يَشْرَحُ أبو الحَجَّاج يوسف بن سليمان الأَعْلَم الشَّنْتَمَرِيُّ في كتاب «تحصيل عين الذَّهَب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب» الشَّواهدَ الشِّعريَّة التي احتجَّ بها سيبويه في «الكتاب»، فيُحَدِّد موضعَ الاستشهاد في كلِّ بيتٍ، ويُفَسِّر وجهَ دلالته على القاعدة النَّحويَّة أو الصَّرفيَّة التي أُورِد من أجلها، ويكشف ما خَفِيَ من تراكيبه ومعانيه. ويستخرج الشَّواهد من أبواب «الكتاب» بحسب ترتيب ورودها، مع نسبة الأبيات إلى قائليها حيث عُرِفوا، وبيان المسائل التي استُشْهِد بها عليها، ثمَّ يُوَضِّح المعنى المقصود من الشِّعر، ويشرح ألفاظه الغريبة، وما يتوقَّف فهمه على معرفة أحوال العرب وعاداتهم وأخبارهم.
ويُفَصِّل في توجيه الشَّواهد النَّحويَّة، فيُبَيِّن وجوه الرَّفع والنَّصب والجرِّ، وعمل الأفعال والحروف، وأحكام الإضافة والنَّعت والبدل والاستثناء، وما يتعلَّق بالحذف والإضمار والتَّقدير، والفصل بين الكلمات المرتبطة في التَّركيب، والحمل على اللَّفظ أو المعنى، والاتِّساع في الكلام. ويعتني بما أجازه الشُّعراء من الضَّرورات التي تخالف الاستعمال المعتاد، كحذف الحروف وزيادتها، وتغيير أبنية الكلمات، وإظهار ما حقُّه الإدغام، والتَّصرُّف في صيغ الألفاظ لإقامة الوزن والقافية. ويتناول ما تتضمَّنه الأبيات من مسائل التَّصريف، وأبنية الأسماء والأفعال، والإعلال والإبدال، وأحكام التَّذكير والتَّأنيث، وصيغ الجموع، واختلاف لغات العرب في النُّطق والتَّركيب، مع تعليل الأوجه اللُّغويَّة وبيان القياسيِّ منها والنَّادر.
ويُناقش المواضع التي تحتمل أكثر من وجهٍ في الإعراب أو التَّقدير، فيذكر توجيهات النُّحاة واختلافهم، ويُرَجِّح بينها بالاستدلال من اللَّفظ والمعنى والاستعمال العربيِّ، وقد يُخالِف سيبويه في بعض التَّقديرات أو يختار وجهًا غير الذي اعتمده غيره من الشُّرَّاح. ويُميِّز بين روايات الأبيات إذا اختلفت ألفاظها، ويُبَيِّن ما يترتَّب على اختلاف الرِّواية من تغيُّر المعنى أو وجه الاحتجاج، ويستعين بنظائر من الشِّعر وكلام العرب لتفسير الظَّواهر اللُّغويَّة وتوضيح عللها.
ويُعْنَى عنايةً ظاهرةً بتفسير المعاني الشِّعريَّة، فلا يقتصر على موضع الاستشهاد، بل يكشف غرض الشَّاعر في المدح أو الهجاء أو الفخر أو الرِّثاء أو الوصف، ويشرح ما في الأبيات من تشبيهاتٍ واستعاراتٍ وألفاظٍ مخصوصةٍ بحياة العرب وبيئتهم، ويذكر ما يحتاج إليه فهمها من أسماء المواضع والقبائل والأنساب وأخبار الأشخاص. وقد يستكمل البيت إذا لم يَرِد منه إلَّا شطرٌ، أو يستعين بما يسبقه أو يليه من الأبيات لإيضاح سياقه، ويذكر المناسبات التي قيلت فيها بعض الأشعار، وأسباب تسمية بعض الشُّعراء وألقابهم، مع التَّرجيح بين المعاني المختلفة للبيت عند تعدُّد احتمالاته. وبذلك يجمع شرحُه بين تحرير وجوه الاحتجاج النَّحويِّ والصَّرفيِّ، وتفسير الألفاظ والمعاني، وتوثيق ما يتَّصل بالشَّواهد من رواياتٍ وأخبارٍ تُعين على فهم كلام العرب.