كتاب فكر ومباحث لعلي الطنطاوي PDF
أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة
يستقصي علي الطنطاوي في هذا الكتاب قضايا متنوِّعة من الفكر والأدب واللُّغة والتاريخ والتَّشريع والاجتماع متتبِّعًا أصولها ومُناقشًا ما أُثير حولها من آراءٍ ومذاهب ومُستعينًا بالشَّواهد التاريخيَّة والنُّصوص الأدبيَّة والتَّجارب التي اكتسبها من التَّدريس والقضاء والصِّحافة. ويضمُّ الكتاب مقالاتٍ وبحوثًا كُتبت في أزمنة متفرِّقة تتراوح بين النَّقد الأدبي والدِّراسة اللغويَّة والبحث الفقهي والتَّأمُّل الفكري ويغلب عليها الاستدلال والموازنة بين الآراء واستحضار النَّماذج التي تكشف مواضع القوَّة والضَّعف. ويستهلُّ المؤلِّف فصوله بحديث «لغتكم يا أيُّها العرب» فيُحذِّر من تراجع العربيَّة على ألسنة المتعلِّمين وأقلام الكُتَّاب وما شاع من اللَّحن في الصُّحف والمدارس والخُطب ويُقابل بين عناية الأمم بلغاتها وإهمال العرب للغتهم رغم ما تمتاز به من دقَّة القواعد واتِّساع الاشتقاق وغزارة الألفاظ. ويستحضر رحلته إلى باكستان وما شاهده من إقبال أهلها على تعلُّم العربيَّة ويَدعو الحكومات العربيَّة إلى اغتنام هذه الرَّغبة بإيفاد المعلِّمين وإنشاء المعاهد ونشر لغة القرآن الكريم. ثم يتناول في «آفة اللُّغة هذا النَّحو» ما أصاب الدِّراسات النَّحويَّة من تعقيدٍ بسبب اختلاف المذاهب وكثرة التَّعليلات والإغراق في المسائل النَّادرة فيستعرض أخبار الخليل وسيبويه والكسائي وابن خالويه وأبي علي الفارسي والرُّمَّاني وغيرهم من أئمَّة العربيَّة ويُناقش أثر الخصومة بين البصريِّين والكوفيِّين في تضخُّم مسائل النَّحو. ويَدعو إلى الاقتصار في التَّعليم العام على القواعد التي تُقيم اللِّسان وتُعين على فهم الكلام العربي وترك دقائق الخلافات والعلل لمن يتخصَّص في تاريخ اللُّغة وعلومها.
ويبحث الطنطاوي في طبيعة الأدب ومكانته وصلته بملكات الإنسان العقليَّة والوجدانيَّة ففي «بين العلم والأدب» يُعارض المفاضلة التي تجعل التَّقدُّم العلمي مقياسًا وحيدًا لقيمة المعرفة ويُفرِّق بين الحقيقة التي يبحث عنها العلم والجمال الذي يتجلَّى في الأدب والخير الذي تهدف إليه الأخلاق. ويستدلُّ على منزلة الخيال والعاطفة في حياة الإنسان وتأثيرهما في الإبداع والكشف العلمي ويُوازن بين تغيُّر النَّظريَّات العلميَّة وبقاء الآثار الأدبيَّة التي تحتفظ بجمالها رغم اختلاف العصور مع تنبيهٍ لاحقٍ إلى أنَّه لم يَعُد يقول ببعض ما قرَّره في هذا البحث. وينتقل في «العقيدة بين العقل والعاطفة» إلى مناقشة المناظرة التي جرت بين عبد المنعم خلَّاف وسيِّد قطب حول بناء الإيمان على الاستدلال العقلي أو الشُّعور الوجداني فيُحدِّد معنى العقل والعاطفة ويُبيِّن تداخلهما في النَّفس الإنسانيَّة ويُفرِّق بين البديهيَّات العقليَّة والأحكام الفرديَّة التي يختلف فيها النَّاس. ويُقرِّر أنَّ العقل يستطيع الاستدلال على وجود الله تعالى ولكنَّه لا يستقلُّ بإدراك حقائق الغيب وتفاصيل العقيدة وأنَّ الإيمان يتجاوز المحاكمة المنطقيَّة المجرَّدة إلى التَّصديق القلبي والطُّمأنينة الوجدانيَّة مستشهدًا بأقوال الفلاسفة والمتكلِّمين وما انتهى إليه بعضهم من الإقرار بحدود العقل في المسائل الإلهيَّة.
ويُفرد المؤلِّف للبحث الأدبي والنَّقدي فصولًا يتناول فيها تكوين الشَّاعر وطرائق دراسة النُّصوص وأصول الحكم على الآثار. ففي «من غزل الفقهاء» يردُّ على من يستنكر اشتغال العلماء بالشِّعر والغزل ويُبيِّن أنَّ التَّديُّن لا يُنافي الإحساس بالجمال والتَّعبير عن العاطفة ويستشهد بأشعار عروة بن أذينة وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة والقُشيري والقاضي عبد الوهَّاب المالكي وغيرهم من الفقهاء الذين جمعوا بين المعرفة الشَّرعيَّة والقدرة الشِّعريَّة. ويستعرض في «مقالة في التَّحليل الأدبي» منهجًا لدراسة الأديب يبدأ بتعرُّف عصره وبيئته وأصوله ونشأته وتكوينه النَّفسي والجسمي والعقلي ثم ينتقل إلى دراسة آثاره من حيث موضوعاتها وأفكارها وعواطفها وخيالها وأسلوبها ومصادر تأثُّرها وتأثيرها. ويُناقش أثر الوراثة والبيئة والتَّربية والمطالعة والحوادث الشَّخصيَّة في بناء الشَّخصيَّة الأدبيَّة ويُؤكِّد أنَّ النَّقد لا يكتمل بجمع أحكام السَّابقين وترديدها بل يستلزم فهم الأديب وتحليل نصوصه والكشف عن العلاقة بين حياته وإنتاجه. ويبحث في «المَلَكة والثَّقافة» حاجة الشَّاعر إلى الاستعداد الفطري والدِّراسة معًا فيُفرِّق بين صاحب القريحة الذي يُحسن النَّظم بفضل الموهبة المصقولة بالثَّقافة وصاحب العبقريَّة الذي يبتكر المعاني والصُّور ابتكارًا وقد يبلغ في شعره ذُرى عالية ويهبط في مواضع أخرى. ويستحضر نماذج من شعر شوقي وحافظ ومطران ليُوضِّح الفروق التي يراها بين جودة الصِّياغة ووثبة الخيال والابتكار.
ويعتني الطنطاوي بالتُّراث الشِّعري تحقيقًا وتفسيرًا وإحياءً ففي «من شوارد الشَّواهد» يتعقَّب طائفةً من الأبيات المشهورة التي يكثر الاستشهاد بها ويجهل كثيرٌ من النَّاس قائليها فينسبها إلى أصحابها ويستخرج مواضعها من القصائد ويُعرِّف بالشُّعراء ويُورد ما يتَّصل بالشَّواهد من أخبارٍ وروايات. ويُخصِّص للأبيوردي دراسةً يُعارض فيها إهمال الشُّعراء الذين عاشوا بين عصر المعرِّي وعصر البارودي والحكم على تلك القرون جميعها بالانحطاط الأدبي فيُعرِّف بشخصيَّة الأبيوردي ويحلِّل شعره في الفخر والاعتزاز بالنَّفس والشَّجاعة والصَّبر والطُّموح إلى إعادة المجد الأموي ويستخرج من قصائده ما يُصوِّر ترفُّعه عن الذُّل ومقاومته تقلُّبات الدَّهر. كما يُقدِّم في «تعبير الرُّؤيا لابن قتيبة» وصفًا لنسخةٍ مخطوطة من كتابٍ عدَّه من نفائس التُّراث المفقود فيبحث نسبة الكتاب ومقدِّمته ومنهجه ويستعرض ما أورده ابن قتيبة من آياتٍ وأحاديث وأقوالٍ لغويَّة في حقيقة الرُّؤيا وتعبيرها وصلتها بالنَّفس والرُّوح. ويُقارن بين بعض مباحثه وما تناوله الباحثون الغربيُّون في دراسة الأحلام ويُبيِّن قيمة الكتاب من جهة البحث الدِّيني والنَّفسي واللُّغوي وما اشتملت عليه أبوابه البالغة 46 بابًا من شواهد الشِّعر والأدب.
ويتَّجه المؤلِّف في «بحث في الوظيفة والموظَّفين» إلى دراسة نشأة الوظيفة والحكومة وغايات العمل العام فيستعرض نظريَّات قيام السُّلطة ونظام الوظائف في الحضارات القديمة ثم يتناول الأسس التي يُقرِّرها الإسلام في اختيار القائمين على شؤون النَّاس من الكفاية والأمانة والقدرة على أداء الواجب. ويُناقش ما شاع من المحاباة والوساطة والحرص على المناصب وتقديم غير المؤهَّلين لها وما ينشأ عن ذلك من فساد الإدارة وإضاعة الحقوق ويستحضر مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء رضي الله عنهم في تولية العمَّال ومحاسبتهم. ويبحث الصِّلة بين أحكام الشَّريعة والقوانين الإداريَّة وما يُمكن تنظيمه من شؤون الوظيفة بما يُحقِّق المصلحة العامَّة دون مخالفة الأصول الشَّرعيَّة. وفي «القضاء في الإسلام» يستعرض منزلة القضاء وشروط القاضي وآداب الحكم واستقلال القضاء عن نفوذ الحكَّام ويورد من أخبار القضاة ما يُظهر تحرِّيهم العدل وامتناع بعضهم عن تولِّي المنصب أو قبول أموال السَّلاطين وخضوع القوي والضَّعيف لحكمٍ واحد. ويُنبِّه إلى أنَّ هذا الفصل جزءٌ من محاضرةٍ أُلقيت سنة 1942 وضاعت بقيَّتها. أمَّا في «الحجاب» فيتناول حجاب الأمراء لا حجاب النِّساء فيتتبَّع تطوُّر نظام الحُجَّاب وحراسة أبواب الحكَّام وما ترتَّب عليه من صعوبة الوصول إليهم ويستخرج من أخبار الخلفاء والولاة والشُّعراء ما يُبيِّن أثره في نفوس الرَّعيَّة ويَدعو إلى تنظيم مقابلات المسؤولين بما يحفظ أوقاتهم ويكفل لأصحاب الحاجات الوصول إليهم دون محاباةٍ أو إهانة.
ويُخصِّص الطنطاوي جانبًا من بحوثه لإصلاح الحياة الأدبيَّة والتَّعليميَّة ففي «الأدب العربي في مدارس العراق» ينتقد تحوُّل تدريس الأدب إلى حفظ أسماء الشُّعراء وأخبار العصور والأحكام النَّقديَّة دون تذوُّق النُّصوص ويقترح اختيار عددٍ محدود من الأدباء لدراستهم دراسةً متعمِّقة تُنمِّي مَلَكة الفهم والتَّحليل وتُحبِّب الطُّلَّاب إلى القراءة. وفي «أدب إقليمي» يدعو إلى إنشاء أدبٍ يُصوِّر طبيعة الأقطار العربيَّة وعادات أهلها ووقائع تاريخها ويكون مصدرًا لدراسة الحياة الاجتماعيَّة مع المحافظة على وحدة اللُّغة والانتماء العربي والابتعاد عن العصبيَّات المحليَّة. ويُناقش في «الحياة الأدبيَّة في دمشق» ما يراه من ركود الإنتاج الأدبي وقلَّة الدَّراسات الجادَّة وضعف المجلَّات ومناهج التَّعليم ويَدعو إلى معرفة أسباب ذلك وإصلاحها. ويتناول في «التَّشجيع» أثر العناية بالمواهب في نهوض العلم والأدب ويستحضر ما شاع في بعض البيوت العلميَّة بدمشق من احتكار وظائف التَّدريس والإفتاء وما ترتَّب عليه من إقصاء أصحاب الاستعداد ثم يُورد سيرة الشَّيخ محمد إسماعيل الحائك مثالًا على ما يستطيع التَّشجيع أن يُحدثه من انتقال طالب العلم من صنعةٍ متواضعة إلى مرتبة التَّدريس. وفي «التَّرجمة والتَّأليف» يُناقش ضرورة نقل روائع الآداب العالميَّة إلى العربيَّة ويَنتقد سوء اختيار الكتب المترجمة وضعف الصِّياغة التي تكتفي باستبدال الألفاظ دون نقل المعاني وروح الأسلوب ويُؤكِّد حاجة المترجم إلى التَّمكُّن من اللُّغتين والقدرة على التَّعبير الأدبي فيهما. ويُدافع في «في النَّقد» و«كلمة لا بدَّ منها» عن النَّقد القائم على الدَّليل والتَّحليل بعيدًا عن المجاملة والخصومة ويستنكر إسناد الحكم على الأدباء إلى من لا يملكون أدوات المعرفة والذَّوق أو يتَّخذون التَّقريظ وسيلةً للشُّهرة.
ويستجلي الطنطاوي في «الفتح الإسلامي» أسباب اتِّساع الفتوحات الإسلاميَّة وما ميَّزها من سائر الحروب والفتوحات عبر التاريخ متتبِّعًا ما أحدثته الرِّسالة النبويَّة من تحوُّلٍ في عقائد العرب وأحوالهم ونُظُمهم ومُبرزًا أثر الإيمان في توحيد صفوفهم وبعث العزيمة في نفوسهم وإعدادهم للبذل والتَّضحية. وينتقل في «النَّفقات والتَّكافل الاجتماعي» إلى بحثٍ فقهيٍّ عملي مستمدٍّ من تجربته القضائيَّة في القلمون حين اشتدَّ الغلاء خلال الحرب العالميَّة الثانية فأنشأ مشروعًا لجمع الأرغفة من البيوت وإيصالها إلى الفقراء ثم وجد أنَّ تطبيق أحكام نفقات الأقارب أقدر على ضمان حاجاتهم من الاعتماد على التَّبرُّعات وحدها. ويُفصِّل قواعد استحقاق النَّفقة والملزمين بها وما يتَّصل بإثباتها وتنفيذ أحكامها ويقترح تنظيم تحصيلها وإيصالها إلى المستحقِّين ضمن مشروعٍ للتَّكافل الاجتماعي يستفيد كذلك من الزَّكاة والأوقاف والوصايا. ويثير في «سؤال» ما أصاب الأوقاف المخصَّصة لطلَّاب العلم من ضياعٍ وإهمال وما خلَّفه ذلك من عجز الموهوبين الفقراء عن التَّفرُّغ للدِّراسة والبحث والتَّأليف ويُناقش قصور التَّعليم الحديث عن إعدادهم للعمل الحرِّ وانصرافهم إلى طلب الوظائف مع قلَّتها وصعوبة الوصول إليها. ويُطالب بإيجاد وسائل ماليَّة تحفظ للمشتغلين بالعلم والأدب استقلالهم وتُتيح لهم الاستمرار في الإنتاج بدل أن تُبدِّد الحاجة مواهبهم وتَصرف عقولهم عن البحث إلى طلب الرِّزق.
محمد علي بن مصطفى الطنطاوي، المعروف بعلي الطنطاوي: فقيه وأديب وقاضٍ وداعية سوري، وُلد في دمشق يوم 23 جمادى الأولى سنة 1327هـ الموافق 12 يونيو 1909م، في أسرة عُرفت بالعلم؛ فكان أبوه مصطفى الطنطاوي من علماء دمشق وانتهت إليه أمانة الفتوى فيها، وكان جده من أهل العلم، وخاله الكاتب والصحفي محب الدين الخطيب. وترجع أصول أسرته إلى طنطا في مصر.
نشأ في دمشق، وجمع في تعليمه بين الدراسة النظامية وحضور مجالس العلماء. تنقل في عدد من مدارسها الابتدائية، ثم درس المرحلة الثانوية في مكتب عنبر، ونال شهادة البكالوريا سنة 1928م. وسافر بعد ذلك إلى مصر فالتحق بدار العلوم العليا، لكنه لم يتم السنة الأولى، وعاد إلى دمشق سنة 1929م، فالتحق بكلية الحقوق في الجامعة السورية وتخرج فيها سنة 1933م.
بدأ نشاطه العام مبكرًا، وشارك وهو طالب في العمل الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وأسهم في تأسيس اللجنة العليا لطلاب سوريا وتولى رئاستها نحو 3 سنوات، وكانت تنظم المظاهرات والإضرابات وتشارك في النشاط السياسي والطلابي في البلاد.
بدأ الكتابة الصحفية وهو في نحو 17 سنة، فنشر أول مقالة له في جريدة «المقتبس» سنة 1926م، ثم كتب في عدد كبير من الصحف والمجلات، ومنها «الفتح» و«الزهراء» لخاله محب الدين الخطيب، و«فتى العرب»، و«ألف باء»، وعمل مديرًا لتحرير جريدة «الأيام». وكان من أبرز كتّاب مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات، فكتب فيها منذ سنة 1933م واستمر نحو 20 سنة حتى احتجابها سنة 1953م، كما كتب في «المسلمون» وغيرها، وظل نشاطه الصحفي متصلًا في مراحل حياته المختلفة.
اشتغل بالتعليم منذ شبابه، فدرّس في بعض المدارس الأهلية وهو في المرحلة الثانوية، ثم عُيّن معلمًا في المدارس الحكومية سنة 1931م، وتنقل بين مناطق عديدة من سوريا. وانتقل إلى العراق سنة 1936م، فدرّس في الثانوية المركزية ببغداد، والثانوية الغربية، ودار العلوم الشرعية في الأعظمية، كما درّس في كركوك والبصرة. وقضى سنة 1937م في بيروت مدرسًا في الكلية الشرعية، ثم عاد إلى دمشق، واستمر في التعليم حتى سنة 1940م.
انتقل بعد ذلك إلى القضاء، وأمضى فيه نحو 25 سنة. بدأ قاضيًا في النبك، ثم انتقل إلى دوما، وبعدها إلى دمشق، فصار القاضي الممتاز فيها من سنة 1943م إلى سنة 1953م. ثم عُيّن مستشارًا في محكمة النقض في الشام، وعمل مستشارًا في محكمة النقض بالقاهرة في فترة الوحدة بين سوريا ومصر.
وكان له إسهام في تنظيم الأحوال الشخصية، إذ اقترح وضع قانون متكامل لها، فكُلّف سنة 1947م إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، وأوفد إلى مصر لدراسة مشروعات قوانين المواريث والوصية وغيرها، فأعد المشروع الذي أصبح أساسًا لقانون الأحوال الشخصية. كما شارك في شؤون الأوقاف والتعليم الشرعي، ووضع سنة 1960م مناهج للدروس في الثانويات الشرعية بعد اطلاعه على تجربة التعليم في الأزهر.
شارك في عدد من المؤتمرات والرحلات العلمية والدعوية، منها المؤتمر الإسلامي الشعبي في القدس سنة 1953م، ثم قام برحلة إلى باكستان والهند والملايا وإندونيسيا للدعوة إلى قضية فلسطين، ودوّن بعض مشاهداته في كتاب «في إندونيسيا». كما شارك سنة 1935م في الرحلة الأولى لكشف طريق الحج البري بين دمشق ومكة، وسجل جانبًا منها في «من نفحات الحرم».
انتقل سنة 1963م إلى المملكة العربية السعودية، فدرّس أولًا في الرياض في الكليات والمعاهد التي صارت بعد ذلك جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم انتقل سنة 1964م إلى مكة المكرمة، فدرّس في كلية التربية، قبل أن يتفرغ للعمل الدعوي والإعلامي. وأقام في مكة وجدة نحو 35 سنة، وحصل هو وبناته على الجنسية السعودية.
كان له حضور واسع في الإذاعة والتلفاز، وسبق ذلك عمله الإذاعي منذ الثلاثينيات؛ فأذاع من إذاعة الشرق الأدنى، وإذاعة بغداد سنة 1937م، وإذاعة دمشق منذ سنة 1942م، ثم قدم في المملكة عددًا من البرامج التي اشتهرت طويلًا، منها البرنامج الإذاعي «مسائل ومشكلات»، والبرنامج التلفازي «نور وهداية»، وبرنامج «على مائدة الإفطار». وكان يستقبل كذلك أسئلة الناس وفتاويهم في الحرم وفي بيته.
جمع الطنطاوي بين الفقه والأدب والصحافة والقضاء والتعليم والدعوة، وعُرف بأسلوبه الأدبي السهل القريب، الذي مزج فيه بين البيان والطرافة والقصة والموعظة، وكانت له عناية كبيرة باللغة والأدب والتاريخ وقضايا المجتمع. كما كتب في أدب الأطفال، وشارك في تأليف الكتب المدرسية، وحقق بعض كتب التراث، وكانت له مساجلات ومقالات في عدد من القضايا الفكرية والاجتماعية.
ترك عددًا كبيرًا من المؤلفات، منها «أبو بكر الصديق»، و«قصص من التاريخ»، و«رجال من التاريخ»، و«صور وخواطر»، و«قصص من الحياة»، و«في سبيل الإصلاح»، و«دمشق: صور من جمالها وعبر من نضالها»، و«أخبار عمر»، و«مقالات في كلمات»، و«من نفحات الحرم»، و«حكايات من التاريخ»، و«هتاف المجد»، و«من حديث النفس»، و«الجامع الأموي»، و«في إندونيسيا»، و«فصول إسلامية»، و«فكر ومباحث»، و«مع الناس»، و«بغداد: مشاهدات وذكريات»، و«تعريف عام بدين الإسلام»، و«فتاوى علي الطنطاوي»، و«ذكريات علي الطنطاوي» في 8 أجزاء، كما حقق وعلق على «صيد الخاطر» لابن الجوزي.
وجُمعت بعد وفاته مواد أخرى من مقالاته وأحاديثه في كتب، منها «فصول اجتماعية»، و«سيد رجال التاريخ»، و«نور وهداية»، و«فصول في الثقافة والأدب»، و«فصول في الدعوة والإصلاح»، و«البواكير»، و«كلمات صغيرة»، و«أعلام من التاريخ».
رُزق 5 بنات، منهن بنان الطنطاوي زوجة عصام العطار، وقد قُتلت في مدينة آخن الألمانية، وكان لفقدها أثر بالغ في نفسه. وعُرف بعنايته بتربية بناته وأحفاده، وقد كتب بعض أحفاده عن منهجه في التربية وحياته ومواقفه.
اعتزل الإذاعة والتلفاز بعد بلوغه نحو 80 سنة، ثم قلل من الكتابة والاختلاط بالناس، وظل في أواخر حياته ملازمًا لبيته في جدة مع استمرار مجالسه العلمية والأدبية. وأصيب بضعف في القلب وتكررت مراجعاته للمستشفى في سنواته الأخيرة.
توفي بعد عشاء يوم الجمعة 18 يونيو سنة 1999م الموافق 4 ربيع الأول سنة 1420هـ، في مستشفى الملك فهد بجدة، عن نحو 90 سنة، وصُلي عليه في المسجد الحرام، ثم دُفن في مكة المكرمة.