
نبذة عن الكتاب:
يجمع محمَّد بن علي الشَّوكاني في «الفوائد المجموعة في الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة» الأحاديث والأخبار التي حكم المحدِّثون بوضعها أو شدَّة ضعفها، قاصدًا إلى تمييز المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من العمل به أو نسبته إليه، ولا سيَّما ما شاع في كتب الفقه والوعظ والزُّهد والعبادة. ويستمدُّ ما جمعه من كتب الضُّعفاء والجرح والتَّعديل والتَّواريخ والتَّخريج، ومن المصنَّفات المخصَّصة للأحاديث الموضوعة، فيضمُّ أحكام من تقدَّمه من النُّقَّاد، ويزيد عليها ما وقف عليه في تراجم الرُّواة وتخريجات الأحاديث وتصانيف المحقِّقين.
ويبيِّن منذ البداية أنَّ ما أورده لا ينحصر فيما يثبت عنده أنَّه موضوع؛ فقد يذكر الحديث الذي لا يتجاوز حاله الضَّعف، شديدًا كان أو خفيفًا، إذا سبق بعض المصنِّفين إلى عدِّه في الموضوعات. ولهذا يتعقَّب أحكام ابن الجوزي خاصَّةً؛ لما يراه من تساهله في إدخال أحاديث في «الموضوعات» مع أنَّ منها الصَّحيح والحسن والضَّعيف، وينقل استدراكات السُّيوطي عليه، ويختصرها، ويقبل منها ما يثبت عنده، ويدفع ما يرى أنَّه يستحقُّ الرَّدَّ. وبذلك لا يجعل الكتاب مجرَّد قائمة بالأحاديث الموضوعة، بل يجمع فيه اختلاف المحدِّثين في مرتبة الحديث، ويبيِّن مواضع التَّشدُّد أو التَّساهل في الحكم عليه.
ويرتِّب الشَّوكاني القسم الأوَّل على أبواب الفقه، فيبدأ بالطَّهارة، ويورد تحت كلِّ باب الأحاديث والأقوال التي نُسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، ثمَّ يعزو الخبر إلى من رواه أو أورده، ويذكر ما قيل في إسناده ورجاله وعلَّته. فإذا كان الكلام مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبَّر عنه بالحديث، وإذا كان موضوعًا على صحابي أو من بعده نسبه إلى صاحبه بوصفه قولًا، وبذلك يفرِّق بين المرفوع وغيره في طريقة العرض.
ويتتبَّع في أبواب الطَّهارة ما رُوي في المياه والنَّجاسات والوضوء والغُسل والسِّواك والجنابة وأذكار الوضوء وغيرها، فيذكر ما حكم عليه الأئمَّة بالوضع أو البطلان أو النَّكارة أو الضَّعف، ولا يكتفي بالحكم المجمل إذا وجد في المسألة خلافًا؛ فقد ينقل عن بعضهم الحكم بالوضع، ثمَّ يورد طريقًا أخرى أو تعقُّبًا يمنع من إطلاق هذا الحكم، ويميِّز بين ضعف الإسناد وبين ثبوت الوضع، منبِّهًا إلى أنَّ مجرَّد وجود راوٍ مجروح لا يستلزم أن يكون الخبر موضوعًا.
وينتقل إلى الصَّلاة وما يتَّصل بها من المواقيت والأذان والإقامة والجماعة والمساجد والجمعة والنَّوافل وسائر أحكامها، فيجمع الأخبار التي نُسبت إليها فضائل أو أحكام لا تثبت، وينقل أقوال النُّقَّاد في الرُّواة المتَّهمين بالكذب أو الوضع، وفي المجاهيل والمتروكين والضُّعفاء. ويظهر في هذا الباب عنايته بتمييز الجزء المنكر من الحديث إذا كان بعض معناه ثابتًا من طريق آخر؛ فلا يلزم من بطلان زيادة مخصوصة إسقاط أصلٍ ثبت بدليل صحيح، كما يذكر أحيانًا أنَّ الخبر لا يصحُّ مرفوعًا مع ثبوت بعض معناه موقوفًا على أحد الصحابة رضي الله عنهم.
ويستمرُّ على هذا المنهج في أبواب الزَّكاة والصَّدقات والهبات والقروض والضِّيافة، ثمَّ الصِّيام والحجِّ وما يتَّصل بهما، فيعرض الأحاديث التي رُتِّبت عليها أحكام أو فضائل أو أعداد مخصوصة من الثَّواب، ويكشف ما في أسانيدها من كذَّابين ومتروكين ومجاهيل، وينقل اختلاف النُّقَّاد في بعض الرُّواة والطُّرق. كما يتعقَّب الأخبار التي شاعت في بيان أسباب بعض العبادات أو فضائل أوقاتها وأعمالها إذا لم يثبت إسنادها، مفرِّقًا بين ما هو موضوع وما هو منكر أو واهٍ أو لا أصل له.
ويتناول كذلك أبواب المعاملات والنِّكاح وما يتَّصل بأحوال الأسرة والرِّجال والنِّساء، وغيرها من المسائل التي دخلتها أخبار ضعيفة أو موضوعة، محافظًا على طريقته في تقديم لفظ الخبر ثمَّ عزوه والكلام على رجاله وحكم المحدِّثين عليه. ولا يقتصر في ذلك على الأحاديث التي تنشئ حكمًا فقهيًّا، بل يدخل فيه ما رُوي من التَّرغيب والتَّرهيب والفضائل والآداب إذا أُلصق بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت عنه.
ويخصِّص قسمًا واسعًا للأخبار الواردة في فضائل الأعمال والأشخاص والأماكن والأزمنة، وما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المناقب والخصائص، فيعرض ما ورد في فضائل القرآن الكريم وسوره وآياته، ويذكر من ذلك الحديث الذي يسرد لكلِّ سورة من القرآن الكريم فضلًا مخصوصًا، وينقل اتفاق الحفَّاظ على وضع بعض طرقه وإقرار بعض رواته بصنعه. كما ينبِّه إلى كتب في التَّفسير امتلأت بأخبار موضوعة، ليحذِّر من الاعتماد على ما فيها لمجرَّد وروده في كتاب منسوب إلى التَّفسير أو الفضائل.
ويعرض الأحاديث الموضوعة في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقبه، ثمَّ ما رُوي في مناقب الخلفاء والصحابة رضي الله عنهم وغيرهم، فلا يحمل فضل الشَّخص أو جلالة منزلته على قبول ما نُسب إليه أو رُوي في فضله من غير تثبُّت. ويوازن في هذه المواطن بين أقوال من حكم بالوضع ومن استدرك عليه، ويورد الشَّواهد والطُّرق التي قد ترفع الحديث عن مرتبة الوضع وإن بقي ضعيفًا، أو يبيِّن أنَّ الطريق الآخر لا يصلح للاعتبار إذا كان راويه متَّهمًا أو شديد الضَّعف.
ويفرد مباحث للنُّسخ الحديثيَّة المشهورة بالوضع، فيذكر مجموعات وأسانيد رُويت بها أعداد كبيرة من الأخبار، ويحكي أحكام المحدِّثين عليها، ويميِّز النُّسخ التي عُرف واضعها أو غلب الوضع على مرويَّاتها. كما يتناول الرُّواة المشهورين بالكذب والوضع على النبي صلى الله عليه وسلم، وينقل أسماء جماعة ممَّن أكثروا من اختلاق الأحاديث أو نُسب إليهم ذلك، مستعينًا بأقوال أئمَّة الجرح والتَّعديل في كشفهم والتحذير من رواياتهم.
ويبحث أسباب دخول الكذب والوضع في الحديث، فلا يحصرها في الزَّنادقة والمتعمِّدين للكذب، بل يذكر أصنافًا متعدِّدة ممَّن وقع الخلل في مرويَّاتهم؛ فمنهم من غلب عليه الزُّهد مع ضعف الحفظ، ومنهم من ضاعت كتبه فحدَّث من ذاكرته فغلط، ومنهم الثِّقة الذي اختلط في آخر عمره. ثمَّ يميِّز هؤلاء عمَّن تعمَّد الوضع؛ كمن وضع الأحاديث في التَّرغيب والتَّرهيب، أو اخترع أسانيد لكلام استحسنه، أو تقرَّب إلى السَّلاطين، أو أراد القصص واستمالة العامَّة، أو استعمل الحديث المختلق في المناظرة لنصرة قوله والغلبة على خصمه، أو ادَّعى معرفة تخريج حديث وتصحيحه من كتب لم يطَّلع عليها.
ويجمع الشَّوكاني بهذه الطريقة بين حصر عدد كبير من الأخبار التي أُدخلت في كتب الموضوعات وبين نقد الأحكام الصَّادرة عليها؛ فلا يسوِّي بين الموضوع والضَّعيف، ولا يجعل حكم أحد المصنِّفين نهايةً للبحث إذا وجد ما يعارضه، بل ينقل أقوال المحدِّثين، وينظر في الطُّرق والرُّواة والشَّواهد، ويكشف مواضع الاختلاف بينهم. ولذلك يقوم الكتاب على تنقية ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأخبار المكذوبة والواهية، مع بيان درجاتها بقدر ما تسمح به أقوال أئمَّة الحديث وطرق الرِّواية التي جمعها الشَّوكاني، والتَّحذير من بناء الاعتقاد أو العبادة أو الحكم الشَّرعي على حديث لم تثبت نسبته إليه صلى الله عليه وسلم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:










