
نبذة عن الكتاب:
يتولَّى محمد ناصر الدِّين الألباني في «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» تخريج الأحاديث والآثار التي استدلَّ بها إبراهيم بن محمد بن ضويان في كتابه الفقهي «منار السبيل في شرح الدليل»، وهي مادة حديثيَّة غزيرة قاربت 3000 حديث، موزَّعة على أبواب الفقه الحنبلي. ولا يقتصر الألباني على عزو الحديث إلى مصادره، بل يجعل الغرض الأساس تمييز ما تثبت به الحُجَّة ممَّا لا يثبت، ببيان درجة كلِّ حديث، ودراسة أسانيده وطرقه وشواهده، والكلام على رجاله وعلله، وموازنة الروايات المختلفة عند الحاجة.
يشرح الألباني في مقدِّمته باعثه على هذا التخريج، ومنه مكانة «منار السبيل» في الفقه الحنبلي وكثرة ما اشتمل عليه من الأحاديث، وعدم وجود تخريج مطبوع لكتاب فقهي حنبلي على نحو ما وُجد لبعض كتب المذاهب الأخرى. ويربط عمله كذلك بخدمة الفقه المقارن؛ إذ يرى أنَّ الموازنة بين الأقوال الفقهيَّة لا تستقيم إذا أُدخلت في أدلَّتها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وأنَّ الحديث الضعيف يُطرح من مقام المعارضة والاستدلال، أمَّا الأحاديث الثابتة التي يبدو بينها التعارض فتُجمع بوجوه التوفيق المعروفة عند المحدِّثين والأصوليِّين.
ويحدِّد منهجه في التخريج تحديدًا واضحًا؛ فيبدأ بالحكم على الحديث، ثمَّ يذكر مَن أخرجه، ويتناول إسناده تصحيحًا أو تضعيفًا، إلا إذا كان الحديث في الصَّحيحين أو أحدهما فقد يكتفي بذلك. وإذا كان الإسناد ضعيفًا تتبَّع طرق الحديث وشواهده ليتبيَّن هل يظلُّ على ضعفه أو يرتقي بمجموعها إلى الحسن لغيره أو الصَّحيح لغيره، ويوازن في أثناء ذلك بين الوصل والإرسال، والرَّفع والوقف، والاختلاف على الرُّواة، وما يقع في المتون والأسانيد من اضطراب. وإذا لم يقف على الإسناد نقل ما وجده من تخريج أهل العلم وتحقيقهم من غير أن يجزم للحديث بمرتبة لا يستطيع إثباتها.
ويطبِّق هذا المنهج منذ الأحاديث الأولى تطبيقًا تفصيليًّا؛ فقد يفرِّق بين ألفاظ حديث واحد لاختلاف طرقها، ويحكم على بعضها بضعف أشد من بعض، ويرجِّح الرواية المرسلة على الموصولة إذا كان الإرسال محفوظًا عن الأوثق والأكثر، ولا يجعل مجرَّد تعدُّد الطرق سببًا كافيًا لتقوية الحديث إذا كانت شديدة الضعف أو مضطربة. وفي المقابل يجمع الشواهد والمتابعات التي تصلح للتقوية، ويستفيد من أحكام الأئمَّة المتقدِّمين في الجرح والتعديل والعلل، وقد يناقش تصحيح إمام أو تحسينه أو تضعيفه إذا ظهر له أنَّ مجموع الطرق وقواعد النَّقد الحديثي تقتضي حكمًا آخر.
ويمتدُّ التخريج مع ترتيب «منار السبيل» في أبواب الطَّهارة، فيدرس أحاديث المياه وأحكامها، والطَّهوريَّة والنَّجاسة، والآنية، وقضاء الحاجة، والسِّواك، والوضوء ونواقضه، والمسح على الخفَّين، والغُسل والتَّيمُّم، وإزالة النَّجاسة وغيرها. ومن أمثلة طريقته تخريجه لحديث ماء البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ ميتته»، إذ يسوق إسناده ويصحِّحه وينقل تصحيح عدد من الأئمَّة له، كما ينبِّه في مواضع أخرى إلى الخطأ في عزو الحديث إلى بعض المصنَّفات أو إلى اختلاف لفظه عمَّا أورده صاحب «منار السبيل».
ثمَّ يعالج أحاديث الصَّلاة بأبوابها الواسعة: المواقيت، والأذان والإقامة، وشروط الصَّلاة وصفتها، والسَّهو، وصلاة التَّطوُّع والجماعة والإمامة، وصلاة أهل الأعذار، والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء. ويتلو ذلك أحاديث الجنائز من الاحتضار والتَّغسيل والتَّكفين والصَّلاة والدَّفن والتَّعزية وما يتعلَّق بالقبور، ثمَّ أحاديث الزَّكاة في الأموال المختلفة ومقادير الأنصبة والمصارف وزكاة الفطر، وأحاديث الصِّيام وما يثبت به دخول الشَّهر والمفطِّرات والقضاء والكفَّارات وصيام التَّطوُّع، ثمَّ الاعتكاف.
ويستوعب في الحج أحاديث المواقيت والإحرام والتَّلبية ومحظورات الإحرام والفدية، وصفة الحج والعُمرة، والطَّواف والسَّعي، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار والهدي وسائر المناسك، ويولي عناية خاصة لجمع طرق الأحاديث الطويلة واختلاف ألفاظها؛ لأنَّ اختلاف اللفظ قد يؤثِّر في وجه الاستدلال الفقهي. ثمَّ ينتقل إلى الجهاد وما يتَّصل به من السِّير والغنائم والفيء والأمان والهدنة، مستمرًّا في الفصل بين ثبوت أصل الحديث وثبوت اللفظ الخاص الذي استُدلَّ به على المسألة.
وفي أبواب المعاملات يتناول أحاديث البيع وشروطه وصوره المنهي عنها، والرِّبا والصَّرف والسَّلَم والقرض والرَّهن والضَّمان والحوالة والصُّلح والوكالة، وما يتَّصل بالحجر والشَّركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة والإجارة والسَّبق والعارية والغصب والشُّفعة والوديعة وإحياء الموات والجعالة واللُّقطة واللَّقيط وغيرها. ولا يقتصر التحقيق هنا على الأحاديث المرفوعة، بل يخرِّج الآثار الموقوفة التي يستند إليها الحكم الفقهي، وينظر في صحَّة نسبتها إلى الصَّحابة رضي الله عنهم، ويبيِّن أثر الاختلاف في الإسناد أو المتن في صلاحية الأثر للاحتجاج.
ويتابع تخريج أدلَّة مسائل الفرائض والوصايا والوقف وما يتَّصل بها، ثمَّ ينتقل إلى النِّكاح؛ فيدرس الأحاديث الواردة في اختيار الزَّوجين، والولاية، والشُّهود، والمحرَّمات في النِّكاح، والشُّروط والعيوب، والصَّداق والوليمة وعِشرة النِّساء والحقوق المتبادلة. ويظهر في هذه الأبواب أثر جمع الطرق بوضوح؛ فقد يكون أصل المعنى ثابتًا من حديث صحابي، بينما لا تثبت رواية أخرى نُسبت إلى صحابي مختلف، فيفصل الألباني بين صحَّة المعنى وصحَّة الإسناد المعيَّن بدل أن يسوِّي بين الروايات لمجرَّد اتفاقها في الحكم.
ويمضي في تخريج أحاديث الطَّلاق وما يتفرَّع عنه، والإيلاء والظِّهار واللِّعان والعِدَد والرَّضاع والنَّفقات والحضانة، ثمَّ الجنايات والقصاص والدِّيات والعاقلة وكفَّارة القتل، فالحدود وما يتعلَّق بالزِّنا والقذف والسَّرقة والأشربة وغيرها من الجرائم والعقوبات. وفي هذه المواضع تتأكَّد عنايته بدرجة الدَّليل؛ لما يترتَّب على ثبوت الحديث أو ضعفه من أثر مباشر في الاستدلال على الأحكام، فيفصل طرق الرواية، ويكشف الرُّواة المجهولين أو الضُّعفاء، ويستخرج المتابعات والشواهد، وينقل أحكام أئمَّة الحديث ثمَّ يوازن بينها.
ويشمل القسم الأخير أحاديث الأطعمة والذَّبائح والصَّيد وما يتَّصل بالحلال والحرام فيها، ثمَّ الأيمان والنُّذور والقضاء والشَّهادات وما يلحق بها من مسائل الإثبات والخصومات. ويظلُّ منهجه واحدًا إلى آخر التخريج: جمع طرق الحديث بقدر ما وقف عليه، والكشف عن مواضع الاختلاف، وفحص أحوال الرُّواة، والاستفادة من كلام أئمَّة النَّقد، والنَّظر في صلاحية الشَّواهد والمتابعات، ثمَّ إصدار الحكم الذي انتهى إليه على الحديث أو الإسناد. وفي مباحث القضاء، مثلًا، يتتبَّع طرق الأحاديث المتعلِّقة بالبيِّنة واليمين والشَّهادة، ويميِّز بين الموصول والمرسل، والمسمَّى والمبهم في الأسانيد، ويرجِّح ما يراه محفوظًا عند اختلاف الرُّواة؛ ليبقى الحكم على الدَّليل الحديثي مبنيًّا على نقد طرقه لا على مجرَّد وروده في كتاب فقهي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:




