يستقصي أبو منصور الثعالبي في هذا الكتاب ما تفرَّق في كلام البلغاء والشعراء والحكماء من محاسن الأشياء ومساوئها، ويُقابل بين وجوه المدح والذمِّ في الموضوع الواحد، منتقيًا من بدائع النثر وعيون الشعر وجوامع الحكمة ما يُبرز براعة القائلين في تحسين المعنى وتقبيحه، وإظهار الشيء في صورتين متقابلتين بحسب اختلاف النظر إليه. والكتاب في أصله مصنَّفان، أحدهما «الظرائف واللطائف» والآخر «اليواقيت في بعض المواقيت»، جمع بينهما أبو نصر أحمد بن عبد الرزاق المقدسي لتقارب موضوعاتهما واتِّحاد طريقتهما، بعد أن كان الثعالبي قد أفرد كلًّا منهما بمقدِّمة خاصَّة. وقد بُوِّب المجموع في 162 بابًا، تقوم غالبيَّتها على إيراد ما قيل في مدح الشيء ثم ما قيل في ذمِّه، فيُساق للقارئ من الشواهد ما يُحسن الممدوح ويُزيِّن خصاله، ثم يُقابله بما يكشف عيوبه ويُنفِّر منه. ويستمدُّ المؤلِّف مختاراته من الآيات القرآنيَّة والأخبار المرويَّة والأمثال السائرة والحِكَم المأثورة، ومن أشعار المتقدِّمين والمُحدَثين ورسائل الكُتَّاب وفصول البلغاء، ويُضمِّنها شيئًا من نظمه ونثره، وما أخذه مشافهةً عن أدباء عصره.
ويفتتح الثعالبي أبوابه بما قيل في الدنيا والدهر من ثناءٍ وذمٍّ، فيُورد من وصف الدنيا بأنَّها دار العمل ومزرعة الآخرة، ومن صوَّرها موطنًا للغرور وتقلُّب الأحوال وانقطاع المسرَّات، ثم ينتقل إلى السلطان والوزارة وتولِّي الأعمال، فيُقابل ما قيل في شرف الحكم وإقامة العدل وحفظ النظام بما قيل في تقلُّب الملوك ومخاطر خدمتهم وفساد الولاية. ويُفرد للعقل والعلم والخطِّ والقلم والأدب والشعر والكتب أبوابًا يستحضر فيها منزلة المعرفة وآثارها في تهذيب الإنسان وحفظ المآثر، ثم يُعارضها بما نظمه الأدباء من الشكوى من العقل والعلم وقلَّة حظِّ أصحابهما من المال والجاه. ومن أظهر شواهد هذه الطريقة ما ينقله عن الجاحظ من مدح العلوم ثم ذمِّها، إذ يتناول الحديث والفقه والكلام والفلسفة والطب والنحو والحساب والعروض وغيرها، فيُحسن وصف منافعها أو يُظهر ما يُؤخذ عليها بحسب مقتضى المقام. ويستطرد إلى التجارة والضِّياع والدُّور والأبنية والحمَّامات والمال والغنى والفقر والقناعة، مستخرجًا من أقوال الحكماء وتجارب الناس وجوه النفع والضرر، وما يتَّصل بهذه الأحوال من تقلُّب الرزق وحُسن التدبير ومشقَّة العيش.
ويُعالج المؤلِّف في طائفة أخرى من الأبواب الأخلاق والطبائع والعلاقات الإنسانيَّة، فيذكر فضائل اللسان والصمت والصبر والحلم والمشورة والتأنِّي والعزلة والشجاعة والجود والحياء، ثم يورد بإزائها ما قيل في عيوبها أو المبالغة فيها أو سوء استعمالها. ويخصُّ البخل والحقد بمنتخباتٍ تُظهر قدرة الأدباء على التماس المحاسن فيما اشتهر بالذمِّ، كما يُقابل بين الإشادة بالصَّداقة والإخوان والشكوى من جفائهم وغدرهم، ويتناول المزاح والعتاب والحجاب والزيارة وما يُحمد منها ويُستثقل. ثم يتَّسع إلى النساء والزواج والجواري والعيال والأبناء والبنات والغلمان، فينقل ما قيل في الألفة والمودَّة والنسل وبهجة الأسرة، وما قيل في أعباء الزواج وتكاليف العيال وآلام الفراق. وتكثر في هذه الأبواب المقطوعات الشعريَّة والأجوبة البديهة والتشبيهات الطريفة، وتظهر فيها براعة الشعراء في بناء المعنى ونقيضه، واستنباط الحجَّة لكلٍّ منهما، مع اختلاف نزعاتهم بين الجدِّ والهزل والحكمة والمجون.
ويمتدُّ الكتاب إلى أوصاف الأشياء ومشاهد الطبيعة وأحوال الإنسان، فيُورد ما قيل في السماع والزجاج والذهب والشِّطرنج، وفي النَّرجس والورد، ثم يتناول الشتاء والصيف والمطر والقمر، مُقابلًا بين جمال المنظر ومشقَّته، وبين ما تجلبه الفصول والظواهر من منفعةٍ وما يصحبها من أذًى. وينتقل إلى السفر والغربة والفراق والبكاء والرؤيا والهديَّة والدَّين، فيستحضر ما تُثيره من آمالٍ ومسرَّات أو همومٍ وحسرات، ثم يُفرد للشباب والشَّيب والخضاب والمرض والموت أبوابًا تتجلَّى فيها نظرة الشعراء إلى العمر والفناء وتبدُّل الأحوال. ولا يُغفل ما قيل في السواد والعمى والسجن والتعليم والرقيب واليمين ولفظة «لا»، وما ابتكره الأدباء من معانٍ في الثناء عليها أو التبرُّم منها. ويُورد في أواخر الكتاب ما قيل في مدح شهر رمضان وذمِّه، فتتجاور الأشعار التي تُعظِّم الصيام والعبادة مع مقطوعات أهل المجون الذين يشكون طول الشهر وانقطاع مألوف لذَّاتهم، ثم يُتبع ذلك ببابَي مدح الوعد وذمِّه، وما ورد فيهما من الأخبار عن سرور الموعود وفضل الوفاء وخشية الإخلاف. وتقوم طريقة الثعالبي في هذه الأبواب على حُسن الانتقاء وتكثير الشواهد وتنويع أساليب القول، فتتجاور الحكمة مع الطُّرفة، والموعظة مع السُّخرية، ويغدو اختلاف المدح والذمِّ ميدانًا لإظهار دقائق المعاني ووجوه التَّصرُّف البياني، وما حَفِظته العربيَّة من لطائف القول وبديع التشبيه والاستعارة والمفارقة.