
نبذة عن الكتاب:
ينتقي محمد ناصر الدِّين الألباني في هذا الكتاب أحاديث وآثار كتاب «الأدب المفرد» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ويميِّز ثابتَها من ضعيفها على وفق منهجه في نقد الأسانيد وجمع الطُّرق والمتابعات والشَّواهد. فوزَّع مادَّة الأصل بين «صحيح الأدب المفرد» و«ضعيف الأدب المفرد»، مع إبقاء أرقام الأحاديث والأبواب في أصل البخاري إلى جانب ترقيم كلِّ كتاب؛ ليتبيَّن موضع الحديث من الأصل، وتظهر الأبواب التي سقطت من «الصَّحيح» لعدم وجود حديث فيها على شرطه. وقد بلغ ما أثبته في «صحيح الأدب المفرد» 998 حديثًا وأثرًا، وما انتهى إلى تضعيفه في «ضعيف الأدب المفرد» 215 حديثًا وأثرًا.
ويحافظ هذا التَّقسيم على البناء الموضوعي الواسع الذي وضعه البخاري للأدب الإسلامي؛ فتبدأ المادَّة بحقوق الوالدين، وفيها برُّ الأم والأب، ولين الكلام لهما، وجزاؤهما، والتَّحذير من العقوق وسبِّ الوالدين، وطاعتهما في غير معصية، وبرُّ الوالد المشرك وصلته، وما يتَّصل بالدُّعاء للوالدين ومعاملتهما عند الكبر. وتظهر طريقة الألباني منذ هذه الأبواب في إثبات مراتب متنوِّعة للرِّوايات المقبولة، كالصَّحيح والحسن وصحيح الإسناد وحسن الإسناد، مع إبقاء الآثار الموقوفة الثَّابتة ضمن المادَّة وعدم قصر الكتاب على الأحاديث المرفوعة.
ويتَّسع الكتاب بعد ذلك لحقوق القرابة والأسرة، وصلة الرَّحم، والإحسان إلى البنات والأولاد والأيتام، وحسن الرِّعاية والمعاملة، ثمَّ حقوق الجار وما يتَّصل بإكرامه وكفِّ الأذى عنه واحتمال ما يقع منه. ولا يعني وجود باب في أصل «الأدب المفرد» أنَّ جميع ما تحته قد صحَّ عند الألباني؛ فقد تُنقل بعض روايات الباب إلى «الضَّعيف» ويبقى ما ثبت منها في «الصَّحيح»، كما يظهر في أبواب برِّ الوالدين وصلة الرَّحم والجوار وغيرها، وبذلك يفصل بين صحَّة المعنى في الجملة وبين ثبوت كلِّ رواية بعينها.
وتشمل مادَّة الكتاب آداب العلاقات الاجتماعيَّة وما يحفظ الألفة بين المسلمين؛ من الصِّلة والإحسان، وإطعام الطَّعام، وحسن الجوار، والتَّعاون، والرِّفق، والرَّحمة، والعفو، وحسن الخلق، واجتناب الأذى والقطيعة. كما تمتدُّ إلى آداب المجالس واللِّقاء والمحادثة، والسَّلام والمصافحة والاستئذان، وكيفية الاستئذان والجواب، وآداب الدُّخول والجلوس، وما يتعلَّق بالزِّيارة والضِّيافة والمعاملة بين النَّاس.
ويضمُّ «صحيح الأدب المفرد» جملةً كبيرة من الأحاديث والآثار المتعلِّقة بتهذيب اللِّسان والنَّفس؛ من طيب الكلام، وترك الفحش والسَّب واللَّعن، وضبط المزاح، والنَّهي عن الكذب والغيبة وما يفسد المعاملة، إلى جانب الحياء والحلم وضبط الغضب وكظم الغيظ. ويستمرُّ هذا الجانب إلى أواخر الكتاب، حيث ترد أبواب الحياء والجفاء والغضب وما يقال عنده والسُّكوت حال الغضب والاعتدال في المحبَّة والبغض، وينتهي «الصَّحيح» بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في النَّهي عن الإفراط في الحبِّ والبغض.
ولا يقتصر الألباني في التَّصحيح والتَّضعيف على المرفوع إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، بل ينظر كذلك في أسانيد الآثار الموقوفة على الصَّحابة رضي الله عنهم والمقطوعة عمَّن بعدهم، ولذلك تظهر في «الصَّحيح» أحكام من قبيل «صحيح الإسناد» و«حسن الإسناد» و«موقوف رجاله ثقات»، وقد يذكر أنَّ الأثر الموقوف ثبت مرفوعًا من طريق آخر. كما يستعمل «صحيح لغيره» و«حسن لغيره» حين تتقوَّى الرِّواية بما يصلح من الطُّرق والشَّواهد، فلا يكون الحكم مبنيًّا على ظاهر الإسناد المفرد وحده.
ويكشف «ضعيف الأدب المفرد» الجانب الآخر من هذا العمل؛ إذ يجمع ما لم يثبت من أحاديث الأصل وآثاره ولم يجد الألباني ما يشدُّه ويرفعه إلى مرتبة القبول. ولذلك لا يُفهم منه أنَّ الموضوعات التي وردت فيها تلك الرِّوايات ضعيفة في ذاتها، وإنَّما الحكم متعلِّق بالأسانيد والرِّوايات المعيَّنة؛ ففيه روايات في برِّ الوالدين وصلة الرَّحم والإحسان إلى الأولاد والأيتام والجيران وغيرها، مع وجود أصول صحيحة لكثير من هذه المعاني في روايات أخرى أثبتها في «الصَّحيح».
ويظهر أثر جمع الطُّرق في أنَّ عدد الرِّوايات التي أودعها «الضَّعيف» أقلُّ ممَّا قد يقتضيه الحكم على أسانيد «الأدب المفرد» منفردةً؛ لأنَّ الإسناد الذي لا يثبت وحده قد يجد له الألباني شاهدًا أو متابعًا يقوِّيه، فينقله إلى «الصَّحيح» بالمرتبة المناسبة. وقد نصَّ في آخر «ضعيف الأدب المفرد» على أنَّه جمع فيه ما ضعف سنده «ولم يوجد ما يشدُّ عضده ويقويه»، وأنَّ هذا هو سبب اقتصار «الضَّعيف» على 215 حديثًا وأثرًا، في مقابل بلوغ «الصَّحيح» 998.
ويمتدُّ هذا التَّمييز إلى أجزاء الرِّواية نفسها؛ فقد يحكم على الحديث بالضَّعف مع استثناء جملة ثبتت من طريق آخر، كما يصرِّح أحيانًا بأنَّ الرِّواية «ضعيفة إلا جملة» معيَّنة. ويمنع هذا المسلك من تسوية جميع ألفاظ الخبر في الحكم لمجرَّد اجتماعها في سياق واحد، كما يمنع من ردِّ معنى ثابت لمجرَّد وروده أيضًا ضمن طريق ضعيف؛ فمحلُّ النَّظر هو اللفظ بإسناده وما يتوافر له من طرق تقوِّيه أو تكشف علَّته.
وتتتابع موضوعات «الأدب المفرد» في الكتابين حتى آداب الحياة اليوميَّة والتَّعامل الدَّقيق بين النَّاس، فتدخل مسائل الأسماء والكنى، والمجالس، والاستلقاء والجلوس، والاستئذان، واللَّعب، والعادات، وبعض مسائل الفطرة، والوسوسة والظَّن، وحفظ اللِّسان وفضول الكلام. وفي «الضَّعيف» مثلًا ترد في أواخره روايات في حسن العهد والمعرفة ولعب الصِّبيان وفضول الكلام، بينما يشتمل آخر «الصَّحيح» على الأحاديث والآثار الثَّابتة في الحياء وكظم الغيظ وضبط النَّفس عند الغضب والاقتصاد في المحبَّة والبغض؛ وبذلك يبقى ترتيب مسائل البخاري ظاهرًا، مع فصل كلِّ رواية بحسب النَّتيجة التي انتهى إليها الألباني في نقدها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




