يتقصّى محمد محمد أبو موسى في هذا الكتاب أسرار الصنعة في الشعر الجاهلي، مستكشفًا ما يمنح كلَّ شاعرٍ سَمْتَه، وكلَّ قصيدةٍ خصوصيّتها، وإن اشترك الشعراء في الموضوع وتقاربت بينهم المعاني. ويتّخذ من شعر امرئ القيس، وأوس بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني ميدانًا لقراءة بيانية تستنطق دقائق الألفاظ والتراكيب، وتتتبّع تآلف الصور وتسلسل المعاني، وتكشف الصلات بين مطالع القصائد ومقاصدها. ففي ذكر الديار والصاحبة والرحلة، وفي مشاهد الليل والصيد والمطر، يلتمس المؤلف دلائل الصنعة ومداخل الفهم، مبيّنًا كيف يسري غرض الشاعر في تفاصيل كلامه، وكيف تتساند أجزاء القصيدة في الإفصاح عمّا يعتمل في نفسه.
ويمتدّ النظر إلى صور القوس والشهدة والدُّرّة عند عدد من الشعراء، فيوازن بين طرائق بنائها، ويكشف أثر السياق في اختلاف دلالاتها، وما يجمع مشاهد الظفر بها من معاني المكابدة والإصرار وبذل الجهد لبلوغ الغاية. وتستند هذه القراءة إلى طول مدارسة الشعر، والموازنة بين نظائره، ومحاورة أقوال شُرّاحه ونقّاده، انطلاقًا من أن النصوص تحمل مفاتيح فهمها، وأن تكرار النظر فيها يكشف من خفاياها ما تستره القراءة العَجْلى. وتصحب ذلك عنايةٌ بمنزلة الشعر الجاهلي في البيان العربي وصلته بفهم الإعجاز القرآني؛ لتغدو دراسة الشعر سبيلًا إلى تهذيب الذوق، وإرهاف الحسّ باللغة، وتعلّم السؤال الذي يفتح مغاليق المعنى.