
نبذة عن الكتاب:
يعالج ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب قسوة القلب بوصفها من أعظم ما يُبتلى به العبد، فيبدأ بما ورد في القرآن من ذمِّ القلوب القاسية، وتشبيهها بالحجارة بل بما هو أشدُّ قسوة؛ لأنَّ من الحجارة ما يتفجَّر منه الماء أو يتشقَّق أو يهبط من خشية الله تعالى، بينما قد يبلغ القلب من القسوة ما يحجبه عن الخشوع والانتفاع بالذِّكر. ويستدلُّ كذلك بالنَّهي عن التشبُّه بمن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وبالوعيد الوارد في القاسية قلوبهم من ذكر الله عزَّ وجلَّ، وينقل عن السَّلف تعظيمهم لهذه المصيبة حتى عدُّوا قسوة القلب من أشدِّ العقوبات التي يُصاب بها الإنسان.
ويذكر أنَّ من أسباب القسوة كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ إذ ينشغل القلب بما لا ينفعه، ويستشهد بما رُوي في أنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله تقسي القلب. ويضيف إلى ذلك نقض العهد مع الله عزَّ وجلَّ، مستدلًّا بقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}، وينقل عن ابن عقيل تحذيره من وجد قسوةً في قلبه أن يفتِّش في نفسه، لعلَّه نقض عهدًا بينه وبين الله تعالى فكانت القسوة من آثار ذلك.
ويعدُّ كثرة الضَّحك من أسباب موت القلب وقسوته، ثمَّ ينتقل إلى كثرة الأكل، ولا سيَّما إذا خالطه حرام أو شبهة، وينقل عن بشر بن الحارث أنَّ كثرة الكلام وكثرة الأكل خصلتان تقسِّيان القلب. وسُئل الإمام أحمد عن وجود رقَّة القلب مع الشبع فلم ير ذلك، فيرتبط امتلاء البطن هنا بضعف رقَّة القلب واستعداده للتأثُّر، كما يرتبط التخفُّف من فضول الطَّعام بما يعين على حياة القلب.
ويجعل كثرة الذُّنوب من أبرز أسباب القسوة، مستدلًّا بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. ويورد معنى أنَّ الذَّنب يُحدث في قلب المؤمن نكتةً سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقل قلبه، وإن عاد إلى الذُّنوب ازدادت حتى يعلوه الرَّان. وينقل عن بعض السَّلف تشبيه القلب بالبدن؛ فكما يرقُّ البدن إذا عري، يرقُّ القلب إذا قلَّت خطاياه وتسرع دمعته، ويستشهد بأبيات ابن المبارك في أنَّ إدمان الذُّنوب يميت القلوب، وأنَّ تركها حياة لها.
ويعرض بعد ذلك ما يزيل القسوة، فيقدِّم كثرة ذكر الله عزَّ وجلَّ إذا اجتمع عليه القلب واللِّسان؛ فقد شكا رجل إلى الحسن قسوة قلبه فقال له: «أدنه من الذِّكر». ويجعل قراءة القرآن بالتدبُّر من أقوى ما يرقِّق القلب ويستجلب له الحقَّ، وينقل عن يحيى بن معاذ وإبراهيم الخواص أنَّ دواء القلب يجتمع في قراءة القرآن بالتفكُّر، وخلاء البطن، وقيام اللَّيل، والتضرُّع عند السَّحر، ومجالسة الصَّالحين. ويستدلُّ لذلك بما وصف الله تعالى به قلوب المؤمنين من الاطمئنان بذكره، وبما تحدثه آيات القرآن في أهل الخشية من اقشعرار الجلود ثمَّ لينها ولين القلوب إلى ذكر الله تعالى.
ويذكر الإحسان إلى اليتامى والمساكين من أسباب لين القلب، فيورد خبر الرجل الذي شكا قسوة قلبه فأُرشد إلى مسح رأس اليتيم وإطعام المسكين، وينقل أخبارًا أخرى في المعنى نفسه. كما يذكر جواب الإمام أحمد لمن سأله كيف يرقُّ قلبه، فأمره بدخول المقبرة ومسح رأس اليتيم، فيجتمع في هذين العملين استحضار الآخرة والرَّحمة بالضُّعفاء، وهما مما يكسر غلظة النَّفس ويبعث فيها الرِّقَّة.
ويجعل كثرة ذكر الموت علاجًا آخر لقسوة القلب، وينقل عن عائشة رضي الله عنها أنَّ امرأة شكت إليها القسوة فأمرتها بالإكثار من ذكر الموت، فلمَّا فعلت وجدت في قلبها رقَّةً فعادت تشكر لها ذلك. وينقل عن بعض السَّلف أنَّهم كانوا يخشون فساد قلوبهم إذا غاب عنها ذكر الموت ساعةً، ويورد الأمر بالإكثار من ذكر «هادم اللَّذات»؛ لأنَّ استحضار الموت يقطع امتداد الأمل، ويوقظ الإنسان من الغفلة عن سرعة انقضاء عمره وانتقاله إلى الآخرة.
ويصل بذكر الموت إلى زيارة القبور مع التفكُّر في حال أهلها ومصيرهم؛ إذ تذكِّر بالموت والآخرة، وترقِّق القلب وتُدمع العين. ويورد أخبار صفوان بن سليم الذي كان يأتي البقيع فيجلس عند القبور ويبكي، لا لأنَّ القبر لقريب مخصوص، بل ليحرِّك قلبه بذكر الأموات كلَّما عرضت له القسوة. وينقل عن بعض العُبَّاد كثرة إتيان المقابر والنَّظر بعين الاعتبار إلى ما صار إليه أهلها من البِلى وتغيُّر الأجساد، حتى تتحوَّل مشاهدة آثار الموت إلى موعظة تكسر الغفلة وتردُّ القلب إلى الاستعداد لما أمامه.
ويمتدُّ هذا الاعتبار إلى النَّظر في ديار الهالكين ومنازل من مضوا؛ فيذكر أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه أتى الخربة وسأل عن أهلها، ثمَّ يردُّ نفسه إلى قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. وينقل عن الرَّبيع بن خثيم أنَّه كان إذا وجد قسوةً في قلبه أتى منزل صديق له مات، فيناديه ويتساءل عمَّا صار إليه وما فُعل به، ثمَّ يبكي حتى يظهر أثر ذلك عليه. ويورد ابن رجب في هذا السياق أبياتًا طويلة يعظ فيها نفسه بفناء الدُّنيا، وضياع العمر، وقرب الرَّحيل، وغرور المال والولاية، ويذكِّر بأنَّ من يحدِّث اليوم عن الموتى سيصبح غدًا حديثًا لمن بعده.
ويبيِّن أنَّ أكل الحلال من أصول لين القلب، فيورد سؤالًا وُجِّه إلى الإمام أحمد: بم تلين القلوب؟ فأجاب: «بأكل الحلال». ولمَّا نُقل جوابه إلى بشر بن الحارث قال: «جاء بالأصل»، وعدَّه عبد الوهاب الورَّاق جوهر المسألة وأصلها. فصلاح مورد الإنسان وما يدخل جوفه يتَّصل بصلاح قلبه، كما أنَّ كثرة الأكل والشُّبهات والحرام كانت في الجهة المقابلة من أسباب القسوة؛ ولذلك يجتمع علاج القلب عند ابن رجب في تصحيح صلته بالله تعالى بالذِّكر والقرآن، وتقليل أسباب الغفلة والذُّنوب، والرَّحمة بالضُّعفاء، واستحضار الموت والآخرة، والاعتبار بمصارع من مضى، وتحري الحلال فيما يأكله العبد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














