يُحرِّر أبو سليمان الخطَّابي في هذا الكتاب حقيقة الإعجاز القرآني، ويستقصي وجوهه وأدلَّته، مبيِّنًا الخصائص التي امتاز بها القرآن الكريم عن سائر كلام العرب. ويستدلُّ بعجز فصحاء العرب عن معارضته، مع شدَّة خصومتهم للنَّبي صلى الله عليه وسلم وتوفُّر دواعي المعارضة، ثمَّ يناقش أقوال العلماء في موطن الإعجاز، فيردُّ القول بالصَّرفة، ويُقرِّر أنَّ الإخبار عن المغيَّبات وجه من وجوه الإعجاز، لكنَّه لا يشمل جميع السُّور. ويجعل أساس الإعجاز في بلاغة القرآن ونظمه، موضِّحًا أنَّ الكلام يقوم على ثلاثة أركان: اللفظ الحامل، والمعنى القائم به، والنَّظم الذي يؤلِّف بينهما. ويُبيِّن أنَّ القرآن جمع بين جزالة الألفاظ وعذوبة الأسلوب، وإحكام التَّأليف وصحَّة المعاني، على وجه لا تبلغه قدرة البشر، مع ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام والمواعظ وأخبار الأمم.
ويُفصِّل أسرار اختيار الألفاظ القرآنيَّة ومواضعها، والفروق الدَّقيقة بين الكلمات المتقاربة في المعنى، مستشهدًا بأمثلة من الأسماء والأفعال والحروف لبيان أثر اختلاف التَّعبير في الدَّلالة والبلاغة. ويُفنِّد الاعتراضات المتعلِّقة بفصاحة بعض الألفاظ والتَّراكيب، وما أُثير حول الحذف والتَّكرار وتداخل الموضوعات في السُّورة الواحدة، فيكشف وجوه البلاغة في هذه الأساليب، مستعينًا بأقوال أهل اللُّغة والشَّواهد الشِّعريَّة. ويُناقش دعوى وقوع معارضة للقرآن لم تُنقل إلى النَّاس، ويفحص نماذج الكلام المنسوبة إلى مسيلمة وغيره، موازنًا بينها وبين شروط المعارضة المعروفة عند البلغاء. كما يُبيِّن وجهًا آخر للإعجاز يتمثَّل في تأثير القرآن في القلوب والنُّفوس، وما يُحدثه سماعه من خشوع وهيبة وانفعال، مستشهدًا بأخبار من تغيَّرت مواقفهم عند سماع آياته وانتقلوا من معاداة النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به.