
نبذة عن الكتاب:
يجمع أبو بكر محمَّد بن خلف بن المرزبان المحوَّلي في «ذمّ الثقلاء» أخبارًا ونوادر وأشعارًا تدور حول من تثقل مجالستهم وتُملّ صحبتهم، وما يصدر عنهم من إطالة الجلوس وكثرة الكلام والإلحاح في السؤال وسوء مراعاة أحوال الجلساء. ويستهلّ الكتاب بما يربط هذا المعنى بآداب المجالس، فيورد خبر نزول قوله تعالى في الانصراف بعد الطعام، ثمَّ يسوق أحاديث وآثارًا في محبَّة الناس وحسن الخلق وبغض من ينفرون منه، قبل أن ينتقل إلى أخبار الثقلاء أنفسهم ومواقف العلماء والأدباء منهم.
ويجعل الثِّقل صفةً تظهر في المعاشرة أكثر مما تتصل بهيئة الشخص، فيورد قول من فرَّق بين من يخشى أن يكون ثقيلًا فيكون أخفَّ على الناس، وبين من يأمن ذلك فلا يراعي من يجالسه. ويذكر صورًا من الثِّقل في دخول المجالس بغير مناسبة، والجلوس في وسط الحِلَق، وإطالة الزيارة، والقدوم في أوقات لا يرغب أصحابها في الزائر، وما كان يفعله بعضهم للتخلُّص ممَّن يستثقلونه أو الإشارة إليه من غير تصريح.
ويكثر من أخبار المحدِّثين والعلماء مع من أثقلوا عليهم بالسؤال والجلوس، فيروي عن الأعمش والشَّعبي وأبي أسامة وسفيان الثَّوري وشريك بن عبد الله وغيرهم مواقف تكشف ضيقهم بمن يكثر الطلب أو يعيد السؤال أو يطيل المقام. ومن ذلك ما يورده عن عيادة المريض في غير وقتها، وكثرة سؤال المحدِّث حتى يمله، وملازمة الطالب للعالم مع عدم مراعاة حاله، فتتحول هذه الأخبار إلى صور ساخرة لآداب العلم والمجالس حين تُفقد فيها الخفَّة وحسن التقدير.
ويعرض كذلك لأخبار الأدباء والشعراء في ذمّ من استثقلوهم، فيورد أبياتًا لبشَّار والفرزدق وغيرهما، وقصائد قصيرة تقوم على المبالغة في تصوير الثَّقيل حتى يصبح حضوره كالحمل أو المرض أو الغمّ. وتأتي الأشعار متداخلة مع الأخبار، فتصف ثقل الجليس وطول مكثه، وتدعو إلى بُعده أو سفره، أو تقارن مجالسته بما هو أشدّ على النفس من التعب والمرض.
ويعتمد الكتاب على الطرافة وسرعة الجواب، فيجمع مواقف يكون فيها ردّ العالم أو الأديب على الثَّقيل أبلغ من الوصف المباشر؛ كمن يغمض عينيه لئلَّا يراه، أو يفرّ من المجلس إذا حضر، أو يعتذر عن الحديث والسؤال بحيلة ظاهرة، أو يواجهه بكلمة ساخرة تدفعه إلى الانصراف. وتظهر في هذه النوادر أسماء كثيرة من علماء البصرة والكوفة وبغداد وأدبائها، فتتداخل أخبار الثقلاء مع أخبار المجالس العلميَّة والأدبيَّة في العصر العباسي.
ويورد أخبار المأمون وغيره من الخلفاء والوجهاء في وصف الثَّقيل، ويجعل من أقوالهم والأجوبة المتبادلة بينهم وبين جلسائهم جزءًا من باب الفكاهة الأدبيَّة. كما يروي حكايات عن المغنِّين والنُّدماء والأعراب، ومن يقطع الحديث أو يتدخَّل فيما لا يعنيه أو يلازم القوم مع علمه بكراهتهم لمجالسته، فتتنوَّع صور الثِّقل بين ثقل الكلام، وثقل الزيارة، وثقل السؤال، وثقل الصحبة نفسها.
ويتناول أيضًا من يكثر الكلام حتى يفسد المجلس، ومن يقاطع حديث اثنين، ومن يسأل عمَّا لا يعنيه، ومن لا يفهم حديث القوم ولا يتركهم يفهمونه، ومن يعود المريض فيطيل الجلوس أو يرهقه بالأسئلة. ويصرِّح في بعض الأخبار بتقسيم صور الثقل إلى أصناف، مثل الزائر الذي يعرف أن القوم يستثقلونه ثمَّ يعود إليهم، والدَّاخل على رجلين قد استحسنا حديثهما فيقطعه عليهما، ومن يلتحق بحلقة فلا يسمع ولا يدع غيره يسمع.
ويعرض إلى جانب ذلك لمعنى البغض والنفور بين الناس، وما يورده الرُّواة من أن القلوب قد تنفر من شخص من غير جناية ظاهرة، فيجمع أقوالًا في توارث الودّ والبغض، وفي أثر الجليس السيئ على النفس. ولا يحاول بناء تعريف نظري للثِّقل، بل يترك معناه يتكوَّن من كثرة الشواهد والحكايات والمواقف المتكرِّرة التي تتفق في سوء وقع الشخص على من حوله.
ويكثر حضور الأعمش خاصةً في الكتاب، إذ يروي عنه المؤلف طائفة من المواقف مع الزوَّار وطلَّاب الحديث ومن يستثقلهم، وما كان يبديه من ضيق بهم أو فرار منهم أو تعليق ساخر على حضورهم. ويورد مثل ذلك عن ابن المقفَّع، إذ يذكر رجلًا كان يطيل الجلوس عنده، فكتب إليه يسأل سبيل الدخول عليه، فردَّ عليه بأن قليل الثقيل طويل، وهي من الأخبار التي تختصر مقصد الكتاب في ذمّ من لا يعرف مقدار المقام ولا وقت الانصراف.
ويختم الكتاب بأخبار متفرِّقة تستمرُّ على النَّسق نفسه من النوادر والأجوبة والأشعار، حتى ينتهي بخبر امرأة عرَّفت نفسها بأنها هُريرة صاحبة الأعشى. وبذلك يقوم «ذمّ الثقلاء» على مزج الحديث والأثر والأدب والشِّعر والفكاهة، ليصوِّر آداب المجالسة من جهة نقيضها، ويكشف في طرافة ظاهرة عن أثر طول الصحبة وكثرة الكلام وسوء التقدير في نفوس الجلساء.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














