأجل.
ويبدأ وظائف الشُّهور بالمحرَّم، فيشرح فضل صيامه استنادًا إلى حديث «أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم»، ويتناول حرمة الأشهر الحرم وفضل الطَّاعة فيها، ثمَّ يفرد عاشوراء ببيان فضل صيامه وما ثبت من حال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيه، وانتقال الأمر من موافقة أهل الكتاب إلى مخالفتهم بصيام يوم قبله، مع مناقشة ما رُوي في خصائص هذا اليوم. ويعرض كذلك ما يتَّصل برجوع الحاجِّ من حجِّه، وعلامات الحجِّ المبرور، وأثر الحجِّ المقبول في صلاح حال صاحبه بعد عودته.
ويخصُّ صفر بما ورد في حديث «لا عدوى ولا هامة ولا صفر»، فيناقش اعتقادات الجاهليَّة في العدوى والطِّيَرة والتَّشاؤم، ويجمع النُّصوص التي قد يبدو بينها تعارض في شأن انتقال المرض والأسباب، موضِّحًا موقع التَّوكُّل على الله عزَّ وجلَّ مع الأخذ بالأسباب، وما يتعلَّق بذلك من الفأل والطِّيَرة واليُمن والشُّؤم.
ويجعل ربيعًا الأوَّل مجالًا للحديث عن سيرة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في مولده ووفاته؛ فيذكر دلائل نبوَّته السابقة لمبعثه، وما يتَّصل بزمان مولده وأخبار ولادته، ثمَّ ينتقل إلى مرضه الأخير وإشاراته إلى قرب أجله واشتداد مرضه واحتضاره ووفاته ودفنه، وموقف الصَّحابة رضي الله عنهم من المصيبة. ويستخرج من ذلك معنى عموم الموت لجميع الخلق، وضرورة الإكثار من ذكره، والتَّأسِّي بمصيبة المسلمين بوفاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند نزول سائر المصائب.
ويبحث في رجب منزلته في الأشهر الحرم، وما ورد في فضله وفضل الصَّلاة والصِّيام والعمرة فيه، فيميِّز ما ثبت من الأخبار ممَّا لم يثبت، ويناقش تخصيصه بصيام أو قيام لا يقوم عليه دليل صحيح. ويتعرَّض لما أحدثه النَّاس من تعظيم بعض لياليه وصلواتها، ويذكر ما عُرف بصلاة الرَّغائب وما يتَّصل بها، فلا يجعل مجرَّد اشتهار العمل بين النَّاس دليلًا على مشروعيَّته، بل يردُّ وظائف الموسم إلى ما صحَّ من السُّنَّة وعمل السَّلف.
ويجعل شعبان مقدِّمةً لرمضان، فيشرح كثرة صيام النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيه، ويتناول معنى رفع الأعمال إلى الله تعالى، وفضل العمل في الأوقات التي يغفل عنها النَّاس، وما في العبادة الخفيَّة زمن الغفلة من مزيد الإخلاص. ويتناول ليلة النِّصف من شعبان وما ورد فيها، وأحوال السَّلف في تعظيمها، ثمَّ يبحث صيام آخر شعبان والنَّهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين، وصوم يوم الشَّكِّ، والاستعداد لدخول شهر الصِّيام.
ويفصِّل وظائف رمضان ابتداءً من رؤية هلاله واستقبال الشَّهر، فيعرض خصائصه من فتح أبواب الجنَّة وإغلاق أبواب النَّار وتصفيد الشَّياطين، ويشرح فضل الصِّيام والقيام وتلاوة القرآن والذِّكر والدُّعاء والصَّدقة وإطعام الطَّعام. ويبرز اقتران الصِّيام بالقرآن، ويذكر عناية السَّلف بتلاوته في رمضان، كما يبيِّن أنَّ حقيقة الصِّيام لا تقتصر على ترك الطَّعام والشَّراب، بل تشمل صيانة الجوارح عن المعاصي وحفظ اللِّسان والسَّمع والبصر، حتى يجتمع للعبد صيام الظَّاهر والباطن.
ويعرض مراتب الصَّائمين وما يفسد ثمرة الصِّيام من اللَّغو والرَّفث والزُّور والمعاصي، ويربط الجوع بكسر الشَّهوة وتذكُّر الفقراء ومعرفة قدر النِّعم. ويشرح ما للصَّائم من فرحتين، وما ورد في خلوف فمه، وباب الرَّيَّان، ومضاعفة الأجر، ثمَّ يتناول الجود في رمضان واقتداء المسلمين بجود النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا سيَّما عند مدارسته القرآن.
ويخصُّ العشر الأواخر بمزيد من البيان، فيذكر اجتهاد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيها وإحياءه اللَّيل وإيقاظه أهله وشدَّه المئزر، ويتناول الاعتكاف وقطع العلائق للتَّفرُّغ لعبادة الله عزَّ وجلَّ. ويفصِّل فضل ليلة القدر، وسبب تسميتها، وما ورد في تعيينها وانتقالها في ليالي الوتر، وفضل قيامها إيمانًا واحتسابًا، والدُّعاء المأثور فيها: «اللهمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعفُ عنِّي»، رابطًا طلب العفو بحال العبد الذي لا يستغني عن مغفرة ربِّه مهما اجتهد في الطَّاعة.
ويعالج انقضاء رمضان من جهة قبول العمل لا من جهة مجرَّد انتهاء الزَّمن؛ فيذكر حال السَّلف في الخوف من ردِّ أعمالهم واهتمامهم بالقبول بعد الاجتهاد، ويبيِّن أنَّ من علامات قبول الحسنة أن تتبعها حسنة، وأنَّ عبادة الله تعالى لا تنقطع بانقضاء موسم. ويتناول زكاة الفطر والتَّكبير وعيد الفطر، وما يجتمع في العيد من شكر الله تعالى على إتمام الصِّيام والقيام، ثمَّ ينتقل إلى صيام ستَّة أيَّام من شوَّال وما فيه من استكمال أجر صيام الدَّهر وجبر ما وقع في الفريضة من نقص.
ويعرض في ذي القعدة ما يتَّصل بكونه من الأشهر الحرم وبمواقيت الحجِّ، ثمَّ تتَّسع مادَّة ذي الحجَّة لفضل عشره الأوائل، فيشرح حديث «ما من أيَّام العمل الصَّالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيَّام»، ويبيِّن اجتماع أمهات العبادات فيها من الصَّلاة والصِّيام والصَّدقة والحجِّ والذِّكر، وفضل الإكثار من التَّهليل والتَّكبير والتَّحميد. ويقارن بين فضائل عشر ذي الحجَّة والعشر الأواخر من رمضان بحسب ما اختصَّ به كلُّ موسم من الأيَّام واللَّيالي والأعمال.
ويفرد يوم عرفة ببيان منزلته وفضل الوقوف فيه للحاجِّ وصيامه لغير الحاجِّ، وما ورد في عتق الله تعالى لعباده من النَّار ومباهاته بهم، وكثرة الدُّعاء والذِّكر والتَّوبة فيه. ويتناول يوم النَّحر باعتباره من أعظم أيَّام الحجِّ، وما يجتمع فيه من الرَّمي والنَّحر والحلق والطَّواف، ويبحث الأضحية وما يتعلَّق بها من التَّقرُّب إلى الله تعالى وإراقة الدَّم له، ثمَّ يعرض أيَّام التَّشريق وما ورد فيها من كونها أيَّام أكل وشرب وذكر لله عزَّ وجلَّ، مع استمرار التَّكبير والذِّكر عقب الصَّلوات وفي سائر الأحوال.
ويربط انتهاء العام الهجري بمحاسبة النَّفس على ما مضى من العمر، فالأعوام والشُّهور والأيَّام عنده مراحل من عمر الإنسان لا تعود بعد انقضائها، وكلُّ يوم يمرُّ يحمل معه جزءًا من الأجل. ومن هنا تتكرَّر في الكتاب الدَّعوة إلى اغتنام المواسم قبل فواتها، وعدم الاغترار بإدراك موسم بعد موسم؛ لأنَّ العبرة ليست بطول البقاء، بل بما أودعه العبد في أوقاته من طاعة وما أصلحه من قلبه وعمله.
ويمتدُّ معنى المواسم عند ابن رجب إلى فصول السَّنة الشَّمسيَّة، فيعرض الرَّبيع وما يذكِّر به تجدُّد الأرض بعد موتها من البعث والنُّشور، وما تثيره مشاهدة خضرتها وأزهارها من الاعتبار بنعيم الجنَّة وزوال نعيم الدُّنيا. ويعرض الشِّتاء بوصفه موسمًا يعين المؤمن على بعض الطَّاعات لطول ليله وقصر نهاره، فيطول فيه وقت القيام ويسهل الصِّيام، ويستحضر ما كان السَّلف يرونه فيه من فرصة للعبادة. أمَّا شدَّة الحرِّ في الصَّيف فتُستثمر في تذكُّر حرِّ جهنَّم والاستعاذة منها، وفي بيان فضل الصِّيام وتحمل العطش في سبيل الله تعالى، وما كان عليه الصَّالحون من الصَّبر على مشقَّة العبادة رجاء ما عند الله عزَّ وجلَّ.
وتنتهي موضوعات الكتاب بالتَّوبة والمبادرة إليها قبل انقضاء العمر، فيبيِّن أنَّ عمر الإنسان هو ميدان عمله، وأنَّ تأخير التَّوبة اعتمادًا على امتداد الأجل مخاطرة بما لا يملكه العبد. ويشرح شروط التَّوبة من الإقلاع عن الذَّنب والنَّدم عليه والعزم على عدم العود، وما يتَّصل بردِّ حقوق العباد، ويحضُّ على تدارك ما بقي من العمر بعد ضياع ما مضى؛ فالأوقات الفاضلة كلُّها وسائل إلى غاية واحدة هي رجوع القلب إلى الله تعالى والاستقامة على طاعته، ومن لم تدفعه مواسم الخير إلى إصلاح ما بينه وبين ربِّه بقي معرَّضًا لفوات العمر قبل أن يستدرك تقصيره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














