
نبذة عن الكتاب:
يجمع ابن القيِّم في هذا الكتاب الأحاديث والآثار الواردة في الصَّلاة والسَّلام على النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويمحِّص أسانيدها وألفاظها، ويميِّز صحيحها وحسنها ومعلولها، ثمَّ ينتقل من الرِّواية إلى بيان معاني الصَّلاة والسَّلام وأسرارهما، ومواضع مشروعيَّتهما، ومقدار الواجب منهما، وما يترتَّب عليهما من الفضائل والثَّمرات. وقد نصَّ في مقدِّمته على أنَّ غرضه الجمع بين نقد الأحاديث، وشرح هذا الدُّعاء وما اشتمل عليه من الحِكَم، وتحرير مواضعه وأحكامه الفقهيَّة.
ويبدأ بالأحاديث المرفوعة في كيفيَّة الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها، فيجمع طرق حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، وكعب بن عجرة رضي الله عنه، وأبي حميد السَّاعدي رضي الله عنه، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبي هريرة رضي الله عنه، وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم. ولا يكتفي بسوق المتون، بل ينظر في اختلاف الطُّرق والزِّيادات، وأحوال الرُّواة، والانقطاع والاختلاط والتَّدليس، ويرجِّح بعض الرِّوايات على بعض، ويبيِّن ما يصحُّ الاستدلال به وما يصلح للشَّواهد وما لا يثبت.
ويتناول الصِّيغ المرويَّة للصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدِّمتها الصَّلاة الإبراهيميَّة: «اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صلَّيت على إبراهيم...»، ويقارن بين ألفاظها المختلفة في الأحاديث الصَّحيحة؛ فمنها ما يذكر «آل محمَّد»، ومنها ما يذكر أزواجه وذريَّته، ومنها ما يزيد بعض الأوصاف. ويجعل تعدُّد هذه الصِّيغ من اختلاف التَّنوُّع، مع عنايته بتمييز الألفاظ المحفوظة من الزِّيادات التي وقع فيها الخلاف بين المحدِّثين.
ثمَّ يجمع المراسيل والموقوفات وما ورد عن التَّابعين ومن بعدهم في فضل الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعلَّق بإبلاغه صلاة أمَّته وسلامهم عليه، والإكثار منها يوم الجمعة، وذكره في المجالس. ويعامل هذه الآثار بحسب مراتبها، فلا يسوِّي بينها وبين الأحاديث الصَّحيحة المرفوعة، بل يذكر ما فيها من إرسال أو ضعف أو وقف، وما يصلح منها للاعتبار.
ويفصِّل معنى الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش الأقوال في تفسير صلاة الله تعالى عليه: هل هي الرَّحمة، أو المغفرة، أو الثَّناء عليه في الملأ الأعلى وإظهار شرفه وفضله، ويرجِّح أنَّها ثناء الله عز وجل عليه وتعظيمه وتشريفه. كما يبيِّن صلاة الملائكة وصلاة المؤمنين عليه، ويرى أنَّ اختلاف فاعل الصَّلاة يقتضي اختلاف حقيقتها بحسب من صدرت عنه، فلا تُحمَل صلاة الله تعالى على المعنى نفسه الذي تُحمَل عليه صلاة العبد.
ويشرح قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ويربط أمر المؤمنين بالصَّلاة عليه بما سبق من إخبارهم بصلاة الله عز وجل وملائكته عليه، ويرى أنَّ في ذلك تنبيهًا على علوِّ منزلته صلى الله عليه وسلم، وعلى حقِّه على أمَّته بسبب ما نالها برسالته من الهداية وخير الدُّنيا والآخرة.
ويتناول معنى «الآل» في قوله: «وعلى آل محمَّد»، ويستعرض الأقوال في المراد بهم: أزواجه وذريَّته، أو بنو هاشم وبنو المطَّلب، أو أتباعه على دينه، أو مجموع من يدخل تحت هذه المعاني بحسب السِّياق. ويناقش أدلَّة كلِّ قول، وما يتَّصل بتحريم الصَّدقة ولفظ أهل البيت، ويرجِّح بين الدَّلالات بحسب موارد النُّصوص.
ويفرد بحثًا واسعًا لتشبيه الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة على إبراهيم عليه السلام وآله، فيناقش الإشكال المشهور في قول المصلِّي: «كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»، مع كون النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. ويذكر الأجوبة المختلفة، ويتناول احتمال دخول إبراهيم عليه السلام في آله، ودخول النبي صلى الله عليه وسلم في آل إبراهيم، وما يترتَّب على ذلك من الجمع بين التَّشبيه والتَّفضيل، مع تحليل ألفاظ الصِّيغة ووجوه المقارنة فيها.
ويشرح اسمي الله تعالى «الحميد المجيد» اللَّذين تُختَم بهما الصَّلاة الإبراهيميَّة، ويربط الحمد بالكمال والثَّناء المستحقِّ لله عز وجل، والمجد بسعة صفات العظمة والجلال، ثمَّ يبيِّن مناسبة هذين الاسمين للدُّعاء بالصَّلاة والبركة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله.
كما يتناول معنى السَّلام عليه صلى الله عليه وسلم، والفرق بين السَّلام والصَّلاة، ومعنى الرَّحمة والبركة، ولفظ «اللهمَّ» من جهة الاشتقاق والاستعمال، ثمَّ يتناول معنى اسم «محمَّد» صلى الله عليه وسلم وما يتضمَّنه من كثرة خصال الحمد، وصلته بما أثنى الله تعالى به عليه وما أثنت به عليه أمَّته.
وينتقل إلى المواطن التي تتأكَّد فيها الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيبدأ بآخر التَّشهُّد في الصَّلاة، ويعرض الخلاف الفقهي في وجوبها هناك أو استحبابها، وينقل أدلَّة الشَّافعي وأحمد وغيرهما ممَّن أوجبها، وأدلَّة من لم يرها فرضًا، ثمَّ يوازن بين الأحاديث والآثار ومذاهب الصَّحابة والتَّابعين والفقهاء.
ويذكر بعد ذلك مواضع كثيرةً تتأكَّد فيها الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، منها عقب الأذان، وعند الدُّعاء، ويوم الجمعة وليلتها، وعند دخول المسجد والخروج منه، وفي صلاة الجنازة، وعند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، وفي المجالس، وعند كتابة اسمه، وعند الصَّباح والمساء، وعقب ختم القرآن، وفي القنوت، والخطب، وعند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وعند المرور بآية تتضمَّن ذكره في بعض أحوال القراءة، مع بحث الأدلَّة الخاصَّة بكلِّ موطن وبيان مراتبها.
ويبحث مقدار ما يجب على المسلم من الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش الأقوال في وجوبها في العمر مرَّة، أو كلَّما ذُكِرَ، أو في كلِّ مجلس، أو في الصَّلاة خاصَّة، ويفرِّق بين أصل الأمر المطلق وبين المواضع التي جاءت فيها أدلَّة خاصَّة مؤكِّدة. ويعرض في ذلك مذاهب الفقهاء وأدلَّتهم، ويحرِّر مواضع الوجوب والاستحباب بحسب ما يراه راجحًا.
ويجمع في باب الفضائل والثَّمرات جملةً كبيرةً ممَّا يترتَّب على الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيذكر امتثال أمر الله تعالى، وموافقة الملائكة في الصَّلاة عليه، وحصول عشر صلوات من الله تعالى لمن صلَّى عليه مرَّةً، ورفع الدَّرجات، وكتابة الحسنات، ومحو السَّيِّئات، ورجاء إجابة الدُّعاء، ونيل الشَّفاعة، ومغفرة الذُّنوب، وكفاية الهموم، والقرب منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وطيب المجالس، والبركة، وزيادة محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم في القلب.
ويربط كثرة الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم بدوام ذكره واستحضار سنَّته وهديه، ويرى أنَّ كثرة ذكر المحبوب سبب في زيادة محبَّته، وأنَّ محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم تتقوَّى بمعرفة ما جاء به واتِّباعه، لا بمجرَّد حركة اللِّسان. ومن هنا يجعل الصَّلاة عليه سببًا لهداية القلب وحياته؛ لأنَّ من امتلأ قلبه بمحبَّته ومعرفة سنَّته ازداد قبولًا لأوامره وتصديقًا بأخباره واقتداءً بهديه.
ويذكر أنَّ الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم أداء لشيء من حقِّه على أمَّته وشكر لله عز وجل على نعمة إرساله، وأنَّها تتضمَّن ذكر الله تعالى، والإقرار بربوبيَّته وصفاته وإرسال رسوله وتصديقه ومحبَّته. كما يفسِّرها من جهة الدُّعاء بأنَّ العبد يؤثر فيها سؤال الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم مزيد التَّشريف والثَّناء والإكرام على سؤال حوائجه الخاصَّة، ويربط ذلك بإيثار محابِّ الله تعالى ورسوله.
ثمَّ يفرد مسألة الصَّلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله؛ فيقرِّر مشروعيَّة الصَّلاة والسَّلام على سائر الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، ثمَّ يناقش حكم إفراد غير الأنبياء بها، مستدلًّا بما ورد من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه وأهل الزَّكاة، وبما نُقِلَ عن السَّلف، ويعرض في المقابل حجج من منع اتخاذ الصَّلاة شعارًا لشخص معيَّن من غير الأنبياء.
ويفرِّق في آخر مسائل الكتاب بين الصَّلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وذريَّته، وبين الصَّلاة على غيرهم؛ فيجيز الصَّلاة على آله مع الصَّلاة عليه، ويرى جوازها مفردةً في الجملة، ويجيز الدُّعاء بالصَّلاة لعموم الملائكة وأهل الطَّاعة، أمَّا تخصيص شخص معيَّن من غير الأنبياء بالصَّلاة والسَّلام على وجهٍ يصير شعارًا ملازمًا له دون نظرائه أو من هو أفضل منه فيمنعه، بينما لا يرى بأسًا بوقوع ذلك أحيانًا من غير اتِّخاذه شعارًا دائمًا.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














