
نبذة عن الكتاب:
يميِّز محمد ناصر الدِّين الألباني أحاديث كتاب الحافظ عبد العظيم المنذري «التَّرغيب والتَّرهيب» بحسب ما انتهى إليه نقده لأسانيدها وطرقها وشواهدها، فيفصل الأحاديث الثَّابتة في «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» عن الأحاديث التي لم تثبت في «ضعيف التَّرغيب والتَّرهيب». وقد أعاد النَّظر في أحكامه عند إخراج الطَّبعة الجديدة بعد أن تيسَّرت له مصادر حديثيَّة لم تكن متاحةً له في عمله الأوَّل، فوقف من خلالها على متابعات وشواهد قوَّت أحاديث كان قد ضعَّفها، وعلى عللٍ من الشُّذوذ والنَّكارة والانقطاع والتَّدليس والجهالة أوجبت تضعيف أحاديث سبق تقويتها.
ويجري الكتابان على ترتيب المنذري ومادَّته القائمة على التَّرغيب في الطَّاعات والفضائل والتَّرهيب من المعاصي والآفات، مع إعادة فحص الأحاديث حديثًا حديثًا. ولا يكتفي الألباني بالحكم الذي ذكره المنذري، بل يرجع إلى الأصول التي عزا إليها الحديث وإلى غيرها من المصادر، وينظر في الأسانيد والطُّرق والمتابعات والشَّواهد وأحوال الرُّواة، مستفيدًا من المسانيد والمعاجم وكتب السُّنن والتَّراجم والعلل وغيرها، ثمَّ يثبت للحديث المرتبة التي انتهى إليها بحثه.
ويجعل أحاديث «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» على خمس مراتب: الصَّحيح، والحسن، والحسن الصَّحيح، والصَّحيح لغيره، والحسن لغيره. فالصَّحيح عنده ما استكمل شروط الصِّحَّة، والحسن ما خفَّ ضبط أحد رواته مع استكمال سائر الشُّروط، والحسن الصَّحيح ما كان حسنًا لذاته ثمَّ تقوَّى بمتابع أو شاهد، والصَّحيح لغيره ما تقوَّى بكثرة طرق لم يشتدَّ ضعفها، والحسن لغيره ما تقوَّى بطريق أو طرق دون مرتبة السَّابق. ويؤكِّد أنَّ الحكم بالمرتبتين الأخيرتين يقتضي جمع الطُّرق والنَّظر فيما ذكره المنذري وما لم يذكره من المصادر والشَّواهد.
ويصنِّف مادَّة «ضعيف التَّرغيب والتَّرهيب» كذلك في خمس مراتب أدقَّ من إطلاق الضَّعف على الجميع: ضعيف، وضعيف جدًّا، وموضوع، ومنكر أو منكر جدًّا، وشاذّ. فالضَّعيف ما اشتمل على علَّة قادحة كضعف راوٍ أو اضطراب أو نكارة أو شذوذ، والضَّعيف جدًّا ما كان في سنده متروك أو شديد الضَّعف، والموضوع ما كان في إسناده كذَّاب أو وضَّاع أو ظهرت على متنه أمارات الوضع مع علَّة ظاهرة في إسناده، والمنكر ما رواه الضَّعيف مخالفًا للثِّقة أو ظهرت نكارة متنه، والشَّاذ ما رواه الثِّقة مخالفًا لمن هو أوثق منه.
ويناقش الألباني اصطلاح المنذري في أصل «التَّرغيب والتَّرهيب»، إذ كان المنذري يصدِّر قسمًا من الأحاديث بصيغة «عن» إشعارًا بقوَّتها، وقسمًا بصيغة «رُوي» إشعارًا بضعفها. ويرى الألباني أنَّ هذا التَّقسيم لا يكفي لمعرفة مرتبة الحديث على وجه الدِّقَّة؛ لأنَّ القسم الأوَّل قد يدخل فيه المرسل والمنقطع والمعضل وما في إسناده راوٍ مبهم أو إسناد ضعيف قوَّاه بعض المخرِّجين، كما أنَّ القسم الآخر يجمع مراتب متباينة من الضَّعيف والضَّعيف جدًّا والموضوع والمنكر والشَّاذ من غير تمييز دائم بينها. ومن هنا كان عمله قائمًا على فحص كلِّ حديث بعيدًا عن الاكتفاء بصيغة المنذري في إيراده.
ويتتبَّع في هذا الفحص العلل التي قد تخفى مع كون رجال الإسناد ثقات؛ لأنَّ الحكم على الرُّواة وحدهم لا يستلزم عنده صحَّة الحديث، فقد يكون الإسناد منقطعًا أو مرسلًا، أو يقع فيه تدليس، أو يخالف راويه من هو أوثق منه، أو يكون المتن منكرًا. كما يعيد النَّظر في أحاديث الرُّواة الذين تختلف أحكام رواياتهم باختلاف شيوخهم أو من روى عنهم، وفي روايات المختلطين والمدلِّسين والثِّقات الذين ضُعِّفوا في بعض شيوخهم، وهو ما أدَّى به إلى نقل عدد من الأحاديث من مرتبة إلى أخرى بعد استكمال طرقها.
ويعتني بالتَّفريق داخل الحديث الواحد بين أصل ثابت وزيادة غير ثابتة؛ فإذا كان الحديث صحيحًا وفي بعض رواياته لفظ أو جملة لا تصحُّ، لم يجعل ضعف تلك الزِّيادة سببًا في تضعيف أصل الحديث، ولم يضمَّها إلى الصَّحيح على نحو يوهم ثبوتها، بل يبيِّنها في التَّعليق مع درجتها. وعلى العكس من ذلك، قد يكون أصل الحديث ضعيفًا وفيه جملة ثبتت بطريق آخر، فينبِّه في «الضَّعيف» إلى صحَّة تلك الجملة، وقد يقتطعها إلى «الصَّحيح» إذا استقام سياقها وموقعها من الباب.
ويفرِّق أيضًا بين الحديث المرفوع إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبين ما كان من كلام الصَّحابة أو مَن بعدهم، فيستعمل وصف «موقوف» لما انتهى إلى الصَّحابي، و«مقطوع» لما كان عمَّن دونه، إلى جانب بيان مرتبته من حيث القبول أو الرَّد. وإذا لم يقف على المصدر الذي عُزي إليه الحديث ولم يتبيَّن له حال إسناده، امتنع عن الجزم بمرتبة لا يستطيع إثباتها، وقد يضع علامة استفهام بدل الحكم عليه إذا لم يكن المنذري قد كشف عن علَّته أو ضعَّفه.
ويصحِّح في أثناء التَّخريج ما يظهر له من أوهام العزو واختلاف أسماء المصادر، ويستدرك ما يتبيَّن من أخطاء في المتون والأسانيد وأسماء الرِّجال، ويبيِّن عند الحاجة سبب مخالفته حكم المنذري أو غيره. ومع ذلك يجعل غرضه الأساس تمييز الحديث الصَّحيح من السَّقيم، لا تحقيق جميع أصول «التَّرغيب والتَّرهيب» تحقيقًا نصيًّا شاملًا؛ ولذلك يحيل في كثير من البحوث الحديثيَّة المطوَّلة إلى مؤلَّفاته الأخرى، ويقتصر في تعليقات هذا الكتاب على ما يكشف عن مرتبة الحديث بأوجز ما يفي بالغرض.
ويبدأ «ضعيف التَّرغيب والتَّرهيب» بكتاب الإخلاص، فتظهر منذ أحاديثه الأولى المراتب التي اعتمدها الألباني؛ فيحكم على بعضها بالضَّعف، وعلى بعضها بالوضع، ويميِّز الآثار الموقوفة بوصفها مع بيان ضعفها، ثمَّ يعقِّب عند الحاجة على أحكام من سبقه؛ كتعقُّبه تصحيح بعض الأسانيد بوجود راوٍ ضعيف فيها. ويستمرُّ هذا المنهج في سائر أبواب الكتاب، فيبقى ترتيب المنذري في التَّرغيب والتَّرهيب أساسًا لترتيب المادَّة، بينما تتحدَّد جهة إدراج كلِّ حديث في «الصَّحيح» أو «الضَّعيف» ومرتبته داخلهما بنتيجة البحث في إسناده وطرقه وشواهده وعلله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




