يَتَتَبَّع عبد الرَّحمن بن محمَّد الحُجَيْلِيُّ في هذا الكتاب نشأةَ المعاجم القرآنيَّة وتطوُّرَها، من المُصَنَّفات الأولى في غريب القرآن إلى المعاجم الحديثة المُفَهْرَسَة لألفاظه، مُحَلِّلًا مناهجَ مُؤَلِّفِيها في ترتيب الكلمات وفَهْرَسَتِها، وناقدًا ما اعتراها من قصورٍ في الاستيعاب والتَّرتيب والضَّبط، ومُوَازِنًا بين مزايا التَّرتيب الجَذْرِيِّ والتَّرتيب النُّطْقِيِّ، وصولًا إلى اقتراح منهجٍ لمعجمٍ مُفَهْرَسٍ شاملٍ يُيَسِّر الرُّجوع إلى ألفاظ القرآن الكريم ومواضعها. ويُمَهِّد لذلك بتحرير مفهومَي المعجم والفِهْرِس والعلاقة بينهما، مُوَضِّحًا أنَّ المعجم يَجْمَع الألفاظ ويشرح معانيها، أمَّا الفِهْرِس فيُرَتِّبها ويَدُلُّ على مواضع ورودها، وأنَّ المعجم المُفَهْرَس يختصُّ بحصر استعمالات الألفاظ في النُّصوص والدَّلالة على مواقعها، دون أن يكون شرحُ معانيها مقصدَه الأصليَّ.
ويَرْصُد بواكيرَ التَّأليف المعجميِّ في غريب القرآن الكريم، مُبَيِّنًا أنَّ اختلافَ العرب في معرفة الألفاظ ودلالاتها كان من أسباب العناية بشرح الغريب، وأنَّ هذه المُصَنَّفات مَثَّلَت البداياتِ الأولى للدَّرس المعجميِّ العربيِّ. ويُعَرِّف بطائفةٍ واسعةٍ من كتب غريب القرآن، منها «مجاز القرآن» لأبي عُبَيْدَة، و«تفسير غريب القرآن» لابن قُتَيْبَة، و«غريب القرآن» للسِّجِسْتَانِيِّ، و«المفردات في غريب القرآن» للرَّاغب الأَصْفَهَانِيِّ، و«تحفة الأريب» لأبي حَيَّان الأَنْدَلُسِيِّ، و«عمدة الحُفَّاظ» للسَّمِين الحَلَبِيِّ. ويُحَلِّل مناهجَ أصحابها في ترتيب الألفاظ، مُفَرِّقًا بين ترتيبها بحسب ورود الآيات في المصحف، وترتيبها على حروف الهجاء، وما تَفَرَّع عن المنهج الهجائيِّ من اعتماد صورة الكلمة دون تجريدها من الزَّوائد، أو رَدِّها إلى أصولها الاشتقاقيَّة، مع اختلاف ترتيب الحروف الأصليَّة بين تقديم أوَّل الكلمة وتقديم آخرها.
ويَتَتَبَّع ظهورَ المعاجم القرآنيَّة المُفَهْرَسَة في العصر الحديث، وما صاحَبَه من الحاجة إلى إحصاء ألفاظ القرآن الكريم وتحديد مواضعها بدقَّةٍ، مُتَوَقِّفًا عند «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» للمستشرق فْلُوجِل، و«فتح الرَّحمن لطالب آيات القرآن» لفَيْض الله المقدسيِّ، و«دليل الحَيْرَان في الكشف عن آيات القرآن» للحاجِّ صالح ناظم، و«معجم آيات القرآن» لحسين نَصَّار. ثمَّ يُخْضِع ثلاثةً من أبرز المعاجم للنَّقد والموازنة، أوَّلُها «المعجم المُفَهْرَس لألفاظ القرآن الكريم» لمحمَّد فؤاد عبد الباقي، فيُوَضِّح منهجَه في ترتيب الجذور والمشتقَّات، وجهودَه في تصحيح أخطاء الفهارس السَّابقة، ويَسْتَدْرِك عليه بعضَ المواضع التي أخطأ فيها في رَدِّ الألفاظ إلى أصولها، ومعاملةَ بعض الأعلام الأعجميَّة معاملةَ المشتقَّات العربيَّة، وقصورَه في فَهْرَسَة الحروف والضَّمائر، وعدمَ التزامه بالرَّسم العثمانيِّ والضَّبط التَّامِّ للآيات.
ويُحَلِّل منهجَ «معجم ألفاظ القرآن الكريم» الصَّادر عن مجمع اللُّغة العربيَّة بالقاهرة، مُبَيِّنًا عنايتَه بالجَمْع بين الفَهْرَسَة وشرح المعاني، وتحرير دلالات الألفاظ في سياقاتها القرآنيَّة، وترتيب الأفعال والأسماء وحروف المعاني، مع الإشارة إلى مواضع الآيات وتكرار الألفاظ. ويُبْرِز ما امتاز به هذا المعجم من دقَّة التَّنظيم وشمول المعالجة، مع التَّنبيه إلى بعض ما يُؤْخَذ عليه في ترجيح المعاني التَّفسيريَّة. ويَنْتَقِل إلى «معجم الألفاظ والأعلام القرآنيَّة» لمحمَّد إسماعيل إبراهيم، فيُوَضِّح جمعَه بين فَهْرَسَة الألفاظ وشرح دلالاتها والتَّعريف بالأعلام والأماكن الواردة في القرآن الكريم، ثمَّ يَنْقُد ما وَقَع فيه من إغفال بعض الألفاظ والمواضع، وعدم الانتظام في ترتيب الآيات، والاستطراد في معلوماتٍ تاريخيَّةٍ وجغرافيَّةٍ تُبْعِدُه عن غرض الفَهْرَسَة.
ويَعْقِد مُوَازَنَةً بين التَّرتيب الجَذْرِيِّ الذي يَرُدُّ الكلمات إلى أصولها الاشتقاقيَّة، والتَّرتيب النُّطْقِيِّ الذي يَعْتَمِد صورةَ اللَّفظ دون اعتبارٍ لأصالة حروفه أو زيادتها، مُتَّخِذًا من «المورد المُفَهْرَس لألفاظ القرآن الكريم» لرُوحِي البَعْلَبَكِيِّ نموذجًا للمنهج الثَّاني. ويُوَضِّح خصائصَ هذا المعجم في ترتيب الألفاظ بحسب صورتها المنطوقة، وضبط الآيات بالشَّكل، وإحصاء مواضع الكلمات وتكرارها، ثمَّ يُنَاقِش اعتراضَ بعض اللُّغويِّين على التَّرتيب النُّطْقِيِّ لما يُفْضِي إليه من تفريق المشتقَّات التي يَجْمَعُها أصلٌ واحدٌ. ويَنْتَهِي إلى التَّمييز بين المعاجم اللُّغويَّة التي تَسْتَهْدِف إظهارَ العلاقات الاشتقاقيَّة، والمعاجم المُتَخَصِّصَة التي تَتَّجِه إلى تيسير الوصول إلى الألفاظ، مُرَجِّحًا صلاحيَّةَ التَّرتيب النُّطْقِيِّ للمعاجم القرآنيَّة المُفَهْرَسَة، لما يُتِيحُه من سهولةٍ في البحث، ولا سيَّما لمن لا يُحْسِن رَدَّ الكلمات إلى جذورها.
ويَخْلُص إلى اقتراح منهجٍ لمعجمٍ مُفَهْرَسٍ يستوعب ألفاظَ القرآن الكريم من أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ وأدواتٍ، ويُرَتِّبها ترتيبًا ألفبائيًّا بحسب صورتها اللَّفظيَّة دون تجريدها من الزَّوائد، مع حصر مواضع كلِّ لفظٍ وبيان عدد مرَّات وروده، وإثبات الآيات الدَّالَّة عليه بما يَتِمُّ به المعنى، مقرونةً بأرقامها وأسماء سُوَرها وأرقامها. ويَقْتَرِح أن يَقْتَرِن ذلك بشرحٍ مُوجَزٍ للألفاظ الغريبة، يَجْمَع بين المعنى اللُّغويِّ ودلالة السِّياق القرآنيِّ، مع الإفادة من جهود المعاجم السَّابقة وتلافي أوجه القصور فيها. ويَدْعُو إلى إعداد هذا العمل بإشراف هيئةٍ علميَّةٍ مُتَخَصِّصَةٍ، والعناية بمراجعة النُّصوص القرآنيَّة من جهة الرَّسم والضَّبط والوقف، والاستفادة من التِّقْنِيَات الحديثة في إنشاء برامج حاسوبيَّةٍ للفَهْرَسَة القرآنيَّة تَعْتَمِد الرَّسم العثمانيَّ، وتُيَسِّر الوصول إلى ألفاظ القرآن الكريم ومواضعها.