مكتبة العلوم الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب ذم الخمر لابن رجب الحنبلي PDF
كتاب ذم الخمر لابن رجب الحنبلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يحذِّر ابن رجب الحنبلي في هذا الكتاب من شرب الخمر بإبراز ما تجرُّه على الدِّين والعقل والسُّلوك من فساد، ويستهلُّ رسالته بالأخبار التي وصفتها بأنَّها «أمُّ الخبائث» و«مفتاح كلِّ شرٍّ»، مع تنبيهه في بعض المواضع إلى ضعف المرفوع أو رجحان الموقوف. ويورد قصَّة العابد الذي خُيِّر بين شرب الخمر والزِّنا والقتل، فاستصغر الشُّرب في بادئ الأمر، ثمَّ لمَّا سكر جمع الجرائم التي أراد الفرار منها، ويورد نظائر لهذه القصَّة للدَّلالة على أنَّ خطر الخمر لا ينحصر في معصية الشُّرب نفسها؛ لأنَّها تزيل العقل الذي يمنع صاحبه من اقتحام سائر المحرَّمات، فإذا زال الحاجز سهل على الشَّارب أن يُقاد إلى ما لم يكن يقدم عليه في حال صحوه.

ويجعل أعظم مفاسدها الدِّينيَّة ما تحدثه في الإيمان، مستدلًّا بقول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، وبالآثار الواردة في اجتماع إدمان الخمر والإيمان في قلب العبد. وينقل الأخبار التي جاء فيها تشبيه مدمنها بعابد الوثن، ثمَّ يفسِّر وجه ذلك بأنَّ المدمن يعكف على الخمر ويتعلَّق بها ولا يكاد يفيق منها، فيضعف إيمانه شيئًا بعد شيء، حتى يخشى عليه أن يُسلب عند الموت. ويورد في هذا المعنى قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في شدَّة خطر السُّكر؛ لأنَّ السَّكران تمرُّ عليه ساعة يذهب فيها عقله فلا يعرف ربَّه، فيبلغ فساد الخمر أصل الآلة التي يعرف بها الإنسان ربَّه ويميِّز بها ما ينفعه ممَّا يضرُّه.

ويربط ذهاب العقل بما تسبِّبه الخمر من الصَّدِّ عن ذكر الله عزَّ وجلَّ وعن الصَّلاة، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ}. ويقرِّر أنَّ العبد لا سعادة له ولا فلاح من غير ذكر الله تعالى والصَّلاة، ولذلك حُرِّم عليه ما يحول بينه وبينهما. ويذكر في هذا السِّياق ما ورد من الوعيد بعدم قبول صلاة شارب الخمر مدَّةً، وما ورد في سخط الله تعالى عليه، ويتناول الروايات المتعلِّقة بتكرار الشُّرب والتَّوبة، محاولًا حمل ما اشتدَّ لفظه من أحاديث الوعيد على وجه لا يغلق باب التَّوبة الصَّادقة.

ويعرض العقوبات المترتِّبة على الخمر في الدُّنيا والبرزخ والآخرة، فيذكر العقوبة الشَّرعيَّة وما وقع من الخلاف في القتل بعد المرَّة الرَّابعة، ثمَّ العقوبات القدريَّة الواردة في بعض الأحاديث من الخسف والمسخ. ويورد آثارًا في عقوبة شارب الخمر في قبره، ثمَّ ينتقل إلى ما ورد في عطشه يوم القيامة، وسوء هيئته، وما جاء في «طينة الخبال» التي فسَّرها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بعرق أهل النَّار أو عصارتهم. وتدور هذه الأخبار عنده على مقابلة اللَّذَّة العاجلة القصيرة بما يعقبها من الذُّل والعقوبة إذا لقي العبد ربَّه مصرًّا من غير توبة.

ويُفصِّل مقابلةً أخرى بين خمر الدُّنيا وخمر الآخرة، مستدلًّا بقول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيمن شربها في الدُّنيا أنَّه لا يشربها في الآخرة، مع الروايات التي قيَّدت ذلك بالموت على الإدمان أو عدم التَّوبة. ويقابل هذا الوعيد بما ورد فيمن تركها خوفًا من الله تعالى وأنَّه يُسقى من شراب أهل الجنَّة، فيجعل الخسارة الحقيقيَّة أن يستعجل الإنسان شرابًا يفسد عقله ودينه ويوقعه في المعاصي، فيفوِّت على نفسه شراب الجنَّة المطهَّر ولذَّة الاجتماع بالنَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين.

وينتقل من الوعيد النَّقلي إلى بيان قبح الخمر من جهة العقل نفسه، فيقرِّر أنَّ الشَّرع لو لم يرد بتحريمها لكان العقل مقتضيًا لتقبيحها؛ لأنَّها تزيل العقل الذي شرَّف الله تعالى به الإنسان وميَّزه عن الحيوان. ويصوِّر ما يبلغه السَّكران من فقد التمييز، والتلطُّخ بالأقذار، وإيذاء نفسه وغيره، والقتل والجرح وهتك السِّتر، حتى قد يصبح من فقد عقله بمرض أضبط لسلوكه من السَّكران الذي أزال عقله باختياره. ويذكر أنَّ بعض أهل الجاهليَّة امتنعوا من الخمر لما رأوا فيها من إذلال العزيز وتشويه الوجه وإفساد المروءة، ليؤكِّد أنَّ مفسدتها ظاهرة لمن نظر في عواقبها بعقل سليم.

ويجعل الخطر الأشدَّ في أن يفاجئ الموت شارب الخمر وهو مصرٌّ عليها، فيسوق أخبارًا لمن أدمنها ثمَّ مات بغتة، وآخر حمله السُّكر على ترك الصَّلاة حتى أدركته علَّته ومات. ولا يورد هذه الأخبار لمجرَّد تصوير سوء العاقبة، بل يصل منها مباشرةً إلى وجوب المبادرة بالتَّوبة؛ لأنَّ الوعيد الذي سبق ذكره مرتبط بالإصرار وعدم التَّوبة، أمَّا باب الرُّجوع إلى الله تعالى فمفتوح، ويستدلُّ بما ورد عقب حديث نفي الإيمان عن شارب الخمر من أنَّ التَّوبة معروضة بعد ذلك.

ويُفصِّل حقيقة هذه التَّوبة، فلا يجعل مجرَّد الانقطاع المؤقَّت عن الخمر توبةً ما دام الشَّارب عازمًا في قلبه على العودة إليها، بل لا بدَّ من النَّدم والإقلاع والعزم على عدم المعاودة. وينقل عن ابن المبارك تفسيره للمدمن بأنَّه قد يترك الخمر مدَّةً طويلة، لكنَّه متى وجدها كان من رأيه أن يشربها. وعلى هذا ينتقد من يترك الشُّرب في رمضان أو في الأيام الفاضلة وهو ينتظر انقضاءها ليعود إليه، ويرى أنَّ هذا لم يحقِّق معنى التَّوبة؛ لأنَّ تعلُّق القلب بالمعصية والعزم على استئنافها ما زالا قائمين وإن توقَّف الفعل مدَّةً.

ويناقش كذلك ما فعله بعض الجهلة من حمل أشعار الخمر والفسق على إشارات باطنيَّة، فيرفض استخراج «الأسرار» الدِّينيَّة من كلام ظاهره المعصية، ويشتدُّ إنكاره حين يؤول ذلك إلى معانٍ فاسدة تتعلَّق باتِّحاد الخالق بالمخلوق. ويقرِّر أنَّ الأسرار الرَّبَّانيَّة تُطلب من كلام الله عزَّ وجلَّ وكلام رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وكلام السَّلف الصَّالح والأشعار الحِكميَّة، لا من ألفاظ الخمر والمجون التي يُكسى ظاهرها أو باطنها تأويلًا دينيًّا.

ويدعو المذنب إلى أن يعرف قدر نعمة الله تعالى عليه في تحريم ما يفسده؛ فالنَّهي عن المعصية عنده صيانة للعبد وحفظ له، لا حاجة من الله عزَّ وجلَّ إلى امتناعه عنها. ويصل هذا المعنى بالخمر خاصَّةً بالعقل: فلمَّا كان العقل وسيلة معرفة العبد بربِّه، لم يَلِق به أن يتعمَّد شرب ما يستره ويقطعه عن المعرفة والذِّكر والصَّلاة. ومن تلطَّخ قلبه بالذُّنوب يستطيع أن يطهِّره بالإنابة، والنَّدم، ودمع العين، ومجالس الذِّكر والمواعظ، فيقابل ابن رجب «شراب» المعصية بشراب التَّوبة، ويجعل أثر الموعظة في القلوب متفاوتًا: فمن سامع يبكي على ذنوبه، ومن يتعلَّق بالصَّالحين، ومن يعزم على مفارقة الدُّنيا وهواها، ومن يبقى غافلًا كالنَّائم؛ بينما الموت يدنو منه، وعمره يمضي فيما سيكره عاقبته.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن رجب الحنبلي
أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن السَّلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي: حافظ ومحدّث وفقيه وواعظ، وُلد ببغداد في ربيع الأول سنة 736هـ، ثم قدم دمشق مع والده وهو صغير. اعتنى والده بسماعه الحديث، فأجاز له جماعة من الشيوخ، وسمع بدمشق من ابن الخباز وابن العطار وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح الميدومي، وبمكة من فخر الدين عثمان بن يوسف، وسمع من جماعة من أصحاب ابن البخاري، حتى مهر في الحديث وعلومه. اشتغل بالتدريس والإفادة، ودرّس بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية بدمشق، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين. وعُرف بالزهد والتقلل من مخالطة أصحاب الولايات، فلم يكن يتردد إليهم ولا يشتغل بأمورهم، مع اشتغاله بالتعليم والتصنيف والوعظ. وتدل كتبه على عنايته بالحديث والفقه الحنبلي والرقائق، ولا سيما تحريره لمسائل المذهب وجمعه لأقوال المتقدمين. خلّف عددًا من المصنفات المشهورة، منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، ولم يتمه وبلغ فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، و«شرح علل الترمذي»، و«جامع العلوم والحكم» في شرح أحاديث الأربعين النووية وما زاده ابن رجب عليها، و«ذيل طبقات الحنابلة»، و«القواعد الفقهية»، و«لطائف المعارف»، و«أهوال القبور»، و«فضائل الشام»، و«الاستخراج لأحكام الخراج»، و«كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، و«الاقتباس من مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس»، و«رياض الأنس»، وله رسائل أخرى في التوحيد والعلم والوعظ. توفي بدمشق سنة 795هـ، وقد اختلفت المصادر في شهر وفاته؛ فقيل في رجب، وقيل ليلة الاثنين 4 رمضان. وصُلِّي عليه في اليوم التالي ودُفن بباب الصغير إلى جانب قبر أبي الفرج الشيرازي.
عرض النبذة وكتب المؤلف