يَسْتَجْلِي عليُّ علي صُبْح في كتاب «التَّصوير القرآني للقِيَم الخُلُقيَّة والتَّشريعيَّة» وجوهَ الإعجاز في تصوير القرآن الكريم للفضائل الإنسانيَّة والأحكام الشَّرعيَّة، مُحَلِّلًا ما تتآزر فيه الألفاظ والتَّراكيب والصُّور البيانيَّة والإيقاعات الصَّوتيَّة لإبراز المعاني، وإثارة الوجدان، وترسيخ القِيَم في النُّفوس، وتوجيه السُّلوك الإنسانيِّ. ويُحَرِّر مفهوم «التَّصوير القرآنيِّ»، مُميِّزًا إيَّاه من التَّصوير الأدبيِّ البشريِّ، ومُناقشًا الفرق بينه وبين مصطلحات النَّظم والأسلوب والبيان القرآنيِّ، وما يتَّصل بذلك من خصوصيَّة القرآن الكريم بوصفه كلام الله تعالى. ويَستعرض وجوه الإعجاز التي تناولها العلماء قديمًا وحديثًا، ويَبحث صلة التَّصوير القرآنيِّ بنظريَّة النَّظم عند عبد القاهر الجُرْجَانِيِّ، ودور العلاقات بين الألفاظ والمعاني في تشكيل الصُّورة. ويُفَصِّل ما يشتمل عليه التَّعبير القرآنيُّ من الجمال والحلاوة والجلال، وما تُحدِثه الحروف وأصواتها، واختيار الكلمات وصيغها، والتَّشبيه والاستعارة والتَّشخيص والحركة، من تأثيرٍ في النَّفس وإقناعٍ للعقل. ويَتطرَّق إلى الإشارات الكونيَّة والعلميَّة في القرآن الكريم، مُناقشًا ضوابط الاستفادة من الاكتشافات الحديثة في فهمها، دون قصر دلالات الآيات على تفسيرٍ علميٍّ بعينه أو إخضاعها للنَّظريَّات المتغيِّرة.
ويُطَبِّق هذه المباحث على نماذجَ من القصص والمشاهد القرآنيَّة، فيُحَلِّل تصوير قصَّة أصحاب الكهف، وما يتجلَّى فيها من تناسق الأصوات والمعاني، وسرعة الحركة، ودقَّة اختيار الأفعال والحروف، وما تُوحي به الألفاظ من معاني الحماية والرَّعاية والهداية. ويَدرس تصوير نوم الفتية، وموقع الكهف وحركة الشَّمس بالنِّسبة إليه، وهيئة كلبهم، وما ورد في عددهم، مُبَيِّنًا أثر التَّعبير القرآنيِّ في تجسيد هذه المشاهد وما تحمله من دلالاتٍ إيمانيَّة. ويَتناول رحلة موسى عليه السلام مع الخَضِر، وما تكشفه من آداب طلب العلم، والصَّبر على التَّعلُّم، والعلاقة بين المعلِّم والمتعلِّم، وما يصاحب أحداثها من تنوُّعٍ في الإيقاع والتَّعبير. ويَعرض نماذجَ أخرى تتعلَّق بوحدة الأمَّة، والتَّعبير عن الغضب والحزن والأمل، ثمَّ يُفَصِّل تصوير النِّفاق والمنافقين، فيدرس تشبيه استبدالهم الهُدى بالضَّلالة بالصَّفقة الخاسرة، وما تكشفه أمثال النَّار والصَّيِّب والرَّعد والبَرْق والصَّواعق من اضطراب نفوسهم وتناقض مواقفهم، ويبحث أثر ذلاقة اللِّسان وحُسن الحديث في إخفاء فساد الباطن. ويَنتقل إلى التَّصوير القرآنيِّ لفريضة الحجِّ، فيُناقش ما ورد في بيان مناسكها وشعائرها، والحِكَم التي يستنبطها من تفصيل أحكامها وأحكام الميراث، وما تتضمَّنه المناسك من معاني الطَّاعة والتَّجرُّد والمساواة والتَّكافل.
ويَخُصُّ تصوير اللَّيل والنَّهار بدراسةٍ لأساليب القرآن الكريم في وصف خلقهما وتعاقبهما واختلافهما، وما يرتبط بهما من آيات القدرة الإلهيَّة ونِعَم التَّسخير والتَّقدير. ويَتَتَبَّع مواضع تقديم اللَّيل على النَّهار، والمواضع التي قُدِّم فيها النَّهار، مُناقشًا أثر السِّياق والمناسبة في ترتيب الألفاظ. ويَدرس الصُّور القرآنيَّة القائمة على أفعال الجَعْل والإيلاج والإغشاء والتَّقليب والسَّلْخ والتَّكوير، وما تُبرزه من حركةٍ وتجدُّدٍ وتدرُّجٍ في انتقال الضَّوء والظَّلام. ويَبحث اقتران اللَّيل والنَّهار بالسُّكون والنَّوم والسَّير والعمل والإنفاق والعبادة والقيام والتَّهجُّد، وما في هذه التَّراكيب من دلالاتٍ على انتظام الحياة وتنوُّع أحوال الإنسان. ويَتناول تصوير المَشْرِقَيْن والمَغْرِبَيْن والمشارق والمغارب، واختلاف مطالع الشَّمس ومغاربها، وما يستنبطه من هذه التَّعبيرات بشأن كُرَوِيَّة الأرض وحركتها. ويُحَلِّل تصوير حركة الشَّمس والقمر وأفلاكهما، وتشبيه القمر بالعُرْجُون القديم، وما يُؤدِّيه التَّشخيص والتَّشبيه والإيقاع الصَّوتيُّ في إظهار الحركة والانتظام، مع ربط هذه المشاهد بمعاني التَّوحيد والتَّسبيح والشُّكر والتَّفكُّر في خلق الله تعالى.
ويَتَنَاوَل التَّصوير القرآنيَّ للصَّوم والصِّيام، فيبحث الأصل اللُّغويَّ للكلمتين وأبنيتهما الصَّرفيَّة، والفروق الدَّلاليَّة بينهما، مُبيِّنًا ما يراه من خصوصيَّة اختيار لفظ «الصِّيام» في الآيات المتعلِّقة بالعبادة والكفَّارات، في مقابل ورود «الصَّوم» في قصَّة مريم عليها السلام بمعنى الإمساك عن الكلام. ويُناقش ما يتضمَّنه الصِّيام من مجاهدة النَّفس وضبط الشَّهوات، وصلته بتزكية الأخلاق وتحقيق التَّقوى، وما يُحدِثه من آثارٍ في الإرادة والصَّبر والإخلاص والمراقبة الذَّاتيَّة. ويَبحث ما يذكره من فوائد الصِّيام في بناء الجسد وتهذيب السُّلوك، ومقاومة الإسراف والشَّهوات، وتنمية الرَّحمة والتَّكافل الاجتماعيِّ. ويُحَلِّل الصُّور البيانيَّة والتَّشريعيَّة في آيات الصِّيام من سورة البقرة، ولا سيَّما قوله تعالى: «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ»، وما يتَّصل به من أدب التَّعبير عن العلاقة الزَّوجيَّة، وإباحة المباشرة ليلًا، وحدود الاعتكاف. ويَدرس تصوير الرُّخَص المتعلِّقة بالمريض والمسافر وغيرهما، وبلاغة التَّعبير عن بداية الإمساك ونهايته في قوله تعالى: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»، وما تنطوي عليه هذه الصُّورة من تحديدٍ لأوقات العبادة وتيسيرٍ لأحكامها.
ويُفَصِّل القِيَم التَّربويَّة التي يصوِّرها القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة في تنشئة الأطفال وتهذيبهم، فيتناول الفطرة، والرَّحمة بالصَّغير، وحقوق الأبناء، وأثر الأسرة والصُّحبة في بناء الأخلاق، ودور تلاوة القرآن الكريم وسماعه وحفظه في التَّربية والتَّعليم وتقويم اللِّسان. ويَدرس وصيَّة لقمان لابنه، وما اشتملت عليه من التَّوحيد وبرِّ الوالدين ومراقبة الله تعالى وإقامة الصَّلاة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والصَّبر والتَّواضع وآداب الحديث والمشي. ويَبحث أدب الاستئذان في البيوت، وما قرَّرته سورة النُّور من أحكامٍ لحفظ الخصوصيَّة وصيانة الحياء، ودور القصص القرآنيِّ والنَّبويِّ في تربية الأطفال، مستشهدًا بقصص موسى ويوسف ومريم وعيسى وزكريَّا ويحيى عليهم السلام. ويتتبَّع مراحل التَّنشئة ابتداءً من اختيار الزَّوجَيْن وإقامة الحياة الأسريَّة على السَّكَن والمودَّة والرَّحمة، ثمَّ رعاية الجنين، وحقوق الطِّفل عند الولادة، والرَّضاعة والحضانة والنَّفقة والرِّعاية الصِّحِّيَّة والتَّعليميَّة، وصولًا إلى الطُّفولة المتقدِّمة والمراهقة والشَّباب. ويَتناول ضوابط السُّلوك في مراحل البلوغ والنُّضج والرُّجولة، وما يتعلَّق بها من التَّكليف والعِفَّة والزَّواج وتحمُّل المسؤوليَّة والعمل وبرِّ الوالدَيْن ورعاية الأسرة، مستعينًا بالآيات والأحاديث والأخبار في بيان الصِّلة بين التَّربية الإيمانيَّة والبناء الخُلُقيِّ والاجتماعيِّ.
ويَخْتَتِم الكتاب بدراسة القِيَم الخُلُقيَّة والتَّشريعيَّة في العقود والمعاملات الإسلاميَّة، فيبحث خصائص النِّظام الاقتصاديِّ في الإسلام، وصلته بالعقيدة والعبادة، وأثر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ في تنمية الصِّدق والأمانة والمساواة والتَّعاون والشُّعور بالمسؤوليَّة ومراقبة الله تعالى. ويَدرس التَّصوير القرآنيَّ للأعمال والحِرَف، فيتناول الزِّراعة وما تتضمَّنه من عمارة الأرض والشُّكر والإنفاق، والرَّعي والصَّيد وما يرتبط بهما من الصَّبر وطلب الرِّزق، والصِّناعة وما ورد بشأنها من أخبار نوح وداود عليهما السلام وذي القَرْنَيْن، والتِّجارة وما تقتضيه من الصِّدق والعدل وحفظ الحقوق. ويُبَيِّن منزلة العمل والإنتاج في الشَّريعة الإسلاميَّة، وما تدعو إليه من الجِدِّ والمثابرة والاستغناء عن سؤال النَّاس، ومقاومة الكسل والبطالة والاحتكار والاستغلال. ويُناقش المحرَّمات في العقود والمعاملات، ومنها الرِّبا والغِشُّ والغَرَر والتَّدليس والخيانة وتطفيف المكيال والميزان وبَخْس الحقوق وأكل أموال النَّاس بالباطل، مع بيان ما تترتَّب عليها من أضرارٍ خُلُقيَّةٍ واجتماعيَّةٍ واقتصاديَّة. ويُفَصِّل القواعد التي تقوم عليها العقود المشروعة، ومنها الأصل في المعاملات الإباحة، ورضا المتعاقدَيْن، والأهليَّة، والخِيَار، والوفاء بالشُّروط، ووضوح الأثمان والمنافع، وتوثيق الدُّيون والحقوق بالكتابة والإشهاد، وتحريم الظُّلم والمماطلة. ويَربط هذه الأحكام بالمقاصد الخُلُقيَّة للشَّريعة، مُوضِّحًا كيف يُسهم التَّصوير القرآنيُّ في بناء الضَّمير الإنسانيِّ، وإصلاح علاقات الأفراد، وإقامة المعاملات على العدل والإحسان والتَّقوى.