يُحَلِّل عبد الله بن عبد الرَّحمن الجَرْبُوع في هذا الكتاب الأمثالَ القرآنيَّة المتعلِّقة بأصل الإيمان بالله تعالى، مبيِّنًا ما تضمَّنته من براهينَ عقليَّةٍ وحُجَجٍ عقديَّةٍ تُقرِّر حقائق التَّوحيد، وتكشف أسباب الهداية والضَّلال، وتُثبت لله تعالى صفات الكمال، وتُنَزِّهه عن المماثلة والنَّقص. ويَستهلُّ بحثه بتحرير المعاني اللُّغويَّة للفظ «المَثَل»، فيُميِّز بين المَثَل السَّائر، والمَثَل بمعنى الوصف، والمِثْل بمعنى النَّظير، والمَثَل بمعنى المثال والنَّموذج، ثمَّ يُحَدِّد المقصود بالأمثال القِياسيَّة، ويشرح مقوِّماتها القائمة على القياس والحكمة، وما يدخل فيها من القياس التَّمثيليِّ، وقياس الشُّمول، وقياس الأَوْلى. ويُبَيِّن أغراض ضرب الأمثال في القرآن الكريم، ومنها تقريب المعاني إلى الأذهان، وإقامة الحجَّة، وإزالة الإشكال، والتَّمييز بين الحقِّ والباطل، والتَّرغيب في الخير والتَّحذير من الشَّرِّ. ويتناول حقيقة الإيمان في اللُّغة والشَّرع، ويُناقش قصور تفسيره بمجرَّد التَّصديق، ويُفَرِّق بين أصل الإيمان الذي يدخل به العبد في الإسلام، والإيمان القلبيِّ المتعلِّق بأركان الإيمان السِّتَّة، والإيمان الكامل الشَّامل للاعتقاد والقول والعمل. ويَشرح ما يتضمَّنه أصل الإيمان من الإقرار بتوحيد الرُّبوبيَّة والألوهيَّة والأسماء والصِّفات، والكفر بالطَّاغوت، والشَّهادة برسالة النَّبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وما يتعلَّق بذلك من المحبَّة والقبول والانقياد.
ويَخُصُّ الأمثال الواردة في سورة النُّور بدراسةٍ تفصيليَّة، فيبدأ بقوله تعالى: «مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ»، فيشرح ألفاظ المَثَل وصورته، وما يقابل أجزاءه من أحوال قلب المؤمن، مُفَصِّلًا دلالات المِشْكاة والمِصْباح والزُّجاجة والزَّيْت والنُّور المنبعث منها. ويَبحث صلة هذه الأجزاء بالفطرة السَّليمة، وهداية الله تعالى لعباده، والعلم المستمدِّ من الوحي، وما يترتَّب على اجتماع العلم والإيمان من استنارة القلب وسلامة بصيرته وصلاح أعماله. ويُناقش دلالة المَثَل على زيادة الإيمان ونقصانه، وثبوت النُّور اسمًا من أسماء الله تعالى وصفةً من صفاته، وما يُفيده اقتران نور العلم بنور الإيمان من تقرير الاعتماد على القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة في تلقِّي المعارف الدِّينيَّة. ويَدرس أثر هذه الهداية في أعمال المؤمنين، وصلتها بالآيات التي تلت مَثَل النُّور، وما تضمَّنته من وصف عُمَّار بيوت الله تعالى وإقامتهم الصَّلاة وإيتائهم الزَّكاة وخشيتهم يوم القيامة. ويُناقش في ضوء المَثَل مناهج تلقِّي المعرفة الدِّينيَّة، وما يتعلَّق بها من الاعتماد على الأدلَّة العقليَّة المجرَّدة أو الكشف الصُّوفيِّ، مبيِّنًا منزلة الوحي في تحقيق العلم اليقينيِّ والهداية.
ويَنتقل إلى المَثَلَيْن المضروبَيْن لأعمال الكافرين في السُّورة نفسها، فيدرس قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ»، فيُحَلِّل صورة السَّراب الذي يظنُّه العطشان ماءً حتَّى إذا بلغه لم يجد شيئًا، ويُبيِّن وجه تشبيه أعمال الكافرين بهذه الصُّورة، وما تدلُّ عليه من بطلان العمل الذي خلا من الإيمان الصَّحيح، وخيبة صاحبه عند الجزاء. ويَبحث أسباب الضَّلال التي يكشف عنها المَثَل، ومنها اتِّباع الظُّنون والشُّبُهات، والإعراض عن الهُدى، وما يتعلَّق بفساد الأعمال مع اعتقاد أصحابها صلاحها. ثمَّ يُفَصِّل مَثَل الظُّلُمات في قوله تعالى: «أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ»، فيشرح صورة البحر العميق وما يغشاه من الأمواج والسَّحاب، وتراكب الظُّلُمات التي تحجب النُّور، ويَربط أجزاء هذه الصُّورة بما يُصيب قلوب الكافرين من الجهل والتَّكذيب والإعراض، وما ينشأ عنه من فساد الاعتقاد والعمل، والحيرة والخوف وفقدان البصيرة. ويُبيِّن الفرق بين المَثَلَيْن، وما يكشفه كلٌّ منهما من وجوه الضَّلال وعواقبه، مع دراسة دلالة ختام مَثَل الظُّلُمات بقوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ».
ويَبحث الأمثال المتعلِّقة بذات الله تعالى، فيُفَصِّل معنى النَّهي الوارد في قوله تعالى: «فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ»، مستعرضًا سياقه في سورة النَّحل وما اشتمل عليه من تقرير توحيد الألوهيَّة والرُّبوبيَّة وإبطال الشِّرك. ويُوضِّح أنَّ النَّهي يتناول اتِّخاذ الأنداد والشُّركاء لله تعالى، واعتقاد مماثلة المخلوق للخالق في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله، كما يشمل الأمثال والقياسات الفاسدة التي يُراد بها تسويغ الشِّرك أو معارضة الحقِّ. ويُميِّز بين هذه الأمثال الممنوعة والأمثال الصَّحيحة الجارية على قياس الأَوْلى، التي تُثبِت لله تعالى الكمال اللَّائق به، وتُنَزِّهه عن النَّقائص، دون تشبيهٍ أو تمثيل. ويناقش ما يتعلَّق بذلك من الفروق بين الاشتراك في المعاني العامَّة للأسماء والصِّفات، وبين التَّماثل في حقائقها وخصائصها، وما ترتَّب على عدم التَّمييز بينهما من أخطاءٍ في باب أسماء الله تعالى وصفاته.
ويُفَصِّل دلالة قوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى» في سورة النَّحل، وقوله تعالى: «وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» في سورة الرُّوم، فيبحث المراد بالمَثَل الأعلى، وما يتضمَّنه من تفرُّد الله تعالى بالألوهيَّة والرُّبوبيَّة وصفات الكمال، وثبوت هذه الحقائق في نصوص الوحي، وقيام الاعتقاد بها في قلوب المؤمنين وما ينشأ عنه من المحبَّة والتَّعظيم والعبادة. ويَشرح قاعدة قياس الأَوْلى، ومقتضاها أنَّ الله تعالى أَوْلى بكلِّ كمالٍ مطلقٍ ثبت للمخلوق على الوجه اللَّائق بالخالق، وأَوْلى بالتَّنَزُّه عن كلِّ نقصٍ يُنَزَّه عنه المخلوق. ويُطبِّق هذه القاعدة على أمثال سورة النَّحل في العبد المملوك الذي لا يقدر على شيءٍ ومَن رُزق رزقًا حسنًا، وفي الرَّجل الأبكم العاجز ومَن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، وعلى مَثَل سورة الرُّوم في نفي قبول الإنسان أن يكون مملوكوه شركاء له فيما يملك، مبيِّنًا ما تضمَّنته هذه الأمثال من حُجَجٍ على استحالة تسوية الخالق بالمخلوق وإبطال عبادة غير الله تعالى. ويَتناول الاستدلال بقياس الأَوْلى على البعث بعد الموت في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ»، وما دلَّت عليه الآية من الاحتجاج على منكري البعث بإقرارهم بأنَّ الإعادة أهون من الابتداء، مع بيان ما يقتضيه كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته.
ويَعتمد الجَرْبُوع في تفسير هذه الأمثال على دراسة سياق الآيات، وتحليل ألفاظها وتراكيبها، وتحديد صورة المُمَثَّل به وما يقابل أجزاءها في المُمَثَّل له، ثمَّ موازنة أقوال المفسِّرين والتَّرجيح بينها بالأدلَّة اللُّغويَّة والشَّرعيَّة. ويَستشهد بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة وأقوال السَّلف، ويَستفيد من تقريرات ابن تيميَّة وابن القيِّم في الأمثال والقياس ومسائل الإيمان والتَّوحيد، مع مناقشة الأقوال المخالفة وبيان ما يَرِد عليها من اعتراضات. ويَستخلص من الأمثال المدروسة أصولًا في معرفة الله تعالى، وأسباب حصول الإيمان وزيادته، وآثار العلم والهداية في القلوب والأعمال، وأسباب الكفر والضَّلال، ودلائل تفرُّد الله تعالى بالكمال واستحقاقه العبادة وحده.