يَنْتَقِي عليُّ بن سُودُون اليَشْبُغَاوِيُّ في كتاب «نُزْهَة النُّفُوس ومُضْحِك العَبُوس» طائفةً من أشعاره وأزجاله وكتاباته النَّثريَّة، مُنَوِّعًا بين الجِدِّ والهَزْل، وما يتَّصل بهما من أغراضٍ أدبيَّةٍ ونوادرَ ساخرةٍ، ومُعْتَمِدًا في كثيرٍ من طرائفه على المُبَالَغَة والمُفَارَقَة ونَظْم البَدِيهِيَّات. ويُرَتِّب ما اختاره من نتاجه الأدبيِّ في أبوابٍ تتمايز فيها الموضوعات، ويُفَرِّق بين الشِّعر الجادِّ الذي يَجْرِي على الأغراض الشِّعريَّة المألوفة، والنُّصوص الهَزْلِيَّة التي يغلب عليها الإضحاك والسُّخْرِيَة. ففي الجانب الجادِّ يَنْظِم في المَدْح والغَزَل والوَصْف، ويُعْنَى بالمدائح النَّبويَّة، إلى جانب أشعارٍ في الحِكْمة استخلص معانيها من تجاربه، وأبياتٍ في التَّغَزُّل بالأسماء والألغاز ومقطوعات الرِّثاء.
وأمَّا الجانب الهَزْلِيُّ، وهو الأوسع في الكتاب، فيَتَّسِع لألوان السُّخْرِيَة والمُدَاعَبَة والنَّقْد، ويُبْرِز طَرِيقَة ابن سُودُون في إثارة الدَّهشة من الأمور البَدِيهِيَّة، والإفاضة في تقرير الحقائق الواضحة، وصَوْغ المعاني التي لا تحتاج إلى بيانٍ في عباراتٍ تُضْفِي عليها طابعًا من المُبَالَغَة والطَّرَافَة. ويَتَظَاهَر في بعض نصوصه بالمعرفة والبطولة، ويَسْتَرْسِل في الأوهام والأحلام، ويُضْفِي على المعاني البسيطة مظهرًا من الجِدِّيَّة يُحْدِث المُفَارَقَة بين أسلوب التَّعبير ومضمونه. كما يَتَطَرَّق إلى الطَّعام والشَّراب، ويُصَوِّر شِدَّة الشَّوق إليهما، ويتَّخذ من ذلك سبيلًا إلى الفكاهة والإضحاك. وتَمْتَدُّ سُخْرِيَتُه إلى العادات والتَّقاليد الاجتماعيَّة، وبعض المظاهر الثَّقافيَّة، والأوضاع السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، في نصوصٍ تتداخل فيها المُدَاعَبَة والنَّقْد والعبث. ويَتَنَوَّع التَّعبير عن هذه الموضوعات بين الشِّعر الفصيح والزَّجَل والشِّعر العامِّيِّ والمنظومات المَلْحُونَة والنَّثر السَّاخر، بما يُبْرِز تعدُّد أساليبه في الهَزْل والتَّصوير، وما يقوم عليه جانبٌ من فُكاهَتِه من المُبَالَغَة والمُفَارَقَة واللَّعِب بالمعاني.